تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يقفز‭ ‬فوق‭ ‬105‭ ‬دولارات‭ ‬وسط‭ ‬أخطر‭ ‬موجة‭ ‬توتر

النفط‭ ‬يقفز‭ ‬فوق‭ ‬105‭ ‬دولارات‭ ‬وسط‭ ‬أخطر‭ ‬موجة‭ ‬توتر

عاد‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬أبريل‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬بقوة،‭ ‬بعدما‭ ‬قفزت‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُقرأ‭ ‬بوصفها‭ ‬مجرد‭ ‬حركة‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬السلع،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬انعكاساً‭ ‬مباشراً‭ ‬لحالة‭ ‬الاضطراب‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬تسعير‭ ‬الطاقة‭ ‬عالميًا‭. ‬فمع‭ ‬كل‭ ‬تصعيد‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الإقليمي،‭ ‬يتأكد‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتحرك‭ ‬فقط‭ ‬وفق‭ ‬أساسيات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬رهينة‭ ‬مباشرة‭ ‬لميزان‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬وسرعة‭ ‬تطور‭ ‬الأحداث،‭ ‬وقدرة‭ ‬الأسواق‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الصدمات‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬التسعير‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬لأي‭ ‬تهديد‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬لوجستي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الإنتاج‭ ‬والعبور‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬أن‭ ‬الصدمة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬انقطاع‭ ‬محدود‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬بإحدى‭ ‬أكثر‭ ‬البؤر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬حدة‭ ‬التفاعل‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الآجلة،‭ ‬وسرعة‭ ‬انتقال‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الأسهم‭ ‬والعملات‭ ‬والسندات‭.‬

قفزة‭ ‬الأسعار

خلال‭ ‬تعاملات‭ ‬الخميس‭ ‬2‭ ‬أبريل،‭ ‬واصل‭ ‬النفط‭ ‬صعوده‭ ‬القوي،‭ ‬مع‭ ‬تجاوز‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬مستوى‭ ‬106‭ ‬دولارات‭ ‬للبرميل،‭ ‬واقتراب‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬من‭ ‬104‭ ‬دولارات،‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬عكست‭ ‬بوضوح‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب‭ ‬وامتداد‭ ‬أثرها‭ ‬إلى‭ ‬الإمدادات‭ ‬والتدفقات‭ ‬البحرية‭. ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬فني‭ ‬أو‭ ‬مضاربي،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬واسعة‭ ‬للمخاطر‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬لهجة‭ ‬أكثر‭ ‬تصعيدًا‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬وغياب‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬التهدئة‭.‬
وتُظهر‭ ‬هذه‭ ‬القفزة‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬المعروض‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة،‭ ‬بل‭ ‬تسعّر‭ ‬أيضاً‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬اختناق‭ ‬ممتد‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعطل‭ ‬تدفقات‭ ‬الخام‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الأسعار‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬تخشاه‭ ‬السوق‭ ‬غداً‭.‬
علاوة‭ ‬المخاطر

الذي‭ ‬عاد‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«علاوة‭ ‬المخاطر‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الزيادة‭ ‬السعرية‭ ‬التي‭ ‬يضيفها‭ ‬المتعاملون‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬الإمدادات‭ ‬عرضة‭ ‬لاضطرابات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬أو‭ ‬لوجستية‭. ‬وهذه‭ ‬العلاوة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تراجعت‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مراحل‭ ‬العام،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الآن‭ ‬بوتيرة‭ ‬أكثر‭ ‬حدة،‭ ‬مع‭ ‬إدراك‭ ‬الأسواق‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬الحالية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هامشية‭ ‬أو‭ ‬قابلة‭ ‬للاحتواء‭ ‬السريع‭.‬
في‭ ‬الأوقات‭ ‬الطبيعية،‭ ‬تتحرك‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬ضمن‭ ‬نطاقات‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرها‭ ‬ببيانات‭ ‬المخزونات،‭ ‬وتوقعات‭ ‬الطلب،‭ ‬وخطط‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وحركة‭ ‬الدولار‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الأزمات،‭ ‬فتفقد‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬وزنها‭ ‬النسبي،‭ ‬ويصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الأساسي‭: ‬هل‭ ‬ستستمر‭ ‬البراميل‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬أم‭ ‬لا؟‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬بالتحديد‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يهيمن‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬تفكير‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمتعاملين‭ ‬وشركات‭ ‬التكرير‭ ‬والمستهلكين‭ ‬الكبار‭.‬
وتكمن‭ ‬خطورة‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬لمنشآت‭ ‬أو‭ ‬حقول،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬المخاطر‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬هيكلي‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬النقل‭ ‬والشحن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬قفزة‭ ‬مؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬شبه‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬التسعير،‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬تتضح‭ ‬ملامح‭ ‬التهدئة‭.‬

