تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انهيار‭ ‬تاريخي‭ ‬للذهب‭.. ‬ضغوط‭ ‬الفائدة‭ ‬تقلب‭ ‬معادلة‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن

انهيار‭ ‬تاريخي‭ ‬للذهب‭.. ‬ضغوط‭ ‬الفائدة‭ ‬تقلب‭ ‬معادلة‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن

شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬الذهب‭ ‬العالمية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعنف‭ ‬موجات‭ ‬الهبوط‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بعدما‭ ‬تراجعت‭ ‬الأسعار‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬6‭ %‬‭ ‬خلال‭ ‬تعاملات‭ ‬يوم‭ ‬الاثنين،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تحولات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬التوقعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬مدفوعة‭ ‬بتصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬
وهبط‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬الفورية‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭.‬59‭% ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬4236‭.‬79‭ ‬دولاراً‭ ‬للأوقية‭ (‬الأونصة‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬11‭ ‬ديسمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬مواصلاً‭ ‬بذلك‭ ‬سلسلة‭ ‬خسائره‭ ‬للجلسة‭ ‬التاسعة‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬في‭ ‬أطول‭ ‬موجة‭ ‬تراجع‭ ‬متواصلة‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭. ‬كما‭ ‬انخفضت‭ ‬العقود‭ ‬الأميركية‭ ‬الآجلة‭ ‬للذهب‭ ‬تسليم‭ ‬أبريل‭ ‬بنسبة‭ ‬6‭.‬85‭ % ‬إلى‭ ‬4261‭.‬30‭ ‬دولار،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حالة‭ ‬ضغط‭ ‬بيعي‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬التراجع‭ ‬على‭ ‬جلسة‭ ‬واحدة،‭ ‬إذ‭ ‬سجل‭ ‬الذهب‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬انخفاضاً‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ %‬،‭ ‬في‭ ‬أسوأ‭ ‬أداء‭ ‬أسبوعي‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬فبراير‭ ‬1983،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬43‭ ‬عاماً،‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬المستثمرين‭. ‬كما‭ ‬تراجع‭ ‬المعدن‭ ‬النفيس‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ % ‬عن‭ ‬ذروته‭ ‬القياسية‭ ‬البالغة‭ ‬5594‭.‬82‭ ‬دولاراً‭ ‬للأوقية،‭ ‬والتي‭ ‬سجلها‭ ‬في‭ ‬29‭ ‬يناير‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬دخوله‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تصحيح‭ ‬عميقة‭ ‬بعد‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬تاريخية‭.‬

تصعيد‭ ‬متسارع

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يشهد‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬تصعيداً‭ ‬متسارعاً‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تفوق‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الأسعار‭ ‬فوق‭ ‬110‭ ‬دولارات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفترات،‭ ‬نتيجة‭ ‬اضطرابات‭ ‬الإمدادات‭ ‬وارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬
هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬انعكس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬توقعات‭ ‬التضخم‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والإنتاج،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬مسار‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬التوقعات‭ ‬السابقة‭ ‬بخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬بدأت‭ ‬الأسواق‭ ‬تسعّر‭ ‬احتمالات‭ ‬أكبر‭ ‬لرفع‭ ‬الفائدة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭.‬

