النفط يقفز وسط ضباب الحرب ومخاوف الإمدادات
شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً في تعاملات الخميس، لتعوض جزءاً من خسائر الجلسة السابقة، في ظل عودة المستثمرين إلى إعادة تقييم المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد إشارات متباينة بشأن فرص التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أعاد حالة عدم اليقين إلى صدارة المشهد ودفع الأسعار للتحرك صعوداً بوتيرة سريعة. ويأتي هذا التحرك في سياق سوق شديدة الحساسية لأي تطور سياسي أو عسكري، حيث لم تعد الأسعار تستجيب فقط للعرض والطلب التقليديين، بل أصبحت تتحرك وفق توازن معقد بين المخاطر الجيوسياسية، وتوقعات الإمدادات، والسياسات النقدية العالمية.
انتعاش الأسعار
في التفاصيل، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.72 % لتصل إلى 104.91 دولارات للبرميل وقت كتابة التقرير، بينما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 3.1 % إلى 93.10 دولاراً للبرميل، بعد أن كان الخامان القياسيان قد تراجعا بأكثر من 2 % خلال جلسة الأربعاء. ويعكس هذا الارتفاع السريع أن السوق لا تزال في حالة «إعادة تسعير مستمرة»، حيث يتم تعديل الأسعار بشكل شبه فوري مع كل تطور سياسي أو عسكري، ما يزيد من حدة التقلبات ويجعل الاتجاهات قصيرة الأجل غير مستقرة.
التصريحات السياسية
وكانت التصريحات المتبادلة بين الجانبين الأمريكي والإيراني أحد أبرز محركات السوق خلال الساعات الماضية. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تزال تدرس المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، لكنها لا تنوي الدخول في محادثات مباشرة لإنهاء الصراع في الوقت الراهن، ما يشير إلى أن الطريق نحو التهدئة لا يزال معقداً وطويلاً. في المقابل، صعّدت واشنطن لهجتها، إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيضرب إيران «بقوة أكبر» إذا لم تتقبل ما وصفته بـ«الهزيمة العسكرية». هذه التصريحات المتشددة من الجانبين أعادت إشعال المخاوف من اتساع نطاق الصراع، وهو ما انعكس فوراً على أسعار النفط.
تقلبات مرتبطة بالمفاوضات
وفي هذا السياق، نقلت وكالة «رويترز» عن كبير الاقتصاديين في معهد «إن إل آي» للأبحاث، تسويوشي أوينو، قوله إن التفاؤل بشأن التوصل إلى وقف لإطلاق النار قد تلاشى إلى حد كبير، مشيراً إلى أن الشروط التي وضعتها واشنطن تبدو مرتفعة، ما يزيد من احتمالات استمرار التصعيد. وأضاف أن أسعار النفط ستظل عرضة لتقلبات حادة خلال الفترة المقبلة، تبعاً لتطورات المفاوضات والإجراءات العسكرية من كلا الجانبين، وهو ما يعزز فكرة أن السوق دخلت مرحلة «التسعير السياسي المباشر».
مخاوف الإمدادات العالمية
على صعيد الإمدادات، ازدادت الضغوط الصعودية مع تصاعد المخاوف بشأن تعطل تدفقات النفط العالمية. فقد أشارت تقديرات إلى توقف ما لا يقل عن 40 % من طاقة تصدير النفط الروسية، نتيجة هجمات أوكرانية بطائرات مسيرة، واستهداف خطوط أنابيب رئيسية، إضافة إلى مصادرة ناقلات، وهو ما يمثل ضربة قوية للإمدادات العالمية في وقت حساس للغاية. ويأتي هذا التطور ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى سوق تعاني بالفعل من اضطرابات متعددة المصادر، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية.
مضيق هرمز.. نقطة الاختناق
ويظل مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في معادلة الأسعار الحالية، حيث يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. فقد أشار بنك باركليز إلى أن استمرار إغلاق المضيق قد يؤدي إلى فقدان إمدادات تتراوح بين 13 و14 مليون برميل يومياً، وهو رقم ضخم كفيل بإحداث صدمة كبيرة في الأسواق العالمية. وأكد البنك أن حجم الاضطراب وعدم وضوح مدته يجعلان من الصعب على الأسواق تكوين رؤية مستقرة، ما يعزز من تقلبات الأسعار ويرفع من علاوة المخاطر الجيوسياسية.
المخزونات الأمريكية
في المقابل، أظهرت البيانات الأمريكية عاملًا كابحاً جزئياً لارتفاع الأسعار، حيث ارتفعت مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة بمقدار 6.9 ملايين برميل لتصل إلى 456.2 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 20 مارس، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2024، وجاء هذا الارتفاع أعلى بكثير من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى زيادة طفيفة لا تتجاوز 477 ألف برميل. ورغم أن هذه البيانات تعكس وفرة نسبية في السوق الأمريكية، فإن تأثيرها ظل محدوداً أمام الضغوط الجيوسياسية الأكبر.
توقعات الطلب العالمي
أما على صعيد الطلب، فتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي على النفط خلال العام الجاري سيتراوح بين 104 و105 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى يعكس استمرار قوة الاستهلاك العالمي رغم التحديات الاقتصادية. لكن هذا الطلب المرتفع، في ظل أي اضطراب كبير في الإمدادات، قد يؤدي إلى اختلال سريع في التوازن، ما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بشكل حاد.
ضعف مرونة الإمدادات
وأشار بنك باركليز إلى أن مرونة الإمدادات العالمية أصبحت أضعف مما كانت عليه في أزمات سابقة، حيث انخفضت الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى تحالف «أوبك+»، كما تباطأ نمو الإنتاج في الدول غير الأعضاء، وعلى رأسها الولايات المتحدة، نتيجة تراجع الاستثمارات في قطاع الطاقة على مدى السنوات الماضية. وهذا العامل الهيكلي يجعل السوق أكثر عرضة للصدمات، وأقل قدرة على امتصاصها بسرعة.
سيناريوهات الأسعار
وفي ما يتعلق بالتوقعات، يرى بنك باركليز أن السيناريو الأساسي يفترض عودة العبور الطبيعي عبر مضيق هرمز مطلع الشهر المقبل، مع متوسط سعر لخام برنت عند نحو 85 دولاراً للبرميل خلال العام الجاري. لكن البنك حذر من أن استمرار الاضطرابات حتى نهاية أبريل 2026 قد يدفع الأسعار إلى إعادة التسعير عند مستوى 100 دولار للبرميل، فيما قد تصل إلى 110 دولارات إذا استمرت الأزمة حتى نهاية مايو، ما يعكس حساسية السوق الشديدة لطول أمد الأزمة.
حالة من عدم اليقين العميق
في المجمل، تعكس حركة النفط الحالية سوقًا تعيش حالة من عدم اليقين العميق، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع المتغيرات الاقتصادية والمالية في تشكيل اتجاه الأسعار. وبينما تدعم المخاطر المرتبطة بالإمدادات الأسعار صعوداً، تظل البيانات الاقتصادية مثل المخزونات عاملاً موازناً، وإن كان تأثيره محدوداً في ظل تصاعد التوترات.
وعليه، فإن المسار المستقبلي للنفط سيظل مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية: تطورات الحرب، ووضع مضيق هرمز، وقدرة الإمدادات العالمية على التعافي. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأسعار مرشحة لمزيد من التقلبات، مع ميل واضح نحو الصعود في حال استمرار حالة عدم اليقين، وهو ما يجعل الأسواق في حالة ترقب دائم لأي إشارة قد تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية من جديد.