عقدة‭ ‬هرمز

يبقى‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬النفط‭ ‬الحالية‭. ‬فهذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تفصيل‭ ‬جغرافي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شريان‭ ‬رئيسي‭ ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬نحو‭ ‬خُمس‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬العالمية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬حصة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬لحركة‭ ‬الملاحة‭ ‬فيه‭ ‬يتحول‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬عالمي‭ ‬للأسعار‭ ‬والنمو‭ ‬والتضخم‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وتؤكد‭ ‬تقارير‭ ‬حديثة‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬باتت‭ ‬تسعّر‭ ‬بجدية‭ ‬أكبر‭ ‬مخاطر‭ ‬تعطل‭ ‬التدفقات‭ ‬عبر‭ ‬المضيق،‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬الاضطراب‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬وتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬بعض‭ ‬المنتجين‭ ‬على‭ ‬التصدير‭ ‬بكامل‭ ‬طاقتهم‭.‬
وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬كامل‭ ‬للمضيق‭ ‬حتى‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬بعنف؛‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تتزايد‭ ‬تكلفة‭ ‬التأمين،‭ ‬أو‭ ‬تتباطأ‭ ‬حركة‭ ‬السفن،‭ ‬أو‭ ‬تتغير‭ ‬مسارات‭ ‬الشحن،‭ ‬أو‭ ‬تتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬بعض‭ ‬الموانئ‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الطبيعي‭. ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬كفيلة‭ ‬بإضافة‭ ‬ضغوط‭ ‬سعرية‭ ‬كبيرة‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬النقص‭ ‬فعليًا‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬النهائية‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تحديداً،‭ ‬فإن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬فقط‭ ‬نقطة‭ ‬عبور‭ ‬للطاقة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬نقطة‭ ‬تسعير‭ ‬عالمية‭ ‬للخوف‭ ‬نفسه‭.‬
صدمة‭ ‬الإمدادات

واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬المخاوف‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بإيران‭ ‬أو‭ ‬بأي‭ ‬طرف‭ ‬منفرد،‭ ‬بل‭ ‬تتسع‭ ‬لتشمل‭ ‬مجمل‭ ‬معادلة‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فعندما‭ ‬تتعرض‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬أو‭ ‬خطوط‭ ‬الشحن‭ ‬أو‭ ‬مسارات‭ ‬التصدير‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬واحدة‭ ‬للاهتزاز،‭ ‬تنتقل‭ ‬العدوى‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسوق،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬التجارة‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تسعير‭ ‬المخاطر‭.‬
وقد‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬دولية‭ ‬حديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ألحقت‭ ‬بالفعل‭ ‬ضرراً‭ ‬كبيرًا‭ ‬بأسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الصدمات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مؤقتة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬للمعالجة‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يصيب‭ ‬الحقول‭ ‬أو‭ ‬الموانئ‭ ‬أو‭ ‬المصافي‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬من‭ ‬أضرار‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭. ‬كما‭ ‬حذرت‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يواجه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬صدمات‭ ‬الإمداد‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬مع‭ ‬تقديرات‭ ‬بهبوط‭ ‬المعروض‭ ‬العالمي‭ ‬عدة‭ ‬ملايين‭ ‬من‭ ‬البراميل‭ ‬يوميًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬فترات‭ ‬الأزمة‭.‬
وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الكبرى‭: ‬السوق‭ ‬تستطيع‭ ‬أحياناً‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬لكنها‭ ‬تجد‭ ‬صعوبة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬الغموض،‭ ‬لأن‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬حجم‭ ‬الانقطاع‭ ‬ومدته‭ ‬يجعل‭ ‬كل‭ ‬قرار‭ ‬شراء‭ ‬أو‭ ‬بيع‭ ‬أو‭ ‬تحوط‭ ‬أكثر‭ ‬تكلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬حساسية‭.‬

تسعير‭ ‬جديد

المستثمرون‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬باعتباره‭ ‬سلعة‭ ‬دورية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كأصل‭ ‬عالي‭ ‬الحساسية‭ ‬للأحداث‭ ‬الاستثنائية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬أن‭ ‬موجة‭ ‬الصعود‭ ‬الأخيرة‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬التكرير‭ ‬أو‭ ‬المستهلكين‭ ‬الصناعيين‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجاتهم،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬الصناديق‭ ‬المالية‭ ‬والمضاربين‭ ‬ومديري‭ ‬الأصول‭ ‬الذين‭ ‬أعادوا‭ ‬تموضعهم‭ ‬بسرعة‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
هذا‭ ‬التموضع‭ ‬يعكس‭ ‬اقتناعًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بأن‭ ‬المخاطر‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الصعود،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬رهان‭ ‬على‭ ‬هبوط‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬سابقاً‭ ‬لأوانه،‭ ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬عقود‭ ‬التحوط،‭ ‬وتتعزز‭ ‬جاذبية‭ ‬المراكز‭ ‬الطويلة‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬ومشتقاته،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تتقاطع‭ ‬الصدمة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬مع‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬محدودية‭ ‬القدرة‭ ‬العالمية‭ ‬الفورية‭ ‬لتعويض‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬كبير‭ ‬وسريع‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬باتت‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬النفط‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كسلعة‭ ‬إنتاج،‭ ‬بل‭ ‬كأداة‭ ‬لقياس‭ ‬اتساع‭ ‬الأزمة‭ ‬نفسها؛‭ ‬فكلما‭ ‬قفز‭ ‬الخام،‭ ‬بدا‭ ‬ذلك‭ ‬وكأنه‭ ‬تصويت‭ ‬فوري‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬عابرة‭.‬

اختبار‭ ‬الاقتصاد

رغم‭ ‬أن‭ ‬الصعود‭ ‬الحالي‭ ‬يبدو‭ ‬مدفوعاً‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬بالعامل‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تتجاهل‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأوسع‭ ‬لأسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬المرتفعة‭. ‬فكل‭ ‬زيادة‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬تعني‭ ‬تلقائياً‭ ‬ضغوطاً‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التضخم،‭ ‬وتكاليف‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬النقل‭ ‬والصناعة‭ ‬والخدمات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬تعقيد‭ ‬مسار‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬عالمياً،‭ ‬ويزيد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المستوردة‭ ‬للطاقة‭.‬
بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬النفط‭ ‬المرتفع‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬فقط‭ ‬خبراً‭ ‬جيداً‭ ‬للمنتجين،‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬مخاطر‭ ‬تباطؤ‭ ‬اقتصادي‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭. ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬معضلة‭ ‬مزدوجة‭: ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬الصدمة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬تدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬للأعلى؛‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬نفسها‭ ‬قد‭ ‬تضعف‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬لاحقًا‭ ‬وتخلق‭ ‬أرضية‭ ‬لتصحيح‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭.‬
لكن‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬أثر‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الإمدادات‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬مخاوف‭ ‬تراجع‭ ‬الطلب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬استمرار‭ ‬هيمنة‭ ‬السردية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬على‭ ‬المشهد‭. ‬فالسوق‭ ‬تقول‭ ‬بوضوح‭: ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الخطر‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭ ‬قائمًا،‭ ‬فإن‭ ‬المخاوف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ستبقى‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية،‭ ‬ولو‭ ‬مؤقتًا‭.‬

هامش‭ ‬أوبك‭+‬
في‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬أساسي‭: ‬هل‭ ‬تمتلك‭ ‬السوق‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الاحتياطية‭ ‬لاحتواء‭ ‬الصدمة؟‭ ‬نظريًا،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المنتجين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬ضمن‭ ‬تحالف‭ ‬‮«‬أوبك‭+‬‮»‬،‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الإمدادات‭ ‬إذا‭ ‬استدعت‭ ‬الضرورة‭. ‬لكن‭ ‬عمليًا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬الطاقة‭ ‬الفائضة‭ ‬يصبح‭ ‬أقل‭ ‬طمأنة‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالنقل‭ ‬والعبور‭ ‬والأمن‭ ‬البحري،‭ ‬لا‭ ‬بالإنتاج‭ ‬فقط‭.‬
فحتى‭ ‬لو‭ ‬توافرت‭ ‬براميل‭ ‬إضافية،‭ ‬فإن‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬بالكفاءة‭ ‬والسرعة‭ ‬المطلوبتين‭ ‬يظل‭ ‬مشروطاً‭ ‬بسلامة‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬واستقرار‭ ‬البنية‭ ‬اللوجستية‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هامش‭ ‬المناورة‭ ‬لدى‭ ‬المنتجين،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬قلق‭ ‬السوق‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬يخفف‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬السيناريو‭ ‬الأسوأ‭.‬
وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬أيضاً‭ ‬لماذا‭ ‬تتابع‭ ‬الأسواق‭ ‬باهتمام‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬تتعلق‭ ‬بقرارات‭ ‬إنتاج‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬بإمكانية‭ ‬استخدام‭ ‬المخزونات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬أو‭ ‬بإعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الصادرات،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬باتت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬احتواء‭ ‬الأسعار،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تفاصيل‭ ‬فنية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬السوق‭.‬

سلوك‭ ‬المتعاملين

اللافت‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬السوق‭ ‬الحالي‭ ‬أن‭ ‬الارتفاعات‭ ‬السريعة‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬موجات‭ ‬بيع‭ ‬عميقة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لكسر‭ ‬الاتجاه،‭ ‬بل‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تتحول‭ ‬التراجعات‭ ‬اللحظية‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬شراء‭ ‬جديدة،‭ ‬وهذا‭ ‬السلوك‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المتعاملين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬الأسعار‭ ‬الحالية،‭ ‬رغم‭ ‬ارتفاعها،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الأزمة‭ ‬أو‭ ‬اتسعت‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬بات‭ ‬مفتوحاً‭ ‬لصعود‭ ‬خطي‭ ‬ومستمر‭. ‬فالنفط،‭ ‬بطبيعته،‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬السلع‭ ‬حساسية‭ ‬للمفاجآت‭ ‬السياسية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬أكثرها‭ ‬عرضة‭ ‬لتقلبات‭ ‬حادة‭ ‬صعوداً‭ ‬وهبوطاً‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬السوق‭ ‬قد‭ ‬تشهد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬موجات‭ ‬تصحيح‭ ‬قوية‭ ‬إذا‭ ‬ظهرت‭ ‬مؤشرات‭ ‬موثوقة‭ ‬على‭ ‬التهدئة،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬طرأت‭ ‬تطورات‭ ‬تقلل‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬الإمدادات‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬القاعدة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬تبدو‭ ‬واضحة‭: ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يُقرأ‭ ‬بوصفه‭ ‬استراحة‭ ‬مؤقتة‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬بداية‭ ‬انعكاس‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭.‬

رجوع لأعلى