النفط يعيد تسعير المخاطر
شهدت أسواق النفط العالمية خلال الأسبوع الجاري واحداً من أكبر التحولات السعرية منذ اندلاع التوترات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط، بعدما قادت التطورات السياسية والأمنية المتسارعة إلى إعادة رسم خريطة المخاطر التي كانت تتحكم بأسعار الطاقة العالمية طوال الأشهر الماضية. وبينما اعتاد المستثمرون خلال فترات النزاعات على إضافة ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» إلى الأسعار، فإن توقيع اتفاقات التهدئة ووقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة دفع الأسواق إلى الاتجاه المعاكس، لتبدأ مرحلة إزالة تلك العلاوة بصورة سريعة انعكست على أسعار النفط.
ورغم تسجيل خام برنت ارتفاعاً محدوداً في نهاية الأسبوع، فإن الصورة الأوسع أظهرت خسارة أسبوعية تقارب 8%، وهي من أكبر التراجعات الأسبوعية المسجلة خلال العام الجاري. ويعكس هذا الأداء قناعة متزايدة لدى المتعاملين بأن خطر انقطاع الإمدادات النفطية من منطقة الخليج بدأ بالتراجع تدريجياً، وأن السيناريوهات الكارثية التي كانت تخشاها الأسواق خلال ذروة التوتر أصبحت أقل احتمالاً مما كانت عليه قبل أسابيع.
ويأتي هذا التراجع السعري في وقت كانت الأسواق قد رفعت خلال الأشهر الماضية توقعاتها لاحتمال تعطل تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، وهو الممر البحري الأكثر حساسية للطاقة في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
سقوط علاوة الحرب
الهبوط الحاد في أسعار النفط لا يعكس ضعفاً في أساسيات السوق بقدر ما يعبر عن انهيار سريع لعلاوة الحرب التي تراكمت خلال فترة التصعيد العسكري. فمع كل تهديد للملاحة أو منشآت الطاقة كانت الأسعار ترتفع مدفوعة بمخاوف المستثمرين من نقص الإمدادات العالمية.
وخلال الأسابيع الماضية وصلت هذه المخاوف إلى مستويات مرتفعة دفعت المتعاملين إلى تسعير احتمالات تعطل الصادرات الخليجية أو إغلاق مؤقت لمضيق هرمز، وهو ما كان سيؤدي إلى أزمة طاقة عالمية واسعة النطاق. إلا أن التطورات السياسية الأخيرة أعادت رسم المشهد بالكامل.
فالاتفاقات المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، خففت من احتمالات توسع النزاع إلى مواجهة إقليمية شاملة، وهو السيناريو الذي كانت تخشاه أسواق الطاقة بصورة خاصة. ومع تراجع هذه المخاطر بدأ المستثمرون في التخلص من المراكز الشرائية المبنية على توقعات استمرار الحرب، ما أدى إلى موجة بيع واسعة انعكست مباشرة على الأسعار.
براميل عالقة تعود
أحد أهم الأسباب التي دفعت الأسعار إلى التراجع يتمثل في التوقعات المتزايدة بعودة كميات كبيرة من النفط العالق في المنطقة إلى الأسواق العالمية خلال الأشهر المقبلة.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 85 مليون برميل من النفط المخزن أو المؤجل تصديره خلال فترة التوترات قد يجد طريقه تدريجياً إلى المشترين الدوليين بعد تحسن الظروف الأمنية وعودة حركة الشحن بصورة أكثر انتظاماً.
هذه الكميات تمثل إضافة كبيرة للسوق العالمية في وقت تسعى فيه العديد من الاقتصادات إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية أو تعويض النقص الذي واجهته خلال فترات الاضطراب.
كما أن عودة هذه البراميل لا تعني فقط زيادة الإمدادات الفورية، بل تعني أيضاً تقليص الحاجة إلى شراء شحنات إضافية بأسعار مرتفعة، وهو ما يضغط على الأسعار المستقبلية ويحد من احتمالات حدوث قفزات سعرية مفاجئة.
إيران والعودة الكبرى
تشكل إيران محوراً رئيسياً في المشهد النفطي الجديد، خصوصاً مع التوقعات المرتبطة بتخفيف أو رفع العقوبات الأميركية المفروضة على صادراتها النفطية.
فعلى مدى سنوات طويلة كانت طهران تمتلك طاقات إنتاجية وتصديرية غير مستغلة بالكامل نتيجة القيود المفروضة على قطاعها النفطي. أما اليوم، فإن الحديث يدور عن إمكانية عودة ملايين البراميل الإضافية إلى السوق خلال الفترة المقبلة إذا تم تنفيذ التفاهمات السياسية المعلنة بصورة كاملة.
