برنت يهدد بملامسة 80 دولاراً مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط
في لحظة تتسم بحساسية عالية في أسواق الطاقة العالمية، عاد ملف الشرق الأوسط ليحتل صدارة المشهد النفطي، بعدما نقلت وكالة بلومبرغ عن مندوب في تحالف أوبك+ أن الدول الأعضاء قد تبحث خيار زيادة أكبر من المخطط لها في الإمدادات خلال اجتماعها المرتقب، وذلك على خلفية الغارات الجوية التي نفذها كيان الاحتلال الإسرائيلي داخل إيران. ويعكس هذا الطرح إدراكاً متزايداً داخل التحالف بأن التطورات الجيوسياسية قد تفرض إعادة تقييم سريعة لاستراتيجية الإنتاج، خصوصاً في سوق أصبحت أكثر هشاشة مقارنة بالسنوات الماضية.
أوبك+ أمام اختبار جديد
كانت أوبك+، بقيادة المملكة العربية السعودية وروسيا، قد اتفقت سابقاً على تجميد جزء من الإمدادات عبر تخفيضات طوعية استمرت ثلاثة أشهر، بهدف دعم الأسعار ومنع تراجعها في ظل مخاوف تباطؤ الاقتصاد العالمي. وكان من المتوقع أن تبدأ المجموعة اعتباراً من أبريل في إعادة زيادات تدريجية ومحدودة للإنتاج، بما يتماشى مع تقديرات بوجود فائض طفيف في المعروض خلال النصف الثاني من العام.
غير أن المستجدات العسكرية أعادت الحسابات إلى نقطة الصفر. فتصاعد التوتر بين كيان الاحتلال وإيران مع انخراط غير مباشر للولايات المتحدة يهدد بإدخال عنصر عدم يقين إضافي إلى سوق تعتمد بشكل كبير على استقرار الخليج العربي. وتكمن المعضلة الأساسية في أن أوبك+ لا تسعى فقط إلى إدارة الأسعار، بل إلى تجنب تقلبات حادة قد تضر بالطلب العالمي أو تدفع الاقتصادات المستهلكة إلى تسريع التحول بعيداً عن النفط.
السعودية، التي تمتلك أكبر طاقة إنتاجية احتياطية داخل التحالف، تلعب دور المنتج المرجّح، القادر على زيادة أو خفض الإنتاج بسرعة نسبية. إلا أن استخدام هذه الطاقة الاحتياطية بشكل واسع يعني تقليص هامش الأمان في حال وقوع اضطرابات أكبر. أما روسيا، فتواجه معادلة مختلفة؛ إذ تحتاج إلى إيرادات نفطية قوية لدعم ميزانيتها، لكنها أيضاً حريصة على الحفاظ على تماسك التحالف وعدم الإخلال بالتوازن الدقيق بين أعضائه.
سيناريوهات متباينة
في هذا السياق، حذّر بنك باركليز من أن خام برنت قد يرتفع إلى نحو 80 دولاراً للبرميل في حال حدوث انقطاع كبير في الإمدادات، خاصة إذا فقد السوق ما يقارب مليون برميل يومياً نتيجة تصعيد عسكري مباشر أو عقوبات أشد.
وأوضح البنك في تقرير صدر قبل الضربات الإسرائيلية أن علاوة المخاطرة الجيوسياسية – المقدّرة بين 3 و5 دولارات للبرميل – قد تتلاشى سريعاً إذا لم يتطور التصعيد إلى تعطيل فعلي في الإنتاج أو الشحن. غير أن فقدان مليون برميل يومياً كفيل بإعادة رسم خريطة التوقعات، إذ سيقوّض فرضية الفائض المتوقع ويحوّلها إلى عجز ملموس، ما يدفع الأسعار صعوداً.
وكانت الأسعار قد سجلت ارتفاعاً بنحو 2% في جلسة الجمعة ليصل برنت إلى 72.48 دولاراً للبرميل، بحسب ما أوردته رويترز، في استجابة أولية للتوترات. ويشير هذا الارتفاع إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير جزء من المخاطر، حتى قبل اتضاح حجم التأثير الفعلي على الإمدادات.
نقطة الاختناق العالمية
تتركز المخاوف الأساسية في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. وأي تهديد لحركة الناقلات في هذا الممر الحيوي سواء عبر هجمات مباشرة أو تصعيد عسكري بحري قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وربما إلى تعطيل جزئي للتدفقات.
