النفط يشتعل مع تصاعد الحرب ومخاوف الإمدادات
شهدت أسواق النفط العالمية موجة صعود قوية في ختام تداولات الأسبوع، بعدما عادت الحرب في الشرق الأوسط لتفرض نفسها مجدداً بوصفها العامل الأكثر تأثيراً في حركة الأسعار، وتدفع المتعاملين إلى إعادة تسعير احتمالات تعطل الإمدادات وامتداد الصراع لفترة أطول من المتوقع. ففي لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي، لم تعد أسعار الخام تتحرك فقط وفق معادلات العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت تعكس مزيجاً معقداً من التهديدات العسكرية، واضطراب الممرات البحرية، وتراجع السيولة، وتصاعد القلق التضخمي العالمي.
وأغلق خام برنت المرجعي العالمي مرتفعاً بنحو 4.2 % فوق مستوى 112 دولاراً للبرميل، في حين أنهى خام غرب تكساس الوسيط الأميركي التداولات فوق 99 دولاراً، في إشارة واضحة إلى أن السوق عادت لتسعّر احتمال استمرار الصراع الإقليمي وما قد يترتب عليه من اختناقات جديدة في تدفقات الطاقة. هذا الارتفاع لم يكن مجرد تعويض لخسائر سابقة، بل مثّل تأكيداً على أن السوق باتت تنظر إلى التطورات العسكرية والسياسية باعتبارها عاملاً هيكلياً مؤثراً، لا مجرد متغير طارئ عابر.
صدمة سعرية
اللافت أن موجة الارتفاع الأخيرة جاءت رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد المهلة الممنوحة لإيران لمدة عشرة أيام إضافية قبل استهداف البنية التحتية للطاقة، في خطوة كان يُفترض نظرياً أن تمنح الأسواق بعض الهدوء، غير أن القراءة الفعلية في السوق كانت مختلفة؛ إذ اعتبر المتعاملون أن هذا التمديد لا يعني انحسار الخطر، بل على العكس، يطيل أمد حالة الترقب القلق ويُبقي احتمالات التصعيد العسكري المباشر قائمة.
كما عززت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا الانطباع، بعدما أكد أن الولايات المتحدة لم تتلقَّ رداً إيرانياً على خطة واشنطن المؤلفة من 15 بنداً لإنهاء الحرب. وبالنسبة للأسواق، فإن غياب الرد أو تأخره لا يُقرأ بوصفه مجرد تفصيل دبلوماسي، بل كإشارة إلى أن نافذة التهدئة لا تزال ضيقة، وأن فرص الانفراج السريع ما تزال محدودة.
وفي مثل هذه البيئات، تتحول سوق النفط إلى مرآة مباشرة للقلق الجيوسياسي، فكلما طال أمد الغموض، زادت علاوة المخاطر المضافة إلى الأسعار، وخصوصاً عندما يكون مركز التوتر هو الخليج العربي، الذي يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط والغاز في العالم.
هرمز في الواجهة
عاد مضيق هرمز ليحتل صدارة المشهد في تسعير الطاقة العالمية، بعدما دفعت التطورات العسكرية والسياسية المستثمرين إلى إعادة التركيز على هذا الممر البحري الذي كان يمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط العالمية قبل اندلاع الصراع، وعلى الرغم من أن الإغلاق الكامل للمضيق لم يتحقق رسمياً، فإن ما حدث فعلياً هو تعطيل شبه واسع النطاق لحركة الملاحة، وهو ما يكفي وحده لإحداث اختلالات كبيرة في سلاسل الإمداد.
أهمية هرمز لا تنبع فقط من حجم النفط الذي يعبره، بل من موقعه المركزي في ربط منتجي الخليج بأسواق آسيا وأوروبا، ولذلك، فإن أي تعطّل طويل أو حتى مجرد تهديد جدي للملاحة فيه ينعكس فوراً على الأسعار العالمية، وعلى عقود الشحن، وعلى سلوك المشترين والمصافي وشركات التكرير.