تحول‭ ‬جوهري

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أوضح‭ ‬تيم‭ ‬ووترر،‭ ‬كبير‭ ‬محللي‭ ‬السوق‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬كيه‭.‬سي‭.‬إم‭ ‬تريد‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭ ‬وتذبذب‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬حول‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬توقعات‭ ‬المستثمرين،‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬“الأسواق‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬سيناريو‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬إلى‭ ‬احتمالية‭ ‬رفعها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أضعف‭ ‬جاذبية‭ ‬الذهب‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العائد”‭.‬
ويُعد‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عاملاً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬تراجع‭ ‬الذهب،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬المعدن‭ ‬الأصفر‭ ‬لا‭ ‬يدر‭ ‬عائداً،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أقل‭ ‬جاذبية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأصول‭ ‬المدرة‭ ‬للفائدة‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬معدلات‭ ‬الفائدة‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬العوائد‭ ‬على‭ ‬السندات‭ ‬أو‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬الأخرى‭ ‬تدفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حيازاتهم‭ ‬من‭ ‬الذهب‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الذهب‭ ‬يُعتبر‭ ‬تقليدياً‭ ‬ملاذاً‭ ‬آمناً‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬التضخم‭ ‬وأسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬تظل‭ ‬معقدة‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬يعزز‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الذهب‭ ‬كأداة‭ ‬للتحوط،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬المصاحب‭ ‬لهذا‭ ‬التضخم‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطلب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭.‬
وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التوقعات‭ ‬برفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الأميركية‭ ‬قد‭ ‬ارتفعت‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬العقود‭ ‬الآجلة‭ ‬للفائدة‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬لتشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬وفقاً‭ ‬لأداة‭ ‬‮«‬فيد‭ ‬ووتش‮»‬‭ ‬التابعة‭ ‬لبورصة‭ ‬‮«‬سي‭.‬إم‭.‬إي‮»‬‭.‬

موجة‭ ‬بيع‭ ‬جماعية

ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬الخسائر‭ ‬على‭ ‬الذهب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬المعادن‭ ‬النفيسة،‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬جماعية‭ ‬تعكس‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭. ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬أسعار‭ ‬الفضة‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬الفورية‭ ‬بنسبة‭ ‬4‭.‬66‭ % ‬إلى‭ ‬64‭.‬60‭ ‬دولاراً‭ ‬للأوقية،‭ ‬فيما‭ ‬هبط‭ ‬البلاتين‭ ‬بنسبة‭ ‬9‭ % ‬إلى‭ ‬1749‭.‬31‭ ‬دولار،‭ ‬وسجل‭ ‬البلاديوم‭ ‬انخفاضاً‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭.‬2‭ %‬‭ ‬إلى‭ ‬1330‭.‬50‭ ‬دولار‭.‬
كما‭ ‬تزامن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬في‭ ‬الأسهم‭ ‬الآسيوية،‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬انتقال‭ ‬العدوى‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬الأصول،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬العزوف‭ ‬عن‭ ‬المخاطرة‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬توجه‭ ‬المستثمرين‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬محافظهم‭ ‬الاستثمارية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المتغيرات‭ ‬الجديدة،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬السيولة‭ ‬والأصول‭ ‬الأقل‭ ‬تقلباً‭.‬

عوامل‭ ‬متداخلة

ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الذهب‭ ‬حالياً‭ ‬هو‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬متداخلة،‭ ‬تشمل‭ ‬الضغوط‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬وتغير‭ ‬توقعات‭ ‬الفائدة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عمليات‭ ‬جني‭ ‬الأرباح‭ ‬بعد‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬قوية‭ ‬استمرت‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭. ‬كما‭ ‬تلعب‭ ‬العوامل‭ ‬الفنية‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الهبوط،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬كسر‭ ‬مستويات‭ ‬دعم‭ ‬رئيسية‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬يبقى‭ ‬مستقبل‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بتطورات‭ ‬الأوضاع‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬ومسار‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الكبرى‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬استمرت‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬وارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬قد‭ ‬يظل‭ ‬الذهب‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬رغم‭ ‬احتفاظه‭ ‬بدوره‭ ‬كأداة‭ ‬تحوط‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
بشكل‭ ‬عام،‭ ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬ديناميكيات‭ ‬الأسواق،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الذهب‭ ‬يتحرك‭ ‬فقط‭ ‬كملاذ‭ ‬آمن،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬لمعادلة‭ ‬معقدة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التضخم‭ ‬والفائدة‭ ‬والمخاطر‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬حركته‭ ‬أكثر‭ ‬تقلباً‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭.‬

رجوع لأعلى