النفط يقلّص خسائره.. والغاز يقفز
قلّصت أسعار النفط العالمية جزءاً كبيراً من خسائرها الحادة خلال تعاملات الإثنين، مدعومة بتقارير إيرانية نفت وجود أي محادثات مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ما خفّف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمكانية حدوث اختراق دبلوماسي سريع، وأعاد تسليط الضوء على استمرار حالة التوتر وعدم اليقين في أسواق الطاقة.
وفي التفاصيل، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت في وقت سابق بأكثر من 14 % على خلفية تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار فيها إلى تأجيل الضربات العسكرية المحتملة ضد منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، وهو ما فُهم على أنه إشارة إلى إمكانية احتواء التصعيد مؤقتاً. غير أن الأسعار عادت وقلّصت خسائرها لاحقاً لتستقر عند انخفاض بنسبة 5.52 % عند مستوى 106 دولارات للبرميل، في حركة تعكس هشاشة المزاج الاستثماري وسرعة تفاعل السوق مع أي تطورات سياسية.
وبالمثل، قلّصت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي خسائرها لتصل إلى تراجع بنسبة 5.75 % عند 92.58 دولاراً للبرميل، بعد موجة بيع مكثفة في بداية الجلسة، قبل أن تدخل الأسواق في مرحلة إعادة تقييم للمعطيات.
تقلبات حادة تعكس هشاشة السوق
تعكس هذه التحركات السعرية الحادة حالة الارتباك التي تسيطر على المتعاملين في أسواق الطاقة، حيث تتغير التوقعات بشكل سريع تبعاً للتصريحات السياسية والتطورات الميدانية. فبينما يُنظر إلى أي مؤشرات على التهدئة باعتبارها عامل ضغط هبوطي على الأسعار، فإن استمرار التوتر أو تعثر الجهود الدبلوماسية يعيد المخاوف المتعلقة بالإمدادات إلى الواجهة.
وتُظهر هذه التقلبات أيضاً أن السوق بات أكثر حساسية للأحداث الجيوسياسية مقارنة بالفترات السابقة، خصوصاً في ظل تمركز جزء كبير من الإمدادات العالمية في منطقة الشرق الأوسط، التي تُعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية.
«غولدمان ساكس» يرفع توقعاته لأسعار النفط
في هذا السياق، قام بنك «غولدمان ساكس» بمراجعة توقعاته لأسعار النفط خلال عام 2026، في ضوء استمرار تعطل التدفقات عبر مضيق هرمز، الذي وصفه بأنه يمثل «أكبر صدمة إمدادات في تاريخ أسواق النفط العالمية».
وأوضح محللون في البنك، من بينهم دان سترويفن، في مذكرة بحثية مؤرخة في 22 مارس، أن متوسط سعر خام برنت قد يصل إلى 85 دولاراً للبرميل في عام 2026، مقارنة بتوقعات سابقة عند 77 دولاراً. كما رفع البنك توقعاته لخام غرب تكساس الوسيط إلى 79 دولاراً للبرميل، بدلاً من 72 دولاراً.
وتعكس هذه المراجعة تحولاً جوهرياً في النظرة المستقبلية للسوق، حيث لم تعد المخاطر الجيوسياسية تُعتبر مجرد عامل مؤقت، بل باتت تُعامل كعامل هيكلي يمكن أن يؤثر على توازن العرض والطلب لفترات ممتدة.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
استندت هذه التوقعات إلى افتراض رئيسي يتمثل في بقاء تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عند نحو 5 % فقط من مستوياتها الطبيعية لمدة ستة أسابيع، يعقبها تعافٍ تدريجي خلال شهر واحد.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لأي اضطرابات في الإمدادات.
ووفق تقديرات «غولدمان ساكس»، فإن خسائر إنتاج النفط في الشرق الأوسط قد ترتفع من نحو 11 مليون برميل يومياً حالياً إلى ذروة تبلغ 17 مليون برميل يومياً، قبل أن تبدأ في التعافي تدريجياً. ومن المتوقع أن تتجاوز الخسائر التراكمية 800 مليون برميل خلال فترة الأزمة.
صدمة إمدادات غير مسبوقة
وصف محللو البنك هذه التطورات بأنها تمثل «أكبر صدمة إمدادات على الإطلاق»، مشيرين إلى أنها قد تدفع صناع السياسات والمستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر الهيكلية المرتبطة بتركيز الإنتاج في مناطق جغرافية محددة.
وأضافوا أن هذه الأزمة تكشف أيضاً عن هشاشة البنية التحتية للطاقة العالمية، خاصة في المناطق التي تشهد توترات سياسية، وهو ما قد يدفع إلى تسريع الاستثمارات في تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات.
