النفط يقترب من 100 دولار وسط تصاعد المواجهة الأميركية الإيرانية
مع استمرار التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت أسواق النفط مرحلة جديدة من التوتر دفعت الأسعار إلى مواصلة مكاسبها القوية لليوم الثالث على التوالي. وأعاد تعثر مسار المفاوضات السياسية بين الجانبين المخاوف القديمة المرتبطة بأمن الإمدادات العالمية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي التي تمثل القلب النابض لسوق الطاقة العالمية. ووسط هذه الأجواء، تجاوز خام برنت مستوى 98 دولاراً للبرميل، فيما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 96 دولاراً، لتتسع رهانات المستثمرين على احتمال بلوغ الأسعار حاجز 100 دولار إذا استمر التصعيد الحالي.
قفزة سعرية
شهـدت العـقــود الآجلة للنفط موجة شراء قوية مدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية، إذ ارتفع خام برنت بأكثر من 2 % خلال جلسة التداول الأخيرة ليصل إلى 98.32 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 96.21 دولاراً، وتضاف هذه المكاسب إلى ارتفاعات سابقة دفعت أسعار النفط إلى تسجيل مكاسب أسبوعية تقارب 7 %.
ويعكس هذا الأداء تحوّل المزاج السائد في السوق من التفاؤل الحذر الذي ساد خلال الأسابيع الماضية إلى حالة من القلق المتزايد بشأن مستقبل الإمدادات النفطية العالمية. فالمتعاملون الذين كانوا يراهنون على قرب التوصل إلى تفاهم سياسي بين واشنطن وطهران عادوا إلى تسعير احتمالات استمرار الأزمة لفترة أطول، وهو ما عزز الطلب على عقود النفط كوسيلة للتحوط ضد المخاطر. ويشير محللون إلى أن السوق بدأت تستعيد ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وهي الزيادة السعرية التي تضاف إلى النفط عندما ترتفع احتمالات تعطل الإمدادات نتيجة نزاعات أو أزمات أمنية في مناطق الإنتاج الرئيسية.
تعثر سياسي
أحد أبرز العوامل التي دعمت الأسعار يتمثل في تعثر الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق سلام أو تفاهم مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران. فرغم التصريحات الإيجابية التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب، فإن التطورات الميدانية الأخيرة أضعفت ثقة الأسواق بقدرة الطرفين على تحقيق اختراق سريع.
ويبدو أن الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ومستقبل اليورانيوم عالي التخصيب، وآليات الرقابة الدولية، إضافة إلى القضايا الإقليمية المرتبطة بلبنان والخليج، لا تزال تشكل عقبات رئيسية أمام أي اتفاق نهائي.
كما أن استمرار العمليات العسكرية المتبادلة أوجد بيئة سياسية معقدة تجعل من الصعب على أي طرف تقديم تنازلات جوهرية في الوقت الراهن، ما يدفع المستثمرين إلى ترجيح سيناريو استمرار التوتر بدلاً من سيناريو التهدئة السريعة.
هرمز في الواجهة
عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد النفطي العالمي باعتباره نقطة الاختناق الأكثر حساسية في تجارة الطاقة الدولية. ويعبر عبر هذا الممر البحري نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، كما تعتمد عليه دول الخليج بشكل رئيسي في تصدير إنتاجها إلى الأسواق العالمية.
ومع تجدد المخاوف بشأن سلامة الملاحة في المنطقة، ارتفعت التقديرات التي تشير إلى إمكانية تأخر عودة التدفقات الطبيعية عبر المضيق أو تعرضها لاضطرابات مؤقتة في حال توسع نطاق المواجهة العسكرية.
وتنظر الأسواق إلى أي تهديد للمضيق باعتباره عاملاً قادراً على إحداث صدمة كبيرة في جانب العرض، خاصة في ظل محدودية البدائل المتاحة لنقل كميات ضخمة من النفط إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وتاريخياً، كانت مجرد التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز كافية لإحداث قفزات سعرية كبيرة في أسواق الطاقة، فكيف الحال في ظل مواجهات عسكرية فعلية وتصاعد الهجمات المتبادلة.
المخزونات الأميركية
إلى جانب العوامل الجيوسياسية، حصلت أسعار النفط على دعم إضافي من بيانات المخزونات الأميركية. فقد أظهر تقرير صناعي انخفاض مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة بمقدار 6.8 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.
