انضمام الجيل الجديد وتحديات استدامة الشركات
لا يُعدّ انضمام أبناء الجيل الجديد إلى شركات العائلة قرارًا عابرًا تحكمه القرابة وحدها، بل هو مسار تتداخل فيه اعتبارات شخصية ومهنية وتنظيمية تحدد في نهاية المطاف مدى نجاح هذه الخطوة أو تعثرها. فاختيار الابن أو الابنة للالتحاق بأعمال الأسرة يرتبط، في جوهره، بمدى توافق هذا القرار مع قدراتهم الذاتية وطموحاتهم المهنية، وكذلك مع احتياجات الشركة ومتطلباتها المستقبلية.
البعد الشخصي في اتخاذ القرار
ينطلق العامل الشخصي من وعي الفرد بقدراته واهتماماته وأهدافه، إذ يصبح الالتحاق بشركة العائلة خيارًا مهنيًا ناجحًا عندما يتناغم مع مسار تطوره الذاتي ورغبته في بناء هوية مهنية مستقلة. وتشير الدراسات إلى أن تحقيق هذا التوازن يسهم في تعزيز النمو النفسي والثقة بالنفس لدى أبناء الجيل الثاني، ويمنحهم شعورًا بالإنجاز بعيدًا عن الاعتماد الكامل على إرث العائلة.
وفي هذا السياق، يختار بعض الشباب العمل خارج إطار شركة العائلة لفترة زمنية محددة، بهدف اكتشاف ميولهم المهنية واكتساب الخبرة العملية والمصداقية في بيئات مختلفة. هذا المسار لا يعزز فقط مهاراتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية، بل يهيئهم للعودة إلى الشركة العائلية وهم أكثر نضجًا وثقة في اتخاذ القرار والمشاركة في القيادة.
إلى جانب ذلك، تتدخل اعتبارات أخرى مثل السعي لتحقيق الذات، والشعور بالمسؤولية تجاه استمرارية الشركة بوصفها جزءًا من كرامة الأسرة وسمعتها، أو النظر إلى المنصب داخل الشركة إما كغاية نهائية أو كمرحلة انتقالية نحو طموحات مهنية أوسع. كما قد يشكل توقع الثراء عامل جذب قويًا لبعض الناشئة، خصوصًا في البيئات التي نشأ فيها الأبناء على مستوى عالٍ من الرفاهية، وهو ما يستدعي الحذر من أن تتحول الدوافع الشخصية إلى عبء على مصلحة الشركة نفسها.
العامل المرتبط بطبيعة
الشركة وثقافتها
لا يقل تأثير بيئة الشركة وثقافتها التنظيمية أهمية عن الدوافع الشخصية في تشكيل قرار الانضمام. فقد يجذب العمل في شركة العائلة بعض الشباب بسبب إعجابهم بمنتجاتها أو أسواقها أو استراتيجياتها التشغيلية، في حين ينفر آخرون إذا شعروا بغياب الثقة أو محدودية الفرص المتاحة للتعلم والمشاركة في صنع القرار.
وفي كثير من الحالات، يتردد الجيل المؤسس في منح أبناء الجيل التالي مساحة كافية للاطلاع على تفاصيل العمل أو المشاركة في إدارة الشؤون الأساسية، ما يخلق مناخًا لا يشجع على المبادرة أو التغيير. هذا الأسلوب قد يؤدي إلى إحباط الشباب وتقليص رغبتهم في الالتحاق بالشركة أو الاستمرار فيها على المدى الطويل.
من هنا، تبرز أهمية البدء المبكر في إعداد الجيل القادم مهنيًا، عبر برامج تدريب واضحة ومسارات تطوير تضمن لهم اكتساب الخبرة العملية والمعرفة التنظيمية اللازمة. فتهيئة الشباب منذ مراحل مبكرة لا تقلل فقط من احتمالات الفشل، بل تعزز فرص بناء قيادة مستقبلية قادرة على الحفاظ على استمرارية الشركة وتطويرها بما يتناسب مع متغيرات السوق ومتطلبات العصر.
