النفط يفقد 2.68 دولار وسط تقلبات الإمدادات
شهدت أسواق النفط العالمية تحولاً لافتاً في تعاملات اليوم الاثنين، بعدما تراجعت الأسعار من أعلى مستوياتها في خمسة أشهر، تحت ضغط عمليات جني الأرباح وتحولات السياسة الأميركية تجاه صادرات الطاقة الروسية، في وقت لا تزال فيه المخاطر الأمنية المحيطة بالممرات البحرية في الشرق الأوسط تلقي بظلال ثقيلة على حركة التجارة الدولية. وجاء الانخفاض عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعفاء روسيا من عقوبات ورسوم جمركية رئيسية، بما قد يسمح بزيادة تدفقات الوقود الروسي إلى الأسواق العالمية، ويمنح المستهلكين متنفساً نسبياً من موجة الارتفاعات الأخيرة، لكنه يفتح في المقابل تساؤلات بشأن قدرة هذه الخطوة على معالجة الاختناقات الفعلية في الإمدادات.
تراجع الأسعار
وانخفضت العقـود الآجلـة لخام برنت بمقدار 2.68 دولار، أو ما يعـادل 2.44 %، لتصل إلى 107.2 دولارات للبرميل بحلول الساعة 08:45 بتوقيت غرينتش، بعدما أنهت تعاملات الجمعة عند أعلى مستوى لها منذ 19 مايو الماضي. كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 1.78 دولار، بنسبة 1.76 %، مسجلاً 99.63 دولاراً للبرميل، بعد بلوغه عند التسوية السابقة أعلى مستوياته منذ 17 سبتمبر.
ويعكس هذا الأداء حالة من إعادة تقييم المراكز الاستثمارية عقب موجة صعود قوية غذتها المخاوف من تعطل الإمدادات. كما يشير إلى حساسية الأسعار المتزايدة تجاه القرارات السياسية، خصوصاً عندما تتزامن مع اضطرابات ميدانية تهدد طرق نقل النفط والمنتجات المكررة. ورغم التراجع، فإن استمرار تداول برنت فوق مستوى 100 دولار يبرز حجم علاوة المخاطر التي لا تزال الأسواق تحتسبها نتيجة التوترات الإقليمية.
تحولات أميركية
وجاء العامل الرئيسي وراء الضغوط البيعية من واشنطن، حيث وقع ترامب يوم الجمعة أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات ورسوم جمركية رئيسية بموجب التشريع المعروف باسم «قانون غراهام»، الذي وقعه الشهر الماضي استجابة لمطالب مشرعين سعوا إلى زيادة الضغط الاقتصادي على موسكو بسبب حربها في أوكرانيا.
ويمثل القرار تحولاً في التعامل الأميركي مع ملف الطاقة الروسية، إذ يوازن بين الاعتبارات السياسية المرتبطة بالصراع الأوكراني والحاجة إلى الحد من ارتفاع تكاليف الوقود. وقد يؤدي تخفيف القيود إلى توسيع قدرة روسيا على تسويق منتجاتها النفطية، خصوصاً الديزل، بما يضيف كميات جديدة إلى الأسواق المستوردة ويخفف الضغوط على بعض مراكز الاستهلاك.
غير أن التأثير الفعلي سيظل مرتبطاً بنطاق الإعفاءات وآليات تنفيذها ومدتها، فضلاً عن قدرة الشركات التجارية وشركات الشحن والتأمين على استئناف التعاملات دون التعرض لمخاطر قانونية أو مالية. ولذلك لا يعني الإعلان السياسي بالضرورة حدوث زيادة فورية وموازية في الإمدادات المتاحة للمستهلكين.
مهلة التقييم
وأوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن ترامب سيستفيد من فترة تصل إلى 60 يوماً لتقييم الانعكاسات الاقتصادية للعقوبات والرسوم الجمركية على الاقتصاد العالمي، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة انتقالية تتسم بعدم اليقين بشأن مستقبل الإجراءات.
وتكتسب هذه المهلة أهمية خاصة بالنسبة إلى المتعاملين في عقود الطاقة، لأن قرارات الشراء والتخزين والشحن تتطلب وضوحاً تنظيمياً يتجاوز التصريحات السياسية. كما أن احتمال تعديل الإعفاءات أو تمديدها قد يدفع الشركات إلى تأجيل التزامات طويلة الأجل، والاكتفاء بصفقات قصيرة المدى لحين اتضاح التوجه الأميركي النهائي.
ويرى محلل الأسواق لدى «كيه.سي.إم تريد» تيم ووترر أن إعفاء روسيا قد يفتح المجال أمام زيادة صادرات الوقود، لكن الرسائل الأميركية المتباينة تخلق ضبابية تحول دون تسعير هذه الزيادة بالكامل. وأكد أن غياب التفاصيل الواضحة بشأن نطاق القرار ومدته يجعل من المبكر افتراض ارتفاع مستدام في المعروض العالمي.
