النفط يفقد مكاسب الحرب ويهبط بقوة
شهدت أسواق النفط العالمية نهاية أسبوع عاصفة بعدما فقدت الأسعار جانباً كبيراً من المكاسب التي حققتها خلال فترة التوترات العسكرية في منطقة الخليج، لتتراجع بأكثر من 4% في جلسة الجمعة وحدها، بينما سجلت أكبر خسارة أسبوعية منذ أشهر، مع تراجع المخاوف المتعلقة بالإمدادات وعودة حركة ناقلات النفط تدريجياً عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن توازن السوق خلال الفترة المقبلة.
وجاء هذا الهبوط الحاد بعد أيام من التقلبات العنيفة التي سيطرت على تعاملات النفط، حيث كانت الأسواق تراقب عن كثب تطورات الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم. ومع اتضاح أن حركة الناقلات بدأت تستعيد نشاطها تدريجياً، انخفضت علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت قد رفعت الأسعار خلال الأيام الماضية، لتتحول الأسواق سريعاً إلى موجة بيع واسعة.
موجة بيع
عند التسوية، هبطت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 3.27 دولار، أو ما يعادل 4.34%، لتغلق عند 71.99 دولار للبرميل، بينما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 2.69 دولار، أو 3.74%، لتصل إلى 69.23 دولار للبرميل.
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على خسائر جلسة واحدة، بل تعكس تحولاً كبيراً في مزاج المستثمرين، إذ فقد خام برنت نحو 10.86% من قيمته مقارنة بإغلاق السوق قبل أسبوع، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 9.62% خلال الفترة نفسها، في واحدة من أسرع موجات التصحيح التي شهدتها السوق خلال العام الجاري.
هرمز مجدداً
ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة داخله ينعكس فوراً على أسعار الطاقة.
وخلال الأيام الماضية، كانت المخاوف تتركز حول احتمال تعطل الإمدادات أو انخفاض الصادرات النفطية نتيجة التصعيد العسكري، إلا أن خروج المزيد من الناقلات العالقة واستئناف عمليات الشحن تدريجياً خففا من تلك المخاوف، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على استمرار ارتفاع الأسعار.
وقال المحلل البارز لدى «برايس فيوتشرز غروب» فيل فلين إن هناك شعوراً متزايداً داخل السوق بأن النفط سيستمر في التدفق عبر مضيق هرمز، وهو ما يعني أن الإمدادات العالمية لن تواجه نقصاً حاداً كما كان يخشى البعض قبل أيام قليلة.
وأشار إلى أن الأسواق كانت قبل اتفاق وقف إطلاق النار تخشى أن تعجز الإمدادات عن مواكبة الطلب العالمي، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن حركة الشحن بدأت تعود بصورة تدريجية، وهو ما أدى إلى تراجع المخاطر التي كانت تدعم الأسعار.
فائض معروض
في المقابل، بدأ الحديث مجدداً عن احتمال دخول السوق في مرحلة فائض بالمعروض، خاصة مع استمرار الإنتاج المرتفع لدى كبار المنتجين، وعدم ظهور مؤشرات قوية على نمو الطلب العالمي بوتيرة أسرع.
وقال المحلل في شركة «بي.في.إم» تاماس فارجا إن التوقع السائد حالياً لا يزال يشير إلى فائض وشيك في المعروض النفطي، وهو ما يفسر الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها الأسعار بمجرد تراجع التوترات الجيوسياسية.
ويتفق عدد من المحللين مع هذا الرأي، معتبرين أن السوق عادت للتركيز على أساسيات العرض والطلب بدلاً من التطورات العسكرية، وأن وفرة الإمدادات قد تصبح العامل الأكثر تأثيراً في حركة الأسعار خلال الأشهر المقبلة إذا لم يشهد الطلب العالمي تحسناً ملموساً.
كما توقع فلين أن تشهد الأسواق فيضاً من النفط والمنتجات النفطية خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على الأسعار إذا استمرت مستويات الإنتاج الحالية بالتزامن مع ضعف نمو الاستهلاك.
عودة أرامكو
ومن التطورات التي دعمت توقعات وفرة المعروض، استئناف شركة أرامكو السعودية عمليات تحميل النفط الخام من ميناء رأس تنورة، بعد توقف استمر قرابة أربعة أشهر.
وأظهرت بيانات الشحن التابعة لمجموعة بورصات لندن أن ناقلتين عملاقتين تابعتين لشركة بحري السعودية بدأتا تحميل النفط من الميناء، وتبلغ الطاقة الاستيعابية لكل ناقلة نحو مليوني برميل، في مؤشر على عودة النشاط الطبيعي إلى أحد أهم موانئ تصدير النفط في العالم.
حركة الملاحة
تشير بيانات شركات تتبع السفن إلى أن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز شهدت تحسناً ملحوظاً خلال الأسبوع الماضي، حيث ارتفعت كميات النفط العابرة إلى أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير.
ويعكس هذا الارتفاع عودة الثقة تدريجياً لدى شركات الشحن، بعدما تراجعت المخاطر مقارنة بالفترة الأولى من الأزمة، عندما فضلت العديد من الناقلات الانتظار خارج المضيق أو تغيير مساراتها خشية التعرض لهجمات.
ومع إعادة فتح الممر البحري بعد وقف إطلاق النار، بدأت السفن المتأخرة في استكمال رحلاتها، وهو ما ساهم في زيادة التدفقات النفطية نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية، وساعد على تهدئة المخاوف المتعلقة بحدوث نقص في الإمدادات العالمية.
لكن البيانات تظهر في الوقت ذاته أن إجمالي حركة الملاحة لا يزال أقل من متوسطها اليومي قبل اندلاع الحرب، ما يعني أن شركات الشحن ما زالت تتعامل بحذر مع التطورات الأمنية، وأن العودة الكاملة إلى مستويات النشاط السابقة قد تحتاج إلى مزيد من الوقت إذا استمرت المخاطر الأمنية.
عوامل السوق
بعيداً عن التوترات العسكرية، عادت الأسواق إلى التركيز على العوامل الأساسية التي تحكم حركة أسعار النفط، وفي مقدمتها مستويات الإنتاج، وحجم المخزونات، وآفاق الطلب العالمي.
فخلال الأسابيع الماضية، كان العامل الجيوسياسي هو المحرك الرئيسي للأسعار، بينما تراجعت أهمية البيانات الاقتصادية، إلا أن انحسار المخاطر الأمنية أعاد اهتمام المستثمرين إلى مؤشرات العرض والطلب.
وتشير التقديرات إلى أن الإمدادات العالمية مرشحة للارتفاع خلال النصف الثاني من العام، مع استمرار كبار المنتجين في ضخ كميات مرتفعة، وعودة بعض الطاقات الإنتاجية التي تعطلت سابقاً، في وقت لا تزال فيه توقعات نمو الاقتصاد العالمي متواضعة، الأمر الذي يثير المخاوف من تباطؤ الطلب على الوقود.
كما أن استمرار معدلات الفائدة المرتفعة في عدد من الاقتصادات الكبرى قد يحد من النشاط الصناعي والاستهلاك، وهو ما ينعكس بدوره على الطلب على النفط ومشتقاته.