إيران، التي تطل على الضفة الشمالية للمضيق، لطالما لوّحت باستخدامه كورقة ضغط في مواجهة العقوبات الغربية. ورغم أن إغلاق المضيق بشكل كامل يبقى سيناريو متطرفاً نظراً لتداعياته الدولية الواسعة، فإن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية يكفي لدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
الموقف الأميركي وتعقيدات السياسة
على الجانب السياسي، عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خيبة أمله من مسار المفاوضات النووية مع إيران، محذراً من أن في بعض الأحيان يتعين عليك استخدام القوة. وتأتي هذه التصريحات في ظل انتشار عسكري أميركي مكثف في المنطقة، ما يعزز احتمالات سوء التقدير أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وترتبط الأسواق النفطية بشكل وثيق بالسياسة الأميركية تجاه إيران، سواء عبر نظام العقوبات أو عبر الموقف العسكري. فأي تشديد للعقوبات قد يحدّ من الصادرات الإيرانية، التي تُقدّر بمئات الآلاف من البراميل يومياً، وهو رقم قد يبدو محدوداً نسبياً لكنه مؤثر في سوق تعاني أصلاً من ضيق في الطاقة الاحتياطية.
تقلص هيكلي في السوق
يشير بنك باركليز إلى أن السوق النفطية تمر بمرحلة تقلص هيكلي، تتمثل في انخفاض الطاقة الاحتياطية وتراجع المخزونات في بعض الاقتصادات الصناعية، إضافة إلى استمرار الطلب العالمي عند مستويات قوية نسبياً، مدفوعاً بنمو اقتصادي في آسيا والشرق الأوسط.
وفي السنوات التي أعقبت جائحة كورونا، ساهمت استثمارات محدودة في قطاع الاستكشاف والإنتاج في تقليص الفوائض. كما أن الالتزام النسبي بتخفيضات أوبك+ عزز من انضباط العرض. ونتيجة لذلك، أصبحت السوق أقل قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالفترات التي كانت فيها المخزونات مرتفعة والطاقة الاحتياطية مريحة.
هل تعود الأسعار للانخفاض؟
في المقابل، يظل السيناريو المعاكس قائماً. فإذا بقي التصعيد في حدود الضربات المحدودة، ولم تتطور ردود الفعل الإيرانية إلى تعطيل فعلي في الإمدادات، فقد تتراجع الأسعار بنحو 3 إلى 5 دولارات للبرميل، وفق تقديرات باركليز، مع تلاشي علاوة المخاطرة.
التاريخ الحديث يدعم هذا الاحتمال. فقد شهدت الأسواق خلال السنوات الماضية أحداثاً جيوسياسية حادة – من هجمات على منشآت نفطية إلى توترات بحرية – أدت إلى ارتفاعات مؤقتة سرعان ما تراجعت مع اتضاح محدودية التأثير الفعلي. غير أن الفرق هذه المرة يكمن في ضيق هوامش الأمان، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تطور مفاجئ.
قرار أوبك+ وتأثيره العالمي
يبقى اجتماع أوبك+ المرتقب محور الاهتمام. فقرار زيادة الإنتاج بوتيرة أكبر قد يهدف إلى تهدئة الأسواق ومنع ارتفاعات حادة، لكنه في الوقت ذاته قد يضغط على الأسعار إذا تبين لاحقاً أن التصعيد لم يؤثر فعلياً في الإمدادات. أما الإبقاء على الزيادات المتواضعة، فقد يُفسر على أنه رهان على استمرار علاوة المخاطرة ودعم الأسعار.
وتتجاوز تداعيات هذه القرارات حدود الدول المنتجة؛ إذ تؤثر مباشرة على معدلات التضخم في الاقتصادات المستهلكة، وعلى سياسات البنوك المركزية، وعلى تكاليف النقل والصناعة. وفي عالم يعاني أصلاً من توترات تجارية وتحديات مالية، يشكل أي ارتفاع حاد في أسعار النفط عاملاً إضافياً للضغط.
بين الجغرافيا السياسية واقتصاد الطاقة
في المحصلة، تقف سوق النفط عند مفترق طرق. فالتطورات العسكرية والسياسية قد تظل محدودة الأثر، فتعود الأسعار إلى مسارها السابق ضمن نطاق 70 دولاراً للبرميل. أو قد يتوسع التصعيد، ما يدفع برنت نحو 80 دولاراً وربما أعلى. وبين هذين السيناريوهين، تتحرك أوبك+ بحذر، مدركة أن قراراتها لا تؤثر فقط في عائدات أعضائها، بل في استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
وبينما تتجه الأنظار إلى نتائج الاجتماع وإلى مسار الأحداث في الخليج، تبقى الحقيقة الثابتة أن سوق النفط لم تعد تحكمها فقط معادلات العرض والطلب، بل أيضاً حسابات السياسة والجغرافيا والمخاطر غير المتوقعة. وفي ظل هذا التشابك، سيظل أي تطور ميداني – صغيراً كان أم كبيراً – قادراً على إعادة رسم خريطة الأسعار خلال ساعات.