وقد أظهرت البيانات الأخيرة محاولات محدودة لعبور بعض السفن المرتبطة بإيران، لا سيما ناقلات البضائع وسفن الغاز البترولي المسال، فيما عكست تحركات سفن الحاويات الكبرى مثل سفينتين تابعتين لشركة كوسكو شيبينغ الصينية حجم القلق المسيطر على حركة التجارة البحرية. فمجرد اقتراب السفن ثم تراجعها المفاجئ عن استكمال المسار يعكس أن الخطر في المضيق لم يعد نظريًا، بل تحول إلى عامل تشغيلي مباشر في قرارات النقل والشحن.
مكاسب تاريخية
يتجه خام برنت إلى تسجيل أكبر مكاسب شهرية على الإطلاق في مارس، في تطور غير اعتيادي حتى وفق معايير أسواق الطاقة المعروفة بتقلباتها. فبحسب حركة الأسعار منذ بداية الشهر، قفز الخام بنحو 53 %، وهو ارتفاع ضخم لا يمكن تفسيره فقط بالعامل الجيوسياسي، بل أيضًا بالتحول في سلوك المتعاملين.
فالأسواق لم تعد تتعامل مع النفط كسلعة خاضعة فقط للعرض والطلب، بل كأصل استراتيجي يُستخدم للتحوط من الحرب، والتضخم، وتعطل التجارة، وحتى أخطاء السياسة النقدية. وعندما ترتفع هذه العوامل مجتمعة، تتسارع عمليات الشراء، سواء من قبل الصناديق أو الشركات أو حتى المستهلكين الصناعيين الذين يسعون لتأمين احتياجاتهم قبل مزيد من الارتفاع.
والأهم أن هذه المكاسب لم تقتصر على النفط الخام فقط، بل امتدت بوتيرة أسرع إلى المنتجات النفطية مثل الديزل ووقود الطائرات والنافتا، ما يعني أن الأثر الاقتصادي لن يبقى محصوراً في أسواق المال أو الطاقة، بل سيتسرب إلى تكاليف النقل، والشحن، والطيران، والخدمات اللوجستية، والتصنيع، وحتى أسعار السلع الاستهلاكية النهائية.
سيولة متراجعة
أحد أبرز العوامل التي ضاعفت تقلبات السوق في الأيام الأخيرة هو تراجع السيولة. فمع التدفق المتسارع للأخبار العسكرية والدبلوماسية، وجد كثير من المتداولين أنفسهم في بيئة شديدة الإرهاق، حيث تتغير المعطيات كل بضع ساعات، ويصبح اتخاذ المراكز الاستثمارية أكثر صعوبة من المعتاد.
في هذه الأجواء، تنخفض شهية بعض المؤسسات على المخاطرة، ويتراجع عدد المتعاملين النشطين، فتغدو السوق أكثر هشاشة، وأكثر عرضة لتحركات حادة حتى مع أوامر تداول أقل حجماً من المعتاد. وهذا ما يفسر جزئياً اتساع القفزات السعرية الأخيرة، وخصوصاً في نهاية الجلسات وقبيل عطلة نهاية الأسبوع، حيث فضّل كثير من المستثمرين إغلاق مراكز البيع أو شراء عقود تحوط بدلاً من المخاطرة بالاحتفاظ بمراكز مكشوفة.
وفي هذا السياق، قال داريل فليتشر، المدير التنفيذي للسلع في شركة Bannockburn Capital Markets، إن «لا أحد يرغب في مغادرة السوق بمراكز بيعية على المكشوف في ظل غياب مؤشرات واضحة على التهدئة»، مضيفاً أن حتى التوصل إلى حل سريع للصراع لن يكون كافياً لمحو التداعيات المادية والجيوسياسية التي بدأت بالفعل بالترسخ في السوق.
وهذا التوصيف يعكس بدقة طبيعة المرحلة الراهنة: الأسواق لا تخشى فقط استمرار الحرب، بل تخشى أيضاً ما سيبقى بعدها من اضطراب في الثقة، والشحن، والتسعير، والاستثمار.