العمل المرتبط بالعائلة وقيمها
تلعب قيم العائلة وتقاليدها دورًا محوريًا في تشكيل خيارات الشباب المهنية، ولا سيما عند اتخاذ قرارهم الأول بشأن الالتحاق بشركة الأسرة. ففي بعض الحالات، تتناغم هذه القيم مع ميول الأبناء وطموحاتهم، فتتحول الشركة إلى مساحة طبيعية لتحقيق الذات وبناء المسار المهني. وفي حالات أخرى، قد تصبح التقاليد العائلية عائقًا أمام إبراز القدرات الكامنة لدى الجيل الناشئ أو تقييد حريته في اختيار المجال الذي يعبّر عن اهتماماته الحقيقية.
وقد يتعرض بعض الأبناء لضغوط مباشرة أو غير مباشرة من الوالدين للانضمام إلى الشركة، بينما يختار آخرون الابتعاد خشية الوقوع تحت وصمة “ابن المالك”، والسعي بدلًا من ذلك إلى بناء سمعة مهنية مستقلة خارج إطار العمل العائلي. فالبقاء داخل الشركة قد يُشعر البعض بأن مسارهم المهني محكوم سلفًا، ما قد يحدّ من فرص النمو الشخصي والتطور المهني إذا لم تتوافر بيئة عمل قائمة على الكفاءة والإنجاز.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الأثر على الأفراد وحدهم، بل يمتد إلى ديناميات الشركة والعلاقات الأسرية معًا. فوجود أبناء العائلة في مواقع إدارية قد يولد توترًا في عمليات اتخاذ القرار، ويعقّد التوازن بين الروابط العائلية ومتطلبات الإدارة المهنية. هذه المعادلة الدقيقة قد تعزز فاعلية الجيل الجديد عندما تُدار بحكمة، أو تتحول إلى عامل إرباك يضعف أداء الشركة إذا غابت الأطر الواضحة للفصل بين العائلة والعمل.
تأثير السوق والتحولات الاقتصادية
لا تنفصل قرارات الشباب المهنية عن السياق الأوسع الذي تفرضه ظروف السوق والتغيرات الاقتصادية العالمية. فالعولمة، وازدياد التخصص في المهن، وظهور تكتلات اقتصادية كبرى، والتحولات السياسية والاقتصادية في مناطق مختلفة من العالم، كلها عوامل تعيد رسم خريطة الفرص المتاحة أمام الجيل الجديد.
وفي ظل بيئة عمل تتسم بسرعة التغير وصعوبة التنبؤ، قد تبدو الخيارات المهنية خارج شركة العائلة أكثر جاذبية لبعض الشباب، خاصة إذا كانت الصناعات الناشئة أو القطاعات سريعة النمو توفر مسارات تطور أسرع أو آفاقًا أوسع للابتكار. كما أن وتيرة نمو الصناعة التي تنشط فيها شركة العائلة نفسها قد تلعب دورًا حاسمًا في جذب الأبناء للانضمام إليها أو دفعهم للبحث عن فرص بديلة في مجالات أخرى.
الفروقات بين الشركات العائلية وغير العائلية
تتميز الشركات العائلية عن نظيراتها غير العائلية ببنية داخلية أكثر تعقيدًا، إذ لا تقوم فقط على بعدين أساسيين هما الإدارة والعمل، بل يضاف إليهما بعد ثالث يتمثل في العائلة بوصفها عنصرًا بنيويًا مؤثرًا في هوية الشركة واستمراريتها. هذا البعد العائلي يشكل في كثير من الأحيان المحرك الأول لوجود الشركة ورؤيتها طويلة المدى، ويمنحها طابعًا خاصًا في صياغة أهدافها واتخاذ قراراتها الاستراتيجية.
وعلى الرغم من أن البيئة الخارجية التي تعمل فيها الشركات قد تكون متشابهة من حيث القوانين والأسواق والمنافسة، فإن الاختلاف الجوهري يظهر في الديناميات الداخلية وأولويات المالكين. فالتخطيط الاستراتيجي في الشركات العائلية غالبًا ما يتأثر باعتبارات تتجاوز المؤشرات المالية البحتة، ليشمل الحفاظ على إرث العائلة وسمعتها واستدامة المشروع عبر الأجيال.
وقد أظهرت بعض الدراسات أن هذا النموذج، متى ما أُدير بأسلوب مهني ومتوازن، لا يكتفي بمجاراة الشركات غير العائلية في الكفاءة والفعالية، بل قد يتفوق عليها بفضل ما يوفره من استقرار طويل الأمد وولاء أعلى للموارد البشرية ورؤية ممتدة تتجاوز الحسابات قصيرة الأجل.