وتملك إيران واحداً من أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم، كما تمتلك بنية تحتية تسمح لها بزيادة الصادرات تدريجياً بمجرد إزالة العقبات القانونية والمالية المرتبطة بالعقوبات.
غير أن هذه العودة لا تخلو من التحديات، فإيران ما زالت تفرض شروطاً جديدة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وأعلنت ضرورة حصول السفن على تصاريح مرور خاصة. ورغم أن هذه الإجراءات لا تعني إغلاق المضيق، فإنها تعكس رغبة طهران في الاحتفاظ بأدوات تأثير استراتيجية داخل واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
ومن هنا فإن الأسواق تنظر إلى التطورات الإيرانية بمزيج من التفاؤل والحذر، إذ إن زيادة الإمدادات المحتملة يقابلها استمرار بعض عوامل عدم اليقين المرتبطة بالملاحة والأمن البحري.
العراق يستعد للانتعاش
في موازاة التطورات الإيرانية، برز العراق كأحد المستفيدين الرئيسيين من عودة الاستقرار النسبي إلى المنطقة.
فقد أكد المسؤولون العراقيون جاهزية الحقول النفطية لاستعادة مستويات الإنتاج الطبيعية، مع توقعات بزيادة الصادرات تدريجياً خلال الفترة المقبلة. ويعد العراق ثاني أكبر منتج للنفط داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول، ولذلك فإن أي زيادة في إنتاجه تحمل تأثيراً مباشراً على توازنات السوق العالمية.
وتسعى بغداد إلى الاستفادة من مرحلة ما بعد التوترات لإعادة تنشيط الاستثمارات النفطية وتسريع مشاريع التطوير المؤجلة، خصوصاً في الحقول الجنوبية التي تشكل العمود الفقري للصادرات العراقية.
كما أن تحسن البيئة الأمنية يتيح فرصة لتعزيز التعاون مع الشركات الدولية التي كانت تتعامل بحذر مع بعض المشاريع بسبب المخاطر الجيوسياسية.
الطلب العالمي لا يتراجع
ورغم الضغوط الحالية على الأسعار، فإن الصورة طويلة الأجل لسوق النفط تبدو مختلفة إلى حد كبير. فوفقاً لتوقعات منظمة البلدان المصدرة للبترول، من المنتظر أن يرتفع الطلب العالمي على النفط من نحو 105.1 ملايين برميل يومياً في عام 2025 إلى 113.3 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030.
وتعكس هذه التوقعات قناعة بأن النفط سيبقى المصدر الرئيسي للطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة رغم التوسع المتواصل في مصادر الطاقة المتجددة.
وتستند هذه الرؤية إلى النمو الاقتصادي المتوقع في آسيا وإفريقيا، وزيادة الطلب على النقل والشحن والصناعات البتروكيماوية، إضافة إلى استمرار اعتماد العديد من الاقتصادات الناشئة على الوقود الأحفوري كمصدر أساسي للطاقة.
ومن هذا المنطلق، يرى العديد من الخبراء أن التراجع الحالي في الأسعار لا يمثل بداية دورة هبوط طويلة، بل يعكس تصحيحاً مؤقتاً ناتجاً عن تراجع المخاطر الجيوسياسية وعودة جزء من الإمدادات إلى السوق.
مرحلة جديدة للسوق
يدخل سوق النفط العالمي اليوم مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي سادت خلال الأشهر الماضية. فبعد فترة طويلة هيمنت عليها المخاوف الأمنية واحتمالات تعطل الإمدادات، بدأت الأسواق تتعامل مع معطيات جديدة تقوم على احتمالات زيادة المعروض وتحسن حركة التجارة والطاقة في منطقة الخليج.
ومع أن التحديات لم تختفِ بالكامل، خصوصاً فيما يتعلق بالملاحة عبر مضيق هرمز ومستقبل التفاهمات السياسية بين القوى الإقليمية والدولية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن أسواق النفط انتقلت من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة التوازن.
وخلال الأشهر المقبلة سيكون العامل الحاسم هو سرعة عودة البراميل العالقة إلى الأسواق، وحجم الزيادة الفعلية في الصادرات الإيرانية والعراقية، ومدى التزام الأطراف المختلفة بمسار التهدئة. وإذا استمرت هذه العوامل في الاتجاه الحالي، فإن أسعار النفط قد تواجه ضغوطاً إضافية على المدى القصير، قبل أن تعود عوامل الطلب العالمي المتنامي لتلعب دورها في إعادة رسم التوازنات السعرية.