ويعد هذا التراجع مؤشراً على قوة الطلب أو انخفاض المعروض في أكبر اقتصاد مستهلك للطاقة في العالم. وإذا أكدت البيانات الرسمية هذا الانخفاض، فسيكون التراجع السادس على التوالي، وهو ما يعزز الرؤية الإيجابية للأسعار على المدى القريب.
كما أن انخفاض المخزون يمنح المنتجين قدرة أقل على تعويض أي نقص مفاجئ في الإمدادات العالمية، ما يزيد من أهمية استقرار تدفقات النفط من الشرق الأوسط.
عامل روسي
لم تقتصر الضغوط الداعمة للأسعار على الشرق الأوسط، بل امتدت إلى روسيا أيضاً. فقد شهدت مناطق روسية عدة هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع ذات صلة بالبنية التحتية للطاقة ومرافق عسكرية.
ورغم أن التأثير المباشر لهذه الهجمات على الإنتاج النفطي الروسي لا يزال محدوداً، فإنها أضافت طبقة جديدة من المخاطر إلى سوق تعاني أصلاً من اضطرابات متعددة. وتعد روسيا أحد أكبر المنتجين والمصدرين للنفط في العالم، وأي تهديد للبنية التحتية المرتبطة بالطاقة فيها يثير مخاوف المستثمرين بشأن استقرار الإمدادات المستقبلية.
كما أن تزامن التوترات الروسية مع الأزمة الأميركية الإيرانية يخلق حالة نادرة تواجه فيها السوق مخاطر جيوسياسية متزامنة في أكثر من منطقة إنتاج رئيسية.
تراجع شهية المخاطرة
أدت التقلبات الحادة في الأسعار إلى دفع العديد من المستثمرين لتقليص انكشافهم على أسواق النفط. وأظهرت بيانات التداول انخفاض عدد العقود المفتوحة في خام برنت إلى أدنى مستوياته منذ أشهر، في إشارة إلى تراجع رغبة المتعاملين في الاحتفاظ بمراكز كبيرة وسط بيئة تتغير فيها الأسعار بسرعة كبيرة.
ويقول خبراء إن الأسواق أصبحت شديدة الحساسية للعناوين السياسية والعسكرية، حيث يمكن لأي تصريح أو هجوم أو تطور ميداني أن يحرك الأسعار عدة دولارات خلال ساعات قليلة.
هذا الواقع جعل كثيراً من المؤسسات الاستثمارية تتبنى استراتيجيات أكثر تحفظاً، مع التركيز على إدارة المخاطر بدلاً من بناء رهانات طويلة الأجل.
وفي الوقت نفسه، ساهم تراجع السيولة الاستثمارية في زيادة حدة التحركات السعرية، إذ أصبحت الأسواق أكثر عرضة للتقلب عند صدور أي أخبار مؤثرة.
نحو 100 دولار
أصبح مستوى 100 دولار للبرميل محور اهتمام الأسواق خلال المرحلة الحالية. فبعد تجاوز برنت مستوى 98 دولاراً، لم تعد المسافة الفاصلة عن هذا الحاجز النفسي كبيرة.
ويرى محللون أن استمرار المواجهة العسكرية وتعثر المفاوضات السياسية قد يدفع الأسعار إلى تجاوز هذا المستوى خلال فترة قصيرة، خصوصاً إذا ظهرت مؤشرات جديدة على تعطل الإمدادات أو تأخر إعادة تشغيل التدفقات الطبيعية عبر مضيق هرمز.
في المقابل، يبقى احتمال التوصل إلى اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران عاملاً قادراً على تهدئة السوق وإعادة جزء من المكاسب الأخيرة. غير أن المستثمرين يبدون حالياً أكثر اقتناعاً بأن الطريق نحو التسوية لا يزال طويلاً ومعقداً.
وبين سيناريو الاتفاق وسيناريو التصعيد، تبقى أسواق النفط رهينة التطورات السياسية والعسكرية اليومية، فيما تزداد قناعة المتعاملين بأن فترة التقلبات الحادة لم تنته بعد. ومع استمرار تراجع المخزونات الأميركية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط وروسيا، تبدو الأسعار مهيأة للبقاء عند مستويات مرتفعة خلال الفترة المقبلة، ما لم يحدث تحول سياسي كبير يعيد الثقة إلى الأسواق ويبدد المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات العالمية.