تضخم عالمي
أخطر ما في ارتفاع النفط الحالي أنه يأتي في لحظة لم تكن فيها الاقتصادات الكبرى قد تخلصت أصلاً من آثار التضخم السابق. وبالتالي، فإن القفزة الأخيرة في أسعار الطاقة لا تُقرأ فقط كسعر أعلى للخام، بل كاحتمال لعودة موجة تضخمية ثانية قد تكون أكثر تعقيداً، لأنها تأتي في بيئة نمو أضعف وسياسات نقدية أكثر حساسية.
فأسعار الديزل ووقود الطائرات ترتفع بالفعل بوتيرة أسرع من الخام، ما يضغط على شركات النقل والطيران والشحن والتوزيع. ومع انتقال هذه التكاليف إلى المستهلكين، ترتفع احتمالات أن تعود ضغوط الأسعار إلى سلة المستهلك في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا في آن واحد.
ولذلك، فإن صعود النفط اليوم لا يُهدد فقط شركات الطيران أو المصافي أو المستهلكين، بل يهدد أيضًا السيناريو العالمي لخفض الفائدة الذي كانت الأسواق تبني عليه جزءًا مهمًا من رهاناتها خلال هذا العام.
فارق سعري
من التطورات اللافتة أيضًا اتساع الفارق بين خامي برنت وغرب تكساس الوسيط إلى نحو 13 دولارًا للبرميل، مقارنة مع نحو 5 دولارات فقط قبل أقل من شهر. وهذا الاتساع يعكس تحولات مهمة في جغرافيا الإمدادات أكثر مما يعكس فقط فروقات الجودة أو النقل.
فخام برنت، بصفته المرجع العالمي الأكثر ارتباطًا بالتجارة البحرية الدولية، يتأثر بصورة أكبر بأي اضطراب في شحنات الخليج العربي. أما الخام الأميركي، فرغم ارتفاعه هو الآخر، فإنه استفاد نسبياً من وفرة المخزونات الإقليمية في الولايات المتحدة، إضافة إلى التوقعات بقرب الإفراج عن جزء من الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي، ما حدّ من حدة الصعود مقارنة ببرنت.
سيناريوهات الحرب
تتراوح التقديرات الحالية بين احتمال احتواء الصراع خلال فترة قصيرة، وبين احتمال امتداده إلى ما بعد الربع الأول وربما حتى يونيو. ووفقًا لتقديرات محللي Macquarie Group، فإن هناك احتمالاً بنحو 60 % لانتهاء الحرب بحلول نهاية مارس، مقابل 40 % لاحتمال استمرارها لفترة أطول.
وفي موازاة ذلك، ظهرت محاولات دبلوماسية جديدة، من بينها تقارير عن مساعٍ أميركية لترتيب لقاء لنائب الرئيس جيه دي فانس في باكستان لمناقشة مخرج للحرب، في مؤشر على أن واشنطن لا تزال تبحث عن قناة موازية لتخفيف التصعيد.
لكن حتى لو نجحت هذه الجهود، فإن الأسواق تدرك أن إعادة الاستقرار لا تحدث بقرار سياسي واحد. فالثقة في الشحن، والتأمين، والتمويل، والملاحة، وسلاسل التوريد، تحتاج وقتاً أطول بكثير كي تعود إلى طبيعتها.
مرحلة جديدة من الحساسية العالية
في المحصلة، تبدو سوق النفط اليوم أمام مرحلة جديدة من الحساسية العالية، حيث تتداخل الحرب مع الشحن، والسياسة مع الأسعار، والتضخم مع النمو. فارتفاع برنت فوق 112 دولارًا لم يعد مجرد رقم في سوق السلع، بل أصبح إشارة إنذار اقتصادية عالمية تحمل في طياتها تداعيات على البنوك المركزية، والشركات، والمستهلكين، والحكومات على حد سواء.
وبينما تترقب الأسواق ما إذا كانت الأيام العشرة المقبلة ستقود إلى تفاوض أو تصعيد، فإن المؤكد حتى الآن هو أن النفط عاد بقوة إلى صدارة المشهد العالمي، ليس فقط كسلعة استراتيجية، بل كعامل حاسم في رسم ملامح المرحلة الاقتصادية المقبلة.