تباين في التأثيرات الإقليمية
على صعيد التأثيرات الإقليمية، أشار التقرير إلى أن الأسواق الآسيوية ستكون الأكثر تأثراً بنقص الإمدادات، نظراً لاعتمادها الكبير على النفط القادم من الشرق الأوسط. في المقابل، قد تستفيد الأسواق الأوروبية والأميركية جزئياً من ارتفاع المخزونات التجارية، التي كانت قد سجلت زيادات قبل اندلاع الأزمة، نتيجة فائض المعروض العالمي مقارنة بالطلب.
غير أن هذه الحماية المؤقتة قد لا تدوم طويلاً، خاصة إذا استمرت الأزمة لفترة أطول من المتوقع، ما قد يؤدي إلى استنزاف المخزونات وعودة الضغوط على الأسعار.
مهلة ترمب تضيف مزيداً من الضبابية
زاد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن منح إيران مهلة لإعادة فتح مضيق هرمز من حالة الغموض في الأسواق. فقد هددت الولايات المتحدة بقصف منشآت الطاقة الإيرانية في حال عدم الامتثال، بينما ردّت طهران بالتهديد باستهداف البنية التحتية الحيوية في المنطقة.
هذا التصعيد المتبادل يعكس خطورة المرحلة الحالية، حيث يمكن لأي خطوة غير محسوبة أن تؤدي إلى توسع نطاق الصراع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات كبيرة على أسواق الطاقة العالمية.
الغاز الطبيعي يدخل دائرة الاضطراب
لم تقتصر تداعيات الأزمة على سوق النفط، بل امتدت أيضاً إلى سوق الغاز الطبيعي، حيث استأنفت العقود الآجلة للغاز في أوروبا ارتفاعها، مدفوعة بمخاوف من تعطل الإمدادات.
وسجلت العقود القياسية ارتفاعاً بأكثر من 5% في التعاملات المبكرة، لتعوض خسائر الجلسة السابقة، في ظل ترقب المستثمرين للتطورات الجيوسياسية.
توقف الإمدادات يضغط على الأسواق
تشير التقديرات إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز توقفت فعلياً خلال الشهر الجاري، ما أدى إلى تعطّل نحو 20 % من تدفقات الغاز الطبيعي المسال عالمياً. كما توقفت أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في قطر، وتضررت نحو 17 % من طاقتها الإنتاجية.
وأفادت قطر بأن العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة قد تستغرق ما يصل إلى خمس سنوات، وهو ما يعكس حجم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة.
توقعات بارتفاع أسعار الغاز
في مذكرة منفصلة، توقع محللو «غولدمان ساكس»، بقيادة سامانثا دارت، أن تستمر أسعار الغاز في أوروبا وآسيا في الارتفاع، نتيجة التأثير الكبير على إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
وأشاروا إلى أن الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة في الشرق الأوسط خلال الأسبوع الماضي تعزز من احتمال استمرار الاضطرابات لفترة أطول مما كان متوقعاً، ما يدعم الاتجاه الصعودي للأسعار.
أوروبا تسارع لتأمين الإمدادات
في أوروبا، يراقب التجار عن كثب مستويات تخزين الغاز، حيث تحتاج القارة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال لإعادة بناء مخزوناتها قبل فصل الشتاء.
وفي هذا السياق، دعا مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورغنسن، الدول الأعضاء إلى البدء في ملء مرافق التخزين في وقت مبكر، لتجنب المنافسة الشديدة على الإمدادات خلال الصيف.
كما اقترح خفض أهداف التخزين إلى 80 %، والاستفادة من المرونة التي يوفرها التشريع الأوروبي، في محاولة لتحقيق توازن بين أمن الإمدادات وتكاليف التخزين.
ارتفاع الأسعار في السوق الأوروبية
انعكست هذه المخاوف على الأسعار، حيث ارتفعت العقود الآجلة القياسية للغاز في هولندا، والتي تُعد مرجعاً للسوق الأوروبية، بنسبة 4.7 % لتصل إلى 62.02 يورو لكل ميغاواط/ساعة في التعاملات الصباحية.
نظرة مستقبلية: سوق تحت رحمة الجغرافيا السياسية
تشير التطورات الحالية إلى أن أسواق الطاقة دخلت مرحلة جديدة تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين، حيث أصبحت العوامل الجيوسياسية تلعب دوراً محورياً في تحديد اتجاهات الأسعار.
وفي ظل استمرار الصراع ودخول العمليات العسكرية أسبوعها الرابع دون بوادر تهدئة، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التقلبات الحادة في الأسعار، مع ميل صعودي مدفوع بمخاوف الإمدادات.
كما أن هذه الأزمة قد تدفع الدول المستهلكة إلى إعادة النظر في استراتيجياتها المتعلقة بأمن الطاقة، بما في ذلك تنويع مصادر الإمداد، وزيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة، وتعزيز البنية التحتية للتخزين.