تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يشتعل‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الحرب‭ ‬ومخاوف‭ ‬الإمدادات

النفط‭ ‬يشتعل‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الحرب‭ ‬ومخاوف‭ ‬الإمدادات

شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬تداولات‭ ‬الأسبوع،‭ ‬بعدما‭ ‬عادت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لتفرض‭ ‬نفسها‭ ‬مجدداً‭ ‬بوصفها‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الأسعار،‭ ‬وتدفع‭ ‬المتعاملين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬احتمالات‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭ ‬وامتداد‭ ‬الصراع‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭. ‬ففي‭ ‬لحظة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬تتحرك‭ ‬فقط‭ ‬وفق‭ ‬معادلات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تعكس‭ ‬مزيجاً‭ ‬معقداً‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬العسكرية،‭ ‬واضطراب‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬وتراجع‭ ‬السيولة،‭ ‬وتصاعد‭ ‬القلق‭ ‬التضخمي‭ ‬العالمي‭.‬
وأغلق‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬المرجعي‭ ‬العالمي‭ ‬مرتفعاً‭ ‬بنحو‭ ‬4‭.‬2‭ % ‬فوق‭ ‬مستوى‭ ‬112‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنهى‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬الأميركي‭ ‬التداولات‭ ‬فوق‭ ‬99‭ ‬دولاراً،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬عادت‭ ‬لتسعّر‭ ‬احتمال‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬اختناقات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭. ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬تعويض‭ ‬لخسائر‭ ‬سابقة،‭ ‬بل‭ ‬مثّل‭ ‬تأكيداً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬باتت‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬التطورات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬باعتبارها‭ ‬عاملاً‭ ‬هيكلياً‭ ‬مؤثراً،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متغير‭ ‬طارئ‭ ‬عابر‭.‬

صدمة‭ ‬سعرية

اللافت‭ ‬أن‭ ‬موجة‭ ‬الارتفاع‭ ‬الأخيرة‭ ‬جاءت‭ ‬رغم‭ ‬إعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترمب‭ ‬تمديد‭ ‬المهلة‭ ‬الممنوحة‭ ‬لإيران‭ ‬لمدة‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬إضافية‭ ‬قبل‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬نظرياً‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬الأسواق‭ ‬بعض‭ ‬الهدوء،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬كانت‭ ‬مختلفة؛‭ ‬إذ‭ ‬اعتبر‭ ‬المتعاملون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التمديد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انحسار‭ ‬الخطر،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬يطيل‭ ‬أمد‭ ‬حالة‭ ‬الترقب‭ ‬القلق‭ ‬ويُبقي‭ ‬احتمالات‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬قائمة‭.‬
كما‭ ‬عززت‭ ‬تصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأميركي‭ ‬ماركو‭ ‬روبيو‭ ‬هذا‭ ‬الانطباع،‭ ‬بعدما‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تتلقَّ‭ ‬رداً‭ ‬إيرانياً‭ ‬على‭ ‬خطة‭ ‬واشنطن‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬بنداً‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭. ‬وبالنسبة‭ ‬للأسواق،‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬الرد‭ ‬أو‭ ‬تأخره‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرد‭ ‬تفصيل‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬بل‭ ‬كإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نافذة‭ ‬التهدئة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ضيقة،‭ ‬وأن‭ ‬فرص‭ ‬الانفراج‭ ‬السريع‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬محدودة‭.‬
وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئات،‭ ‬تتحول‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬مباشرة‭ ‬للقلق‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬فكلما‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬الغموض،‭ ‬زادت‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬المضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأسعار،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬مركز‭ ‬التوتر‭ ‬هو‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الشرايين‭ ‬الحيوية‭ ‬لتجارة‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

هرمز‭ ‬في‭ ‬الواجهة

عاد‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ليحتل‭ ‬صدارة‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬بعدما‭ ‬دفعت‭ ‬التطورات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬نحو‭ ‬خُمس‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الصراع،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الإغلاق‭ ‬الكامل‭ ‬للمضيق‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬رسمياً،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعلياً‭ ‬هو‭ ‬تعطيل‭ ‬شبه‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬لحركة‭ ‬الملاحة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لإحداث‭ ‬اختلالات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬
أهمية‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬تنبع‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬النفط‭ ‬الذي‭ ‬يعبره،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬منتجي‭ ‬الخليج‭ ‬بأسواق‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تعطّل‭ ‬طويل‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مجرد‭ ‬تهديد‭ ‬جدي‭ ‬للملاحة‭ ‬فيه‭ ‬ينعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية،‭ ‬وعلى‭ ‬عقود‭ ‬الشحن،‭ ‬وعلى‭ ‬سلوك‭ ‬المشترين‭ ‬والمصافي‭ ‬وشركات‭ ‬التكرير‭.‬
وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬الأخيرة‭ ‬محاولات‭ ‬محدودة‭ ‬لعبور‭ ‬بعض‭ ‬السفن‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيران،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬ناقلات‭ ‬البضائع‭ ‬وسفن‭ ‬الغاز‭ ‬البترولي‭ ‬المسال،‭ ‬فيما‭ ‬عكست‭ ‬تحركات‭ ‬سفن‭ ‬الحاويات‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬سفينتين‭ ‬تابعتين‭ ‬لشركة‭ ‬كوسكو‭ ‬شيبينغ‭ ‬الصينية‭ ‬حجم‭ ‬القلق‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭. ‬فمجرد‭ ‬اقتراب‭ ‬السفن‭ ‬ثم‭ ‬تراجعها‭ ‬المفاجئ‭ ‬عن‭ ‬استكمال‭ ‬المسار‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬نظريًا،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬تشغيلي‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬النقل‭ ‬والشحن‭.‬

