تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بناء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بيئة‭ ‬حاضنة‭ ‬لتمكين‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة

DS35

في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬تتجه‭ ‬الأنظار‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬بوصفها‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الحلول‭ ‬المطروحة‭ ‬لمواجهة‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة،‭ ‬وتراجع‭ ‬الإيرادات‭ ‬العامة،‭ ‬أو‭ ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬لتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬وتقليص‭ ‬مستويات‭ ‬الفقر‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات،‭ ‬تعلن‭ ‬الدول‭ ‬عن‭ ‬إجراءات‭ ‬عاجلة‭ ‬لدعم‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تسهيلات‭ ‬تمويلية‭ ‬يقدمها‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬للمصارف،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬حزم‭ ‬تحفيزية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬تأسيس‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭.‬
ولا‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬تؤديه‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وخلق‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬وتعزيز‭ ‬معدلات‭ ‬النمو،‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬عاملًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة‭ ‬ومستدامة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الجدل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتركز‭ ‬على‭ ‬الشروط‭ ‬اللازمة‭ ‬لضمان‭ ‬نجاحها‭ ‬واستمراريتها‭.‬
فالمشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬لا‭ ‬تنشأ‭ ‬بقرار‭ ‬سياسي‭ ‬سريع،‭ ‬ولا‭ ‬يضمن‭ ‬لها‭ ‬التمويل‭ ‬وحده‭ ‬عبور‭ ‬طريق‭ ‬النجاح‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬القروض،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬مغامرات‭ ‬استثمارية‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬الاستدامة،‭ ‬لتنتهي‭ ‬بفشل‭ ‬المشروع‭ ‬وتعثر‭ ‬السداد‭ ‬وإهدار‭ ‬الموارد‭. ‬وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬الإجراءات‭ ‬العاجلة‭ ‬التي‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬إعفاءات‭ ‬جمركية‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬للمواد‭ ‬الأولية‭ ‬أو‭ ‬تسريع‭ ‬المعاملات،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬متكاملة‭.‬
وتشير‭ ‬التجارب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬تحتاج،‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬فاعلة‭ ‬ومؤثرة،‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬حاضنة‭ ‬شاملة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬استراتيجيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واضحة‭ ‬تضع‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬أولوياتها،‭ ‬مرورًا‭ ