النفط يقفز فوق 106 دولارات بعد استهداف ميناء الفجيرة
ارتفعت أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعد تعرض ميناء الفجيرة الحيوي في الإمارات لهجوم جديد بطائرات مسيرة، في ثاني استهداف للميناء خلال ثلاثة أيام، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.
وتجاوز سعر مزيج برنت مستوى 106 دولارات للبرميل، بينما جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 101 دولار للبرميل في أحدث التعاملات، في ظل قلق الأسواق من احتمال تعرض طرق الإمدادات النفطية في المنطقة لمزيد من الاضطرابات.
وجاءت هذه القفزة في الأسعار بعد موجة ارتفاع حادة شهدتها الأسواق خلال الأسبوعين الماضيين، إذ صعدت العقود المستقبلية للنفط بأكثر من 40% خلال هذه الفترة، مدفوعة بتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة وتزايد المخاوف بشأن سلامة الممرات البحرية الحيوية لنقل النفط.
استهداف ميناء الفجيرة يزيد القلق
تصاعدت المخاوف في الأسواق بعد تعرض ميناء الفجيرة لهجوم بطائرات مسيرة، وهو أحد أهم مراكز تخزين وتصدير النفط في المنطقة، ويتميز بموقعه الاستراتيجي خارج مضيق هرمز مباشرة.
وبحسب مصادر مطلعة على التطورات، جرى تعليق تحميل شحنات النفط في الميناء مؤقتاً عقب الهجوم الأخير، فيما بدأت الجهات المختصة تقييم حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للميناء.
وكان الموقع قد تعرض لهجوم مماثل يوم السبت الماضي، ما أدى إلى توقف الشحنات من المسار الرئيسي المستخدم لتصدير النفط عبر الميناء، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن استمرار تدفق الإمدادات النفطية من المنطقة.
ويعد ميناء الفجيرة أحد أكبر مراكز تخزين النفط في العالم، كما يمثل نقطة استراتيجية لنقل الخام بعيداً عن مضيق هرمز، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في ظل التوترات العسكرية المتزايدة في المنطقة.
هجمات إيرانية وتصعيد إقليمي
تزامن استهداف الميناء مع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، إذ شنت طهران هجمات انتقامية على إسرائيل وبعض الدول العربية، عقب ضربات أمريكية استهدفت مواقع عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية.
وتعد جزيرة خرج مركزاً رئيسياً لصادرات النفط الإيرانية، إذ تمر عبرها غالبية شحنات النفط الخام التي تصدرها إيران إلى الأسواق العالمية.
ورغم الضربات العسكرية التي تعرضت لها الجزيرة، أفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية بأن عمليات تصدير النفط من الجزيرة مستمرة بشكل طبيعي، وأن البنية التحتية النفطية لم تتعرض لأضرار كبيرة حتى الآن.
لكن الأسواق العالمية تبقى متوجسة من احتمال تصاعد الصراع ليشمل منشآت نفطية إضافية، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية.
مخاطر الإمدادات تتزايد
يرى محللون أن التطورات الأخيرة تزيد من احتمالات حدوث اضطرابات في الإمدادات النفطية، حتى وإن لم تتعرض المنشآت النفطية لأضرار مباشرة حتى الآن.
وقال وارن باترسون، رئيس استراتيجية السلع في بنك ING Groep NV، إن المخاطر التي تهدد سوق النفط ارتفعت بشكل واضح خلال الأيام الأخيرة.
وأضاف: «رغم أن البنية التحتية النفطية لم تتضرر على ما يبدو من الضربات على جزيرة خرج، فإن مخاطر الإمدادات تتزايد بوضوح».
وأشار إلى أن أي اضطراب فعلي في تدفقات النفط من المنطقة قد يؤدي إلى مزيد من التشدد في السوق وارتفاع الأسعار إلى مستويات أعلى.
تباطؤ حركة الشحن في مضيق هرمز
في الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن حركة الشحن عبر مضيق هرمز شهدت تباطؤاً ملحوظاً خلال الأيام الماضية، نتيجة تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.
ويعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يومياً.
وبينما استمرت بعض السفن المرتبطة بإيران في العبور عبر المضيق، فإن العديد من شركات الشحن بدأت في إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بمرور الناقلات في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن.
تقديرات لمدة الحرب
على صعيد آخر، قال كيفن هاسيت، رئيس المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض، إن تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية تشير إلى أن الحرب قد تستمر ما بين أربعة إلى ستة أسابيع.
وأضاف أن القرار النهائي بشأن موعد إنهاء العمليات العسكرية يبقى بيد الرئيس الأمريكي.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى إمكانية إجراء مفاوضات لإنهاء الصراع، رغم أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد أن بلاده لم تطلب إجراء محادثات أو وقف إطلاق النار حتى الآن.
تحركات لإعادة فتح مضيق هرمز
في ظل المخاوف المتزايدة بشأن أمن الملاحة البحرية، كثّف ترمب دعواته لإعادة فتح مضيق هرمز وتأمين حركة السفن فيه.
وطالب الحلفاء بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الممر المائي، كما دعا الصين إلى المشاركة في جهود حماية ناقلات النفط، مشيراً إلى أن نحو 90% من النفط الذي تستورده الصين يمر عبر المضيق.
كما حذر من أن حلف الناتو قد يواجه «عواقب وخيمة» إذا لم يدعم الولايات المتحدة في جهود حماية الملاحة في المنطقة.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن إدارة ترمب تدرس الإعلان عن تشكيل تحالف دولي لمرافقة السفن عبر المضيق، رغم أن النقاشات لا تزال مستمرة بشأن توقيت بدء هذه العمليات.
تحركات دولية لاحتواء الأزمة
على الصعيد الدبلوماسي، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن.
وخلال اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، طالب ماكرون بوقف الهجمات التي تستهدف دول المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفاء إيران الإقليميين.
وأكد أن فرنسا تعمل في إطار دفاعي يهدف إلى حماية مصالحها وشركائها الإقليميين وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.
الإفراج عن احتياطيات النفط
في محاولة لاحتواء ارتفاع الأسعار، أعلنت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي عن خطة للإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الطارئة.
ويعد هذا أكبر سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخ الوكالة، ويهدف إلى تخفيف الضغط على الأسواق العالمية وتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات.
وقالت الوكالة إن جزءاً كبيراً من هذه الكميات سيصبح متاحاً فوراً في الأسواق الآسيوية، في محاولة لتلبية الطلب المتزايد على النفط في المنطقة.
سوق النفط أمام اختبار جديد
في المجمل، تعكس التحركات الأخيرة في أسعار النفط حجم القلق الذي يسيطر على الأسواق العالمية بشأن أمن الإمدادات في الشرق الأوسط.
فمع استمرار التوترات العسكرية وتصاعد المخاطر التي تهدد الممرات البحرية الحيوية، قد تبقى أسعار النفط تحت ضغط صعودي خلال الفترة المقبلة.
لكن اتجاه السوق سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الصراع في المنطقة، ومدى قدرة المجتمع الدولي على حماية طرق الشحن وضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.