تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بناء‭ ‬استراتيجية‭ ‬نمو‭ ‬متكاملة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بمنهج‭ ‬استباقي

ZT32

تبدأ‭ ‬أي‭ ‬رحلة‭ ‬نحو‭ ‬نمو‭ ‬مستدام‭ ‬بتحويل‭ ‬الرؤية‭ ‬المؤسسية‭ ‬والرسالة‭ ‬والقيم‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجيات‭ ‬واضحة‭ ‬تُوجّه‭ ‬عمل‭ ‬الشركة‭ ‬وتحدد‭ ‬أولوياتها‭ ‬التشغيلية‭. ‬فالصياغة‭ ‬الدقيقة‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬نظري،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬حيوية‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬القرارات‭ ‬المالية‭ ‬والإدارية‭ ‬والتشغيلية،‭ ‬وتحوّل‭ ‬الطموح‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بوعي‭ ‬واستباقية‭ ‬لضمان‭ ‬نجاح‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭.‬
بعد‭ ‬أن‭ ‬تتضح‭ ‬معالم‭ ‬رؤيتك‭ ‬المؤسسية،‭ ‬ورسالتك،‭ ‬وثقافة‭ ‬شركتك‭ ‬وهويتها،‭ ‬وتصبح‭ ‬أهدافك‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬محددة‭ ‬المعالم،‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬وضعت‭ ‬الأساس‭ ‬الحقيقي‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الأهم‭: ‬صياغة‭ ‬الاستراتيجيات‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬الأفكار‭ ‬مجرد‭ ‬عناوين‭ ‬عامة،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطط‭ ‬عمل‭ ‬واضحة‭ ‬توجه‭ ‬تشغيل‭ ‬الشركة‭ ‬وإدارتها‭ ‬وتضبط‭ ‬مسار‭ ‬أنشطتها‭ ‬اليومية‭.‬
الاستراتيجية‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬خيارًا‭ ‬نظريًا،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬حيوية‭ ‬ترسم‭ ‬الطريق‭ ‬الأقصر‭ ‬والأكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬تحديدها‭. ‬إنها‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬القرارات‭ ‬التشغيلية‭ ‬والمالية‭ ‬والإدارية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬واحد‭ ‬متكامل،‭ ‬ويحول‭ ‬الطموح‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭.‬

استراتيجية‭ ‬نمو‭ ‬الشركة

من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يقترن‭ ‬تأسيس‭ ‬أي‭ ‬شركة‭ ‬بطموح‭ ‬التوسع‭ ‬والنمو‭. ‬فالبقاء‭ ‬عند‭ ‬مستوى‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬أعمال‭ ‬سريعة‭ ‬التغير‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا‭ ‬واقعيًا‭. ‬الأسواق‭ ‬تنمو‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة،‭ ‬والتقنيات‭ ‬تتطور،‭ ‬والمنافسة‭ ‬تشتد،‭ ‬وتوقعات‭ ‬العملاء‭ ‬تتبدل‭ ‬باستمرار‭. ‬لذلك‭ ‬يصبح‭ ‬التخطيط‭ ‬للنمو‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭.‬
استراتيجية‭ ‬النمو‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬فقط‭ ‬زيادة‭ ‬حجم‭ ‬المبيعات‭ ‬أو‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬العملاء،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تشمل‭ ‬التوسع‭ ‬الجغرافي،‭ ‬وتنويع‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات،‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬استراتيجية،‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬تعزز‭ ‬الكفاءة‭ ‬والقدرة‭ ‬التنافسية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسارات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منسجمًا‭ ‬مع‭ ‬الرؤية‭ ‬والرسالة‭ ‬والقيم‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تبنيها،‭ ‬ومتوافقًا‭ ‬مع‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭.‬
وقبل‭ ‬اعتماد‭ ‬أي‭ ‬استراتيجية‭ ‬نمو،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬متطلباتها‭ ‬بدقة‭:‬
●‭ ‬هل‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬مهيأ‭ ‬للتوسع؟
●‭ ‬هل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬تمتلك‭ ‬المهارات‭ ‬اللازمة؟
●‭ ‬هل‭ ‬الوضع‭ ‬المالي‭ ‬يسمح‭ ‬بتحمل‭ ‬المخاطر‭ ‬المصاحبة‭ ‬للنمو؟

