تخطي إلى المحتوى الرئيسي

انهيار‭ ‬نموذج‭ ‬‮‬ليستر‭ ‬سيتي‮‬‭… ‬من‭ ‬طفرة‭ ‬الإيرادات‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬استدامة‭ ‬مالية

انهيار‭ ‬نموذج‭ ‬‮‬ليستر‭ ‬سيتي‮‬‭... ‬من‭ ‬طفرة‭ ‬الإيرادات‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬استدامة‭ ‬مالية

قبل‭ ‬عقد‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬كتب‭ ‬نادي‭ ‬ليستر‭ ‬سيتي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الحكايات‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الحديثة،‭ ‬حين‭ ‬تُوّج‭ ‬بلقب‭ ‬الدوري‭ ‬الإنجليزي‭ ‬الممتاز‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬وُصف‭ ‬بالمعجزة‭. ‬فريق‭ ‬صعد‭ ‬قبلها‭ ‬بعامين‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬العالم‭ ‬الكروي،‭ ‬متحدياً‭ ‬عمالقة‭ ‬اللعبة‭ ‬بإمكانات‭ ‬محدودة‭ ‬وروح‭ ‬جماعية‭ ‬استثنائية‭. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬التاريخية،‭ ‬بدأ‭ ‬مسار‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة،‭ ‬انتهى‭ ‬بسقوط‭ ‬مدوٍ‭ ‬إلى‭ ‬دوري‭ ‬الدرجة‭ ‬الثالثة،‭ ‬في‭ ‬تحول‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬كبيراً‭: ‬كيف‭ ‬انهارت‭ ‬المعجزة‭ ‬بهذه‭ ‬السرعة؟
في‭ ‬موسم‭ ‬التتويج،‭ ‬عاش‭ ‬النادي‭ ‬ذروة‭ ‬اقتصادية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬إيراداته‭ ‬نحو‭ ‬129‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬بعوائد‭ ‬البث‭ ‬التلفزيوني‭ ‬التي‭ ‬قاربت‭ ‬95‭ ‬مليونًا‭. ‬هذا‭ ‬التدفق‭ ‬المالي‭ ‬الكبير‭ ‬عكس‭ ‬التأثير‭ ‬المباشر‭ ‬للفوز‭ ‬بالدوري،‭ ‬وفتح‭ ‬شهية‭ ‬الإدارة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الفريق‭ ‬واستثمار‭ ‬النجاح،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أسّس‭ ‬لمرحلة‭ ‬إنفاق‭ ‬مرتفع‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مستدامة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

إنفاق‭ ‬متسارع
مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطموحات،‭ ‬قفزت‭ ‬فاتورة‭ ‬الأجور‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬80‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬صافي‭ ‬إنفاق‭ ‬بلغ‭ ‬48‭ ‬مليونًا‭ ‬على‭ ‬التعاقدات‭. ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬المالي‭ ‬جاء‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنافسة،‭ ‬لكنه‭ ‬خلق‭ ‬التزامات‭ ‬ثقيلة‭ ‬تجاوزت‭ ‬قدرة‭ ‬النادي‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تراجع‭ ‬النتائج،‭ ‬وهنا‭ ‬بدأت‭ ‬أولى‭ ‬ملامح‭ ‬الاختلال‭ ‬بين‭ ‬الإيرادات‭ ‬والمصروفات،‭ ‬وهو‭ ‬خلل‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بداية‭ ‬الأزمات‭ ‬في‭ ‬الأندية‭ ‬متوسطة‭ ‬الموارد‭.‬
التحول‭ ‬الأكبر‭ ‬بدأ‭ ‬بعد‭ ‬إقالة‭ ‬المدرب‭ ‬كلاوديو‭ ‬رانييري‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬اللقب‭. ‬القرار،‭ ‬رغم‭ ‬مبرراته‭ ‬الفنية،‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سلسلة‭ ‬تغييرات‭ ‬متكررة‭ ‬في‭ ‬الجهاز‭ ‬الفني،‭ ‬ما‭ ‬أدخل‭ ‬الفريق‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬مزمنة‭. ‬ورغم‭ ‬بعض‭ ‬النجاحات‭ ‬اللاحقة‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬بريندان‭ ‬رودجرز،‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬الاستمرارية‭ ‬ظل‭ ‬السمة‭ ‬الأبرز،‭ ‬وأثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬والنتائج‭.‬

خسارة‭ ‬أوروبية
في‭ ‬السنوات‭ ‬التالية،‭ ‬فشل‭ ‬النادي‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬دوري‭ ‬أبطال‭ ‬أوروبا،‭ ‬ما‭ ‬حرمه‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭. ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الفوز‭ ‬بكأس‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإنجليزي‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬لم‭ ‬يعوض‭ ‬هذا‭ ‬الغياب،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬عوائد‭ ‬البطولة‭ ‬1‭.‬8‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني،‭ ‬مقارنة‭ ‬بعشرات‭ ‬الملايين‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬المشاركة‭ ‬الأوروبية‭. ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬المالي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الإنفاق‭ ‬والإيرادات‭.‬
اختلال‭ ‬مالي