صفقة الديزل
وتزامنت الإعفاءات مع إعلان ترامب التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتصدير الديزل إلى الولايات المتحدة ودول أخرى، في خطوة تستهدف زيادة الكميات المتاحة من أحد أهم المنتجات النفطية المستخدمة في النقل والصناعة والخدمات اللوجستية.
وبحسب إعلان الرئيس الأميركي، تبدأ الشحنات بنحو 2.3 مليون برميل خلال الشهر الجاري، قبل ارتفاعها تدريجياً إلى نحو 7.6 ملايين برميل شهرياً. وتعادل الكمية المستهدفة قرابة 245 ألف برميل يومياً عند احتساب متوسط شهر مكون من 31 يوماً، وهي إضافة يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط على أسواق الوقود إذا نُفذت وفق الجدول المعلن.
لكن الصفقة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز حسابات العرض والطلب، بعدما حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن الإجراءات الأميركية ستضر بأوكرانيا. ويعكس موقفه المخاوف من أن يؤدي توسيع تجارة الطاقة الروسية إلى تعزيز العائدات المالية لموسكو، في وقت تستمر فيه الحرب وتتعقد جهود التوصل إلى تسوية سياسية.
اختناقات الملاحة
وفي مقابل احتمالات زيادة المعروض الروسي، تواجه أسواق الطاقة تحدياً أكثر إلحاحاً يتعلق بسلامة الملاحة في الشرق الأوسط، حيث تستمر الهجمات على ناقلات النفط والسفن التجارية قرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
وكان خام برنت قد لامس مستوى 110 دولارات للبرميل لفترة وجيزة يوم الجمعة، للمرة الأولى منذ مايو، مع تصاعد المخاوف من تعرض شحنات الخام والوقود لمزيد من الاضطرابات. وتوضح هذه القفزة أن المتعاملين لا يركزون فقط على حجم الإنتاج العالمي، بل يمنحون أهمية متزايدة لقدرة المنتجين على إيصال شحناتهم بأمان وفي المواعيد المحددة.
وقالت رئيسة قسم رؤى السوق لدى «فيليب نوفا» بريانكا ساشديفا إن تحرك ترامب يبدو محاولة للسيطرة على أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لكنها أشارت إلى أن الإعفاءات لا تقدم معالجة حقيقية لأزمة الإمدادات في مضيق هرمز، ما يحد من قدرتها على إحداث انخفاض مستدام في الأسعار.
صدمة التدفقات
وكشفت بيانات شركة «كبلر» للتحليلات حجم التأثير المباشر للاضطرابات البحرية، إذ انخفض متوسط تدفقات الخام الخليجي خلال سبعة أيام من الأسبوع الماضي إلى نحو 8.5 ملايين برميل يومياً، مقارنة بأكثر من 20 مليون برميل يومياً في الأسبوع السابق.
وتشير هذه الأرقام إلى تراجع يتجاوز 11.5 مليون برميل يومياً، أي أكثر من 57.5 %، وهو انكماش حاد يوضح حجم الاختناق الذي أصاب حركة الشحن خلال فترة قصيرة. ولا يعني انخفاض التدفقات بالضرورة توقف إنتاج الكميات نفسها، لكنه يعكس تعطـل قـدرتهــا علـى الوصــول إلى الأسواق عبـر المسارات المعتادة.
وأفادت «كبلـر» كـذلك بتسجيــل عشـــر حوادث مؤكدة على الأقل شملت سفناً تجارية خلال الأسبوع الماضي، وهو تطور يعزز المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واحتمال اضطرار بعض الناقلات إلى تغيير مساراتها أو تأجيل رحلاتها، بما يضيف أعباء جديدة إلى سلسلة إمدادات الطاقة العالمية.
تداعيات إقليمية
وتنعكس المخاطر البحرية بصورة خاصة على الاقتصادات الخليجية التي تعتمد على استقرار طرق التصدير لضمان انتظام تدفق إيراداتها النفطية. فحتى مع ارتفاع الأسعار، يمكن أن يؤدي تعثر الشحنات إلى تأخير التسليمات وزيادة النفقات التشغيلية، ما يجعل استقرار الملاحة عاملاً أساسياً في الحفاظ على كفاءة التجارة.
وفي سياق التوترات الأمنية، أعلنت مصر استعدادها لتقديم الدعم الذي تحتاجه السعودية للدفاع عن أمنها واستقرارها، في مؤشر إلى اتساع الاهتمام الإقليمي بتداعيات التصعيد على الأمن الاقتصادي وحركة التجارة.
وتبقى الأسواق أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها احتمالات زيادة صادرات الوقود الروسي مع استمرار اضطرابات النقل البحري، بينما يترقب المستثمرون ما ستسفر عنه مراجعة الإدارة الأميركية لسياساتها التجارية والعقابية.