فالاستراتيجية،‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬واعدة،‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتوافر‭ ‬لها‭ ‬مقومات‭ ‬التنفيذ‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬نجاحها‭ ‬يرتبط‭ ‬بتوفير‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬وضوحها‭ ‬لجميع‭ ‬العاملين،‭ ‬وفهمهم‭ ‬لما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ ‬تغييرات‭ ‬ومتطلبات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تهيئة‭ ‬الأنظمة‭ ‬والسياسات‭ ‬والأدوات‭ ‬الداعمة‭ ‬لها‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬اعتماد‭ ‬استراتيجية‭ ‬نمو‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الجمود‭ ‬عليها‭. ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬مراقبة‭ ‬مستمرة‭ ‬لنتائج‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وقياس‭ ‬الأداء‭ ‬وفق‭ ‬مؤشرات‭ ‬محددة،‭ ‬وتقييم‭ ‬مدى‭ ‬التقدم‭ ‬نحو‭ ‬الأهداف‭. ‬وعلى‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬النتائج،‭ ‬تتخذ‭ ‬الإدارة‭ ‬قراراتها‭ ‬إما‭ ‬بالاستمرار،‭ ‬أو‭ ‬بالتعديل،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بإلغاء‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬واستبدالها‭ ‬بأخرى‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬وجود‭ ‬سياسات‭ ‬عمل‭ ‬واضحة‭ ‬تحكم‭ ‬دورة‭ ‬حياة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬منذ‭ ‬اعتمادها‭ ‬وحتى‭ ‬مراجعتها‭.‬
اليقظة‭ ‬طريق‭ ‬التميز

في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬الفرص‭ ‬لا‭ ‬تعلن‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬دائمًا،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عين‭ ‬يقظة‭ ‬وعقل‭ ‬منفتح‭ ‬يلتقط‭ ‬الإشارات‭ ‬مبكرًا‭. ‬لذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬جاهزية‭ ‬دائمة‭ ‬لاستكشاف‭ ‬الفرص‭ ‬الاستثمارية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنقلها‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الأداء‭ ‬والمكانة‭ ‬السوقية‭.‬
المنطلق‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الإيمان‭ ‬بأن‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬–‭ ‬محليًا‭ ‬وعالميًا‭ ‬–‭ ‬تزخر‭ ‬بالفرص‭ ‬والموارد‭ ‬والمعرفة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬تتطلب‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬الفعال‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العوالم‭ ‬الثلاثة‭:‬
●‭ ‬فرص‭ ‬يمكن‭ ‬اقتناصها
●‭ ‬موارد‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها
●‭ ‬معرفة‭ ‬يمكن‭ ‬اكتسابها‭ ‬أو‭ ‬تطويرها‭.‬