تراكمت‭ ‬الضغوط‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الإنفاق‭ ‬المرتفع،‭ ‬مقابل‭ ‬تراجع‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬العوائد،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬خسائر‭ ‬تجاوزت‭ ‬215‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭ ‬خلال‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬فقط‭ ‬حتى‭ ‬2023‭. ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬وضعت‭ ‬النادي‭ ‬في‭ ‬مخالفة‭ ‬مباشرة‭ ‬لقواعد‭ ‬الربحية‭ ‬والاستدامة،‭ ‬لتتحول‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تراجع‭ ‬رياضي‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬مالي‭ ‬هيكلي‭.‬
زاد‭ ‬الوضع‭ ‬تعقيداً‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬مالك‭ ‬النادي‭ ‬فيتشاي‭ ‬سريفادانابرابا‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬مأساوي‭ ‬عام‭ ‬2018‭. ‬غياب‭ ‬القيادة‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬النجاح‭ ‬ترك‭ ‬فراغاً‭ ‬كبيراً،‭ ‬ورغم‭ ‬تولي‭ ‬ابنه‭ ‬أيياوات‭ ‬سريفادانابرابا‭ ‬المسؤولية،‭ ‬فإن‭ ‬قلة‭ ‬الخبرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬التحديات‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬غير‭ ‬موفقة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإداري‭ ‬أو‭ ‬الرياضي‭.‬

صفقات‭ ‬فاشلة
على‭ ‬مستوى‭ ‬التعاقدات،‭ ‬أنفق‭ ‬النادي‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬لاعبين‭ ‬لم‭ ‬يقدموا‭ ‬الإضافة‭ ‬المطلوبة،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوزت‭ ‬قيمة‭ ‬بعض‭ ‬الصفقات‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬دون‭ ‬مردود‭ ‬فني‭ ‬يُذكر‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬خسر‭ ‬الفريق‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬لاعبيه‭ ‬الأساسيين‭ ‬مجاناً‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬عقودهم،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬التوازن‭ ‬داخل‭ ‬التشكيلة‭ ‬وأثر‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الفريق‭.‬

دوامة‭ ‬مدربين
بعد‭ ‬رحيل‭ ‬رودجرز‭ ‬في‭ ‬2023،‭ ‬دخل‭ ‬النادي‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬المدربين،‭ ‬حيث‭ ‬تعاقب‭ ‬سبعة‭ ‬مدربين‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬استقرار‭. ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬الفنية‭ ‬انعكست‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬داخل‭ ‬الملعب،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬وجود‭ ‬أسماء‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬جيمي‭ ‬فاردي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قادراً‭ ‬وحده‭ ‬على‭ ‬إنقاذ‭ ‬الفريق‭ ‬من‭ ‬التراجع‭.‬
في‭ ‬موسم‭ ‬2025‭-‬2026،‭ ‬تلقى‭ ‬النادي‭ ‬ضربة‭ ‬جديدة‭ ‬بخصم‭ ‬ست‭ ‬نقاط‭ ‬بسبب‭ ‬خرق‭ ‬القواعد‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬سابق،‭ ‬ما‭ ‬أثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬ترتيبه‭ ‬في‭ ‬دوري‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬تشامبيونشيب‮»‬،‭ ‬ودفعه‭ ‬نحو‭ ‬مناطق‭ ‬الهبوط‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬حاسمة‭ ‬من‭ ‬الموسم‭.‬

سقوط‭ ‬تاريخي
تراكم‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬هبوط‭ ‬الفريق‭ ‬من‭ ‬الدوري‭ ‬الممتاز‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬2022‭-‬2023،‭ ‬ثم‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬أقدامه‭ ‬بعد‭ ‬عودته‭ ‬المؤقتة،‭ ‬ليواصل‭ ‬التراجع‭ ‬حتى‭ ‬الهبوط‭ ‬إلى‭ ‬دوري‭ ‬الدرجة‭ ‬الثالثة‭. ‬وهو‭ ‬سقوط‭ ‬يعكس‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لنجاح‭ ‬استثنائي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُدار‭ ‬بحكمة‭.‬

نموذج‭ ‬متكرر
قصة‭ ‬ليستر‭ ‬ليست‭ ‬استثناءً،‭ ‬بل‭ ‬تكرار‭ ‬لنماذج‭ ‬تاريخية‭ ‬مثل‭ ‬برو‭ ‬فيرتشيلي،‭ ‬الذي‭ ‬سيطر‭ ‬على‭ ‬الكرة‭ ‬الإيطالية‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬تدريجياً‭. ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬واضح‭: ‬النجاح‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭. ‬الاستدامة‭ ‬المالية،‭ ‬والاستقرار‭ ‬الفني،‭ ‬والإدارة‭ ‬الرشيدة‭ ‬هي‭ ‬العناصر‭ ‬الحاسمة‭ ‬لضمان‭ ‬استمرار‭ ‬أي‭ ‬إنجاز‭.‬
في‭ ‬النهاية،‭ ‬تبقى‭ ‬حكاية‭ ‬ليستر‭ ‬سيتي‭ ‬درساً‭ ‬صارخًا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الحديثة،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬المعجزات‭ ‬في‭ ‬موسم،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تنهار‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬إذا‭ ‬غابت‭ ‬الرؤية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭.‬

رجوع لأعلى