تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يقفز‭ ‬بأقوى‭ ‬بداية‭ ‬منذ‭ ‬2022

النفط‭ ‬يقفز‭ ‬بأقوى‭ ‬بداية‭ ‬منذ‭ ‬2022

تشهد‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬بداية‭ ‬قوية‭ ‬وغير‭ ‬متوقعة‭ ‬لهذا‭ ‬العام،‭ ‬في‭ ‬انعكاس‭ ‬مباشر‭ ‬لتصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وتشدد‭ ‬العقوبات،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬قلبت‭ ‬التوقعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشير‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬دخول‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬فائض‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المعروض‭. ‬فقد‭ ‬لامست‭ ‬أسعار‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬أعلى‭ ‬مستوياتها‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬متجاوزة‭ ‬حاجز‭ ‬72‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بموجة‭ ‬تحوط‭ ‬واسعة‭ ‬بين‭ ‬المتداولين‭ ‬خشية‭ ‬تطورات‭ ‬عسكرية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬احتمال‭ ‬تنفيذ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ضربة‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬تحولاً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تسعير‭ ‬المخاطر‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭. ‬فخلال‭ ‬نهاية‭ ‬2025‭ ‬وبداية‭ ‬2026،‭ ‬ركزت‭ ‬معظم‭ ‬توقعات‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الإمدادات‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬تحالف‭ ‬أوبك‭+‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬المعروض‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬الأخيرة‭ ‬أعادت‭ ‬توجيه‭ ‬اهتمام‭ ‬المتعاملين‭ ‬نحو‭ ‬عامل‭ ‬المخاطر،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬تتضمن‭ ‬حالياً‭ ‬علاوة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬7‭ ‬و10‭ ‬دولارات‭ ‬للبرميل،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬التوترات‭ ‬دون‭ ‬تعطّل‭ ‬فعلي‭ ‬للإمدادات‭.‬

تصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬عسكري‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬شرايين‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬إذ‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والمنتجات‭ ‬البترولية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬even‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬نظرياً‭ ‬كافياً‭ ‬لرفع‭ ‬مستوى‭ ‬التقلبات‭ ‬وزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬التحوط‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المشتقات‭ ‬النفطية‭.‬
ومع‭ ‬أن‭ ‬أساسيات‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬احتمالات‭ ‬نمو‭ ‬المعروض‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الحالي،‭ ‬فإن‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬تُعد‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬السلوك‭ ‬السعري‭ ‬الحالي‭. ‬فجزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬الإضافية‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬لوجستية‭ ‬أو‭ ‬قيوداً‭ ‬تنظيمية‭ ‬وعقوبات،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬‮«‬صمام‭ ‬الأمان‮»‬‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬يهدئ‭ ‬الأسعار‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬صدمات‭. ‬وتشير‭ ‬تحليلات‭ ‬حديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأرقام‭ ‬الإجمالية‭ ‬للإنتاج‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭ ‬المتاحة‭ ‬فعلياً‭ ‬للتداول‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المفتوحة‭.‬

اضطرابات‭ ‬الإمدادات

وفي‭ ‬موازاة‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬ساهمت‭ ‬اضطرابات‭ ‬الإمدادات‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الاتجاه‭ ‬الصعودي‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬بعض‭ ‬مسارات‭ ‬التصدير‭ ‬الرئيسية‭ ‬انخفاضاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬نتيجة‭ ‬أعمال‭ ‬صيانة‭ ‬وأضرار‭ ‬تقنية‭ ‬وأحوال‭ ‬جوية‭ ‬قاسية،‭ ‬ما‭ ‬قلص‭ ‬تدفقات‭ ‬خامات‭ ‬بديلة‭ ‬كانت‭ ‬متوقعة‭ ‬لتعويض‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬محتمل‭. ‬كما‭ ‬أدت‭ ‬موجات‭ ‬البرد‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المخزونات،‭ ‬وهو‭ ‬عامل‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يضاعف‭ ‬حساسية‭ ‬السوق‭ ‬تجاه‭ ‬الأخبار‭ ‬السياسية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬يتزامن‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر‭.‬
هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬دفع‭ ‬المتداولين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬استراتيجياتهم‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬على‭ ‬خيارات‭ ‬الشراء‭ ‬كوسيلة‭ ‬للتحوط‭ ‬ضد‭ ‬قفزات‭ ‬سعرية‭ ‬مفاجئة‭. ‬ويشير‭ ‬محللون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬باتت‭ ‬تسعّر‭ ‬‮«‬السيناريوهات‭ ‬المحتملة‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التوازنات‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬الارتفاع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬برنت‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬18‭ %. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬التقلب‭ ‬الضمني‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬الخيارات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توقعات‭ ‬بحدوث‭ ‬تحركات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تغير‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭.‬
ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬الصعودي،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مؤشرات‭ ‬أساسية‭ ‬عدة‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬السوق‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬هبوطية‭ ‬لاحقاً‭ ‬إذا‭ ‬تراجعت‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أو‭ ‬عاد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬فائض‭ ‬المعروض‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭. ‬فبعض‭ ‬تقديرات‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬قد‭ ‬ينمو‭ ‬بوتيرة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬توقعات‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يستمر‭ ‬الإنتاج‭ ‬خارج‭ ‬أوبك‭+ ‬في‭ ‬الارتفاع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬التوازن‭ ‬لصالح‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استقرار‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭.‬
ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬سيكون‭ ‬مسار‭ ‬العلاقات‭ ‬الأميركية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬انفراج‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬تقدم‭ ‬دبلوماسي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬الحالية،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬الفعلي‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬النطاق‭ ‬الحالي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تحركات‭ ‬تحالف‭ ‬أوبك‭+ ‬ستبقى‭ ‬محوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬التوازن،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬قررت‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬تعديل‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬استجابة‭ ‬لتقلبات‭ ‬السوق‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تبدو‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬مزدوج‭: ‬أساسيات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬فائض‭ ‬مستقبلي‭ ‬في‭ ‬المعروض،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬تسعير‭ ‬آني‭ ‬تقوده‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والاضطرابات‭ ‬المفاجئة‭. ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬الاتجاهين،‭ ‬يتحرك‭ ‬برنت‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬يتجاوز‭ ‬المتوسطات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬متوقعة‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّل‭ ‬السوق‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الحسابات‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الرئيسي‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬كم‭ ‬يبلغ‭ ‬المعروض‮»‬‭ ‬بل‭ ‬‮«‬ما‭ ‬احتمال‭ ‬تعطله؟‮»‬‭.‬

رجوع لأعلى