كثير‭ ‬من‭ ‬الفرص‭ ‬تضيع‭ ‬لا‭ ‬لندرتها،‭ ‬بل‭ ‬لغياب‭ ‬الجرأة‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬المبادرة‭ ‬أو‭ ‬ضيق‭ ‬الأفق‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الشركة‭ ‬الذكية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬قنوات‭ ‬التواصل‭ ‬الداخلي،‭ ‬وتشجع‭ ‬موظفيها‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬أفكارهم‭ ‬ومبادراتهم،‭ ‬وتمنحهم‭ ‬مساحة‭ ‬للإبداع‭ ‬والابتكار‭. ‬فقد‭ ‬تحمل‭ ‬فكرة‭ ‬بسيطة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الموظفين‭ ‬مشروعًا‭ ‬استثماريًا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الشركة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬سياسة‭ ‬واضحة‭ ‬لاحتضان‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشاريع‭ ‬المبتكرة‭ ‬يعزز‭ ‬صورة‭ ‬الشركة‭ ‬لدى‭ ‬رواد‭ ‬الأعمال‭ ‬والمستثمرين‭. ‬فحين‭ ‬تُعرف‭ ‬المؤسسة‭ ‬بانفتاحها‭ ‬على‭ ‬الإبداع،‭ ‬تصبح‭ ‬بيئة‭ ‬جاذبة‭ ‬للشراكات‭ ‬والتمويل،‭ ‬وقد‭ ‬يتقدم‭ ‬مستثمرون‭ ‬لدعم‭ ‬مشاريعها‭ ‬الطموحة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الفرص‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الاندفاع‭ ‬غير‭ ‬المحسوب‭. ‬فقبل‭ ‬استقبال‭ ‬أي‭ ‬مبادرة‭ ‬استثمارية،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬البيئة‭ ‬الداخلية‭ ‬مهيأة‭ ‬لذلك‭: ‬بيئة‭ ‬مرنة،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬التطوير،‭ ‬ومدعومة‭ ‬بسياسات‭ ‬مالية‭ ‬واضحة‭ ‬تحدد‭ ‬معايير‭ ‬القبول‭ ‬والرفض‭ ‬والتأجيل‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬رصد‭ ‬الميزانيات‭ ‬المناسبة‭ ‬للمبادرات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬يعكس‭ ‬جدية‭ ‬التوجه‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬ويمنح‭ ‬الإدارة‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مدروسة‭. ‬فالأهداف‭ ‬الاستثمارية‭ ‬المحددة‭ ‬مسبقًا‭ ‬تصبح‭ ‬بمثابة‭ ‬بوصلة‭ ‬توجه‭ ‬قرارات‭ ‬الشركة،‭ ‬وتساعدها‭ ‬على‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬الفرص‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬تتسق‭ ‬مع‭ ‬رؤيتها‭ ‬العامة‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬فإن‭ ‬صياغة‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬سواء‭ ‬للنمو‭ ‬أو‭ ‬للاستثمار‭ ‬ليست‭ ‬خطوة‭ ‬إجرائية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬مستمرة‭ ‬تعكس‭ ‬نضج‭ ‬المؤسسة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬طموحاتها‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬عملي‭. ‬وبين‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية،‭ ‬وانضباط‭ ‬التنفيذ،‭ ‬ويقظة‭ ‬الفرص،‭ ‬تتشكل‭ ‬ملامح‭ ‬شركة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والاستدامة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬أعمال‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الثبات‭.‬

إدارة‭ ‬المبادرات

حين‭ ‬تبدأ‭ ‬الأفكار‭ ‬والمبادرات‭ ‬بالتدفق‭ ‬إلى‭ ‬شركتك،‭ ‬لا‭ ‬تتركها‭ ‬مبعثرة‭ ‬أو‭ ‬رهينة‭ ‬الانطباعات‭ ‬الشخصية‭. ‬بادر‭ ‬بجمعها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬منظم،‭ ‬وصنّفها‭ ‬وفق‭ ‬أولويات‭ ‬واضحة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬قدراتك‭ ‬المالية،‭ ‬وطاقة‭ ‬شركتك‭ ‬التشغيلية،‭ ‬ومدى‭ ‬انسجام‭ ‬كل‭ ‬مبادرة‭ ‬مع‭ ‬توجهاتك‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فليست‭ ‬كل‭ ‬فكرة‭ ‬لامعة‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬وليست‭ ‬كل‭ ‬فرصة‭ ‬مناسبة‭ ‬لمرحلتك‭ ‬الحالية‭.‬
بعد‭ ‬الفرز‭ ‬الأولي،‭ ‬أحِل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬إلى‭ ‬فريقك‭ ‬المالي‭ ‬والإداري‭ ‬لإجراء‭ ‬تقييم‭ ‬مهني‭ ‬شامل‭. ‬دعهم‭ ‬يدرسون‭ ‬الأبعاد‭ ‬المالية،‭ ‬والانعكاسات‭ ‬التشغيلية،‭ ‬والتحديات‭ ‬التنظيمية،‭ ‬ومدى‭ ‬توافق‭ ‬المشروع‭ ‬مع‭ ‬الخطط‭ ‬القائمة‭. ‬وانتظر‭ ‬نتائج‭ ‬تحليلهم‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬أرقام‭ ‬وبيانات،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬توقعات‭ ‬أو‭ ‬حماس‭ ‬عابر‭.‬
وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬احرص‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬المبادرات‭. ‬لا‭ ‬تجعلهم‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬أفكارهم‭ ‬وُضعت‭ ‬في‭ ‬الأدراج‭. ‬فهؤلاء‭ ‬يمثلون‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬لشركتك،‭ ‬وهم‭ ‬مصدر‭ ‬للأفكار‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تمنح‭ ‬مؤسستك‭ ‬بريقًا‭ ‬وسمعة‭ ‬متميزة‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬اعتبر‭ ‬ما‭ ‬قدموه‭ ‬مساهمة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬أعمالك،‭ ‬وتعامل‭ ‬معها‭ ‬بروح‭ ‬الشراكة‭ ‬والاحترام،‭ ‬مع‭ ‬حفظ‭ ‬حقوقهم‭ ‬الفكرية‭ ‬والمادية‭ ‬بوضوح‭ ‬وشفافية‭. ‬فحين‭ ‬يشعر‭ ‬المبادرون‭ ‬بالتقدير‭ ‬والإنصاف،‭ ‬يتحولون‭ ‬إلى‭ ‬شركاء‭ ‬أوفياء‭ ‬وداعمين‭ ‬دائمين‭ ‬لمسيرة‭ ‬الشركة‭.‬