مكاسب‭ ‬تاريخية

يتجه‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬أكبر‭ ‬مكاسب‭ ‬شهرية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬في‭ ‬مارس،‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬غير‭ ‬اعتيادي‭ ‬حتى‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬المعروفة‭ ‬بتقلباتها‭. ‬فبحسب‭ ‬حركة‭ ‬الأسعار‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الشهر،‭ ‬قفز‭ ‬الخام‭ ‬بنحو‭ ‬53‭ %‬،‭ ‬وهو‭ ‬ارتفاع‭ ‬ضخم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬فقط‭ ‬بالعامل‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بالتحول‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المتعاملين‭.‬
فالأسواق‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬النفط‭ ‬كسلعة‭ ‬خاضعة‭ ‬فقط‭ ‬للعرض‭ ‬والطلب،‭ ‬بل‭ ‬كأصل‭ ‬استراتيجي‭ ‬يُستخدم‭ ‬للتحوط‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬والتضخم،‭ ‬وتعطل‭ ‬التجارة،‭ ‬وحتى‭ ‬أخطاء‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭. ‬وعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مجتمعة،‭ ‬تتسارع‭ ‬عمليات‭ ‬الشراء،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الصناديق‭ ‬أو‭ ‬الشركات‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬المستهلكين‭ ‬الصناعيين‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬قبل‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الارتفاع‭.‬
والأهم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬إلى‭ ‬المنتجات‭ ‬النفطية‭ ‬مثل‭ ‬الديزل‭ ‬ووقود‭ ‬الطائرات‭ ‬والنافتا،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬سيتسرب‭ ‬إلى‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل،‭ ‬والشحن،‭ ‬والطيران،‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬والتصنيع،‭ ‬وحتى‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬النهائية‭.‬

سيولة‭ ‬متراجعة

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ضاعفت‭ ‬تقلبات‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬هو‭ ‬تراجع‭ ‬السيولة‭. ‬فمع‭ ‬التدفق‭ ‬المتسارع‭ ‬للأخبار‭ ‬العسكرية‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬وجد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المتداولين‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬شديدة‭ ‬الإرهاق،‭ ‬حيث‭ ‬تتغير‭ ‬المعطيات‭ ‬كل‭ ‬بضع‭ ‬ساعات،‭ ‬ويصبح‭ ‬اتخاذ‭ ‬المراكز‭ ‬الاستثمارية‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭.‬
في‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء،‭ ‬تنخفض‭ ‬شهية‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬المخاطرة،‭ ‬ويتراجع‭ ‬عدد‭ ‬المتعاملين‭ ‬النشطين،‭ ‬فتغدو‭ ‬السوق‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬وأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لتحركات‭ ‬حادة‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬أوامر‭ ‬تداول‭ ‬أقل‭ ‬حجماً‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬جزئياً‭ ‬اتساع‭ ‬القفزات‭ ‬السعرية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الجلسات‭ ‬وقبيل‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع،‭ ‬حيث‭ ‬فضّل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬إغلاق‭ ‬مراكز‭ ‬البيع‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬عقود‭ ‬تحوط‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المخاطرة‭ ‬بالاحتفاظ‭ ‬بمراكز‭ ‬مكشوفة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قال‭ ‬داريل‭ ‬فليتشر،‭ ‬المدير‭ ‬التنفيذي‭ ‬للسلع‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬Bannockburn‭ ‬Capital Markets،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬مغادرة‭ ‬السوق‭ ‬بمراكز‭ ‬بيعية‭ ‬على‭ ‬المكشوف‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬التهدئة‮»‬،‭ ‬مضيفاً‭ ‬أن‭ ‬حتى‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬سريع‭ ‬للصراع‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬كافياً‭ ‬لمحو‭ ‬التداعيات‭ ‬المادية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬بالترسخ‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
وهذا‭ ‬التوصيف‭ ‬يعكس‭ ‬بدقة‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭: ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬فقط‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬تخشى‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬سيبقى‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الثقة،‭ ‬والشحن،‭ ‬والتسعير،‭ ‬والاستثمار‭.‬
تضخم‭ ‬عالمي

أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬الحالي‭ ‬أنه‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬قد‭ ‬تخلصت‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬التضخم‭ ‬السابق‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬القفزة‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬تُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬كسعر‭ ‬أعلى‭ ‬للخام،‭ ‬بل‭ ‬كاحتمال‭ ‬لعودة‭ ‬موجة‭ ‬تضخمية‭ ‬ثانية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬لأنها‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬نمو‭ ‬أضعف‭ ‬وسياسات‭ ‬نقدية‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭.‬
فأسعار‭ ‬الديزل‭ ‬ووقود‭ ‬الطائرات‭ ‬ترتفع‭ ‬بالفعل‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬الخام،‭ ‬ما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬النقل‭ ‬والطيران‭ ‬والشحن‭ ‬والتوزيع‭. ‬ومع‭ ‬انتقال‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬إلى‭ ‬المستهلكين،‭ ‬ترتفع‭ ‬احتمالات‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬ضغوط‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬سلة‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬
ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬صعود‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يُهدد‭ ‬فقط‭ ‬شركات‭ ‬الطيران‭ ‬أو‭ ‬المصافي‭ ‬أو‭ ‬المستهلكين،‭ ‬بل‭ ‬يهدد‭ ‬أيضًا‭ ‬السيناريو‭ ‬العالمي‭ ‬لخفض‭ ‬الفائدة‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬تبني‭ ‬عليه‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬رهاناتها‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬العام‭.‬

فارق‭ ‬سعري

من‭ ‬التطورات‭ ‬اللافتة‭ ‬أيضًا‭ ‬اتساع‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬خامي‭ ‬برنت‭ ‬وغرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬13‭ ‬دولارًا‭ ‬للبرميل،‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬نحو‭ ‬5‭ ‬دولارات‭ ‬فقط‭ ‬قبل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬شهر‭. ‬وهذا‭ ‬الاتساع‭ ‬يعكس‭ ‬تحولات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬جغرافيا‭ ‬الإمدادات‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬فقط‭ ‬فروقات‭ ‬الجودة‭ ‬أو‭ ‬النقل‭.‬
فخام‭ ‬برنت،‭ ‬بصفته‭ ‬المرجع‭ ‬العالمي‭ ‬الأكثر‭ ‬ارتباطًا‭ ‬بالتجارة‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية،‭ ‬يتأثر‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬بأي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬شحنات‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬أما‭ ‬الخام‭ ‬الأميركي،‭ ‬فرغم‭ ‬ارتفاعه‭ ‬هو‭ ‬الآخر،‭ ‬فإنه‭ ‬استفاد‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬وفرة‭ ‬المخزونات‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التوقعات‭ ‬بقرب‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأميركي،‭ ‬ما‭ ‬حدّ‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الصعود‭ ‬مقارنة‭ ‬ببرنت‭.‬

سيناريوهات‭ ‬الحرب

تتراوح‭ ‬التقديرات‭ ‬الحالية‭ ‬بين‭ ‬احتمال‭ ‬احتواء‭ ‬الصراع‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬وبين‭ ‬احتمال‭ ‬امتداده‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ ‬يونيو‭. ‬ووفقًا‭ ‬لتقديرات‭ ‬محللي‭ ‬Macquarie‭ ‬Group،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬احتمالاً‭ ‬بنحو‭ ‬60‭ % ‬لانتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬مارس،‭ ‬مقابل‭ ‬40‭ % ‬لاحتمال‭ ‬استمرارها‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭.‬
وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬ظهرت‭ ‬محاولات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬جديدة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬مساعٍ‭ ‬أميركية‭ ‬لترتيب‭ ‬لقاء‭ ‬لنائب‭ ‬الرئيس‭ ‬جيه‭ ‬دي‭ ‬فانس‭ ‬في‭ ‬باكستان‭ ‬لمناقشة‭ ‬مخرج‭ ‬للحرب،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬قناة‭ ‬موازية‭ ‬لتخفيف‭ ‬التصعيد‭.‬
لكن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬نجحت‭ ‬هذه‭ ‬الجهود،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬الاستقرار‭ ‬لا‭ ‬تحدث‭ ‬بقرار‭ ‬سياسي‭ ‬واحد‭. ‬فالثقة‭ ‬في‭ ‬الشحن،‭ ‬والتأمين،‭ ‬والتمويل،‭ ‬والملاحة،‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬تحتاج‭ ‬وقتاً‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭ ‬كي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭.‬

مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الحساسية‭ ‬العالية

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تبدو‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الحساسية‭ ‬العالية،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬الشحن،‭ ‬والسياسة‭ ‬مع‭ ‬الأسعار،‭ ‬والتضخم‭ ‬مع‭ ‬النمو‭. ‬فارتفاع‭ ‬برنت‭ ‬فوق‭ ‬112‭ ‬دولارًا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬السلع،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬إشارة‭ ‬إنذار‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬تداعيات‭ ‬على‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬والشركات،‭ ‬والمستهلكين،‭ ‬والحكومات‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬
وبينما‭ ‬تترقب‭ ‬الأسواق‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الأيام‭ ‬العشرة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستقود‭ ‬إلى‭ ‬تفاوض‭ ‬أو‭ ‬تصعيد،‭ ‬فإن‭ ‬المؤكد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬عاد‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬صدارة‭ ‬المشهد‭ ‬العالمي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كسلعة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬بل‭ ‬كعامل‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى