النفط يقفز فوق 100 دولار مع تصاعد الحرب وإغلاق هرمز
قفزت أسعار النفط العالمية مجدداً فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة وجيزة، في ظل تصاعد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران واتساع تأثيرها على حركة الشحن وإمدادات الطاقة في الشرق الأوسط. وأدى اضطراب الملاحة البحرية في الخليج العربي وتشديد القيود على صادرات الوقود، إلى زيادة المخاوف في الأسواق العالمية من حدوث نقص في الإمدادات خلال الفترة المقبلة.
وخلال التداولات الأخيرة، ارتفع مزيج خام برنت – المعيار العالمي لأسعار النفط – بنسبة وصلت إلى نحو 10% ليبلغ 101.59 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى ما يقارب 96 دولاراً للبرميل قبل أن يقلص الخامان جزءاً من مكاسبهما مع استمرار التقلبات الحادة في السوق.
ويعكس هذا الارتفاع حالة القلق المتزايدة بين المتعاملين في أسواق الطاقة بشأن مستقبل تدفقات النفط من منطقة الخليج، التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط في العالم.
اضطرابات الشحن في الخليج
تصاعدت المخاوف في الأسواق بعد تقارير تفيد باتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية في موانئ المنطقة نتيجة التوترات العسكرية. فقد قامت سلطنة عُمان بإخلاء السفن من ميناء الفحل كإجراء احترازي. ويقع هذا الميناء خارج مضيق هرمز مباشرة، ويعد من بين المرافق القليلة التي لا تزال قادرة على شحن نفط الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية بعيداً عن المضيق.
كما أعلنت السلطات العراقية تعليق العمليات في عدد من محطاتها النفطية بعد استهداف ناقلتين، وفق ما قاله مدير الشركة العامة لموانئ العراق لوسائل الإعلام الرسمية. وأدى هذا التطور إلى زيادة المخاوف بشأن أمن البنية التحتية النفطية في الخليج، وهو ما انعكس مباشرة في ارتفاع أسعار الخام في الأسواق العالمية.
وتبرز هذه الحوادث، إلى جانب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها بعض الدول في المنطقة، مدى اتساع تأثير الصراع العسكري على قطاع الطاقة، إذ باتت حركة الملاحة البحرية وشحنات النفط عرضة لمخاطر متزايدة.
تشديد القيود على صادرات الوقود
وفي مؤشر آخر على تصاعد الضغوط في سوق الطاقة العالمية، بدأت شركات التكرير الصينية إلغاء عدد من شحنات صادرات الوقود المكرر المتفق عليها مسبقاً، والتي تشمل البنزين والديزل. كما تلقت أكبر شركات التكرير الحكومية في الصين توجيهات خلال الأسبوع الماضي بعدم إبرام عقود تصدير جديدة في الوقت الحالي.
ويمثل هذا القرار تشديداً للقيود مقارنةً بالتعليمات السابقة، إذ تسعى بكين إلى ضمان توافر الإمدادات في السوق المحلية لمواجهة التداعيات المحتملة للصراع في الشرق الأوسط، الذي قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً.
إغلاق هرمز يضغط على الإنتاج
ولا يزال مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل الطاقة، مغلقاً فعلياً أمام حركة الشحن النفطية، ما دفع كبار المنتجين في الخليج إلى خفض الإنتاج. ويمر عبر هذا المضيق الحيوي ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على أسواق الطاقة.
ومع استمرار الإغلاق شبه الكامل للمضيق، اضطرت عدة دول منتجة إلى تقليص إنتاجها النفطي بشكل مؤقت، في خطوة تهدف إلى إدارة المخزونات المتوافرة لديها وتقليل المخاطر المرتبطة بعمليات النقل.
كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي ومنتجات الطاقة المكررة مثل الديزل بالتزامن مع صعود أسعار النفط. وكانت أسعار خامي برنت وغرب تكساس الوسيط قد اقتربت من مستوى 120 دولاراً للبرميل في بداية الأسبوع، قبل أن تتراجع لاحقاً مع دخول الأسواق في موجة من التقلبات الحادة.
تحذيرات من مستويات قياسية جديدة
وحذرت مجموعة «غولدمان ساكس» من أن أسعار النفط قد تتجاوز الذروة التاريخية التي سجلتها في عام 2008 إذا استمرت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عند مستويات منخفضة حتى نهاية مارس.
وكان خام برنت قد بلغ في ذلك العام مستوى قياسياً عند 147.50 دولار للبرميل، مدفوعاً بارتفاع الطلب العالمي وتباطؤ نمو الإمدادات. ويرى محللو البنك أن استمرار القيود الحالية على حركة الشحن قد يعيد الأسواق إلى ظروف مشابهة لتلك الفترة.
وقال نيل بيفريدج، مدير الأبحاث في شركة «سانفورد سي بيرنستين»، في مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ إن العامل الوحيد القادر على إعادة أسعار النفط إلى الانخفاض بشكل ملموس هو إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف تدفقات النفط بشكل طبيعي.
وأضاف أن كميات النفط التي يجري ضخها من الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية لا يمكن أن تعوض الاضطراب الكبير في الإمدادات، والذي يقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً نتيجة تعطل حركة المرور عبر المضيق.
تصاعد التوترات السياسية
كما تلقت أسعار النفط دعماً إضافياً من تصاعد الخطاب السياسي المرتبط بالحرب. فقد أبلغت إيران وسطاء إقليميين أن أي وقف لإطلاق النار يتطلب ضمانات من الولايات المتحدة بعدم قيامها أو إسرائيل بشن هجمات جديدة عليها مستقبلاً.
غير أن هذه الشروط تبدو غير مقبولة بالنسبة لواشنطن، وهو ما يقلل من احتمالات التوصل إلى اتفاق سريع لوقف القتال.
وفي خطاب ألقاه في ولاية كنتاكي، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الحرب قد تنتهي قريباً، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الولايات المتحدة ستواصل عملياتها طالما استدعى الأمر لتحقيق أهدافها العسكرية.
تقلبات مستمرة في الأسواق
وفي أحدث التداولات، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم مايو بنسبة 6.5% لتصل إلى 97.90 دولار للبرميل، بينما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 6.1% لتتداول عند 92.60 دولار للبرميل.
ويتوقع محللو غولدمان ساكس استمرار اضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز لفترة أطول مما كان متوقعاً سابقاً. فقد افترض البنك في أحدث تقديراته أن تدفقات النفط عبر المضيق قد تنخفض إلى نحو 10% فقط من مستوياتها الطبيعية لمدة تصل إلى 21 يوماً، قبل أن تبدأ في التعافي تدريجياً خلال نحو شهر.
وكانت التوقعات السابقة تشير إلى اضطراب يستمر عشرة أيام فقط، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة دفعت البنك إلى تعديل تقديراته. ويرى المحللون أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تجاوز أسعار النفط المستويات القياسية المسجلة في عام 2008، ما قد يعيد تشكيل خريطة أسـواق الطاقـة العالمية خـلال الفتـرة المقبلة.