تقييم‭ ‬الفرص‭ ‬الاستثمارية

من‭ ‬الخطأ‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬فكرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬تلقائيًا‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬استثمارية‭ ‬ناجحة‭. ‬فواقع‭ ‬الأعمال‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬هناك‭ ‬مبادرات‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬جذابة‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الجدوى‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وأخرى‭ ‬قد‭ ‬تصطدم‭ ‬بعوائق‭ ‬تقنية،‭ ‬أو‭ ‬قيود‭ ‬تشريعية،‭ ‬أو‭ ‬تعارض‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬نشاط‭ ‬الشركة‭ ‬وأهدافها‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬فرصة‭ ‬جيدة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬أولويات‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشتيت‭ ‬الجهود‭ ‬وإبطاء‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬مجالك‭ ‬الأساسي‭.‬
لهذا،‭ ‬يصبح‭ ‬التقييم‭ ‬الموضوعي‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬خيارًا‭. ‬ويبدأ‭ ‬هذا‭ ‬التقييم‭ ‬بجمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الدقيقة‭ ‬حول‭ ‬المبادرة‭ ‬أو‭ ‬المشروع‭ ‬المقترح‭: ‬طبيعة‭ ‬الفكرة،‭ ‬السوق‭ ‬المستهدف،‭ ‬حجم‭ ‬الطلب‭ ‬المتوقع،‭ ‬المنافسون‭ ‬الحاليون،‭ ‬البيئة‭ ‬القانونية،‭ ‬والتحديات‭ ‬المحتملة‭. ‬ثم‭ ‬يُصار‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬دراسة‭ ‬جدوى‭ ‬مفصلة،‭ ‬يعدّها‭ ‬فريق‭ ‬متخصص‭ ‬من‭ ‬موظفيك‭ ‬أو‭ ‬مستشاريك‭.‬
دراسة‭ ‬الجدوى‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التكاليف‭ ‬والعوائد،‭ ‬بل‭ ‬تقدم‭ ‬تعريفًا‭ ‬متكاملًا‭ ‬بالمشروع،‭ ‬وتوضح‭ ‬أهميته‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وهوية‭ ‬الجهة‭ ‬المقدمة‭ ‬له،‭ ‬وآليات‭ ‬التنفيذ،‭ ‬والموارد‭ ‬المطلوبة‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬وكفاءات‭ ‬ومعرفة‭ ‬تقنية‭. ‬كما‭ ‬ترصد‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة،‭ ‬وتقيس‭ ‬مستوى‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحققها‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستثمار‭ ‬فيه،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقدير‭ ‬العائد‭ ‬المتوقع‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬والمتوسط‭ ‬والبعيد‭.‬
ومن‭ ‬العناصر‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬إجراء‭ ‬مقارنة‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬المشروع‭ ‬المقترح‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭ ‬فعليًا‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬منتجات‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬مشابهة‭. ‬فهذه‭ ‬المقارنة‭ ‬تكشف‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬والضعف،‭ ‬وتوضح‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المبادرة‭ ‬تقدم‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬حقيقية،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬تكرار‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭.‬
وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬يبقى‭ ‬القرار‭ ‬بيد‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا،‭ ‬لكنه‭ ‬قرار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬حقائق‭ ‬وتحليلات‭ ‬معمقة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬حدس‭ ‬أو‭ ‬اندفاع‭. ‬فالاستثمار‭ ‬يعني‭ ‬تخصيص‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬وبشرية‭ ‬ووقت‭ ‬وجهد،‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬المنطقي‭ ‬المخاطرة‭ ‬بها‭ ‬دون‭ ‬بحث‭ ‬مستفيض‭ ‬وتحليل‭ ‬علمي‭ ‬رصين‭.‬
بهذه‭ ‬المنهجية‭ ‬المتوازنة‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الأفكار‭ ‬والانضباط‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬–‭ ‬تستطيع‭ ‬الشركة‭ ‬أن‭ ‬تقتنص‭ ‬الفرص‭ ‬المناسبة،‭ ‬وتتجنب‭ ‬المغامرات‭ ‬غير‭ ‬المحسوبة،‭ ‬وتبني‭ ‬مسارًا‭ ‬استثماريًا‭ ‬يعزز‭ ‬نموها‭ ‬واستدامتها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬القرارات‭ ‬العشوائية‭.‬

نتائج‭ ‬الدراسات‭ ‬وحكمة‭ ‬القيادة

مهما‭ ‬بلغت‭ ‬دقة‭ ‬الدراسات،‭ ‬ومهما‭ ‬بدت‭ ‬نتائجها‭ ‬مشجعة،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تُعفي‭ ‬الإدارة‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬النهائي‭. ‬فالدراسة‭ ‬أداة‭ ‬إرشاد،‭ ‬وليست‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الرؤية‭ ‬القيادية‭. ‬والقرار‭ ‬الاستثماري،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العامة‭ ‬للشركة،‭ ‬وأن‭ ‬يعكس‭ ‬رسالتها‭ ‬وقيمها‭ ‬وأهدافها‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭.‬
لذلك،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المؤشرات‭ ‬المالية‭ ‬إيجابية‭ ‬أو‭ ‬التوقعات‭ ‬السوقية‭ ‬واعدة؛‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الصورة‭ ‬الكلية‭: ‬هل‭ ‬يخدم‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬توجهات‭ ‬الشركة‭ ‬المستقبلية؟‭ ‬هل‭ ‬يعزز‭ ‬مكانتها‭ ‬التنافسية؟‭ ‬هل‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬هويتها‭ ‬المؤسسية؟‭ ‬هنا‭ ‬يتجلى‭ ‬دور‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬المعطيات‭ ‬الفنية‭ ‬والتحليلية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والبوصلة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الحذر‭ ‬مطلوب‭ ‬قبل‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬التزام‭ ‬استثماري،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يتطلب‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬وبشرية‭ ‬كبيرة‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬لا‭ ‬يُتخذ‭ ‬القرار‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬استكمال‭ ‬حلقة‭ ‬التحليل‭ ‬عبر‭ ‬فريق‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر،‭ ‬يتولى‭ ‬استكمال‭ ‬ما‭ ‬بدأه‭ ‬فريق‭ ‬دراسة‭ ‬الجدوى،‭ ‬ويقدم‭ ‬رؤية‭ ‬موازية‭ ‬تُعنى‭ ‬بالجانب‭ ‬الوقائي‭ ‬والاستباقي‭.‬

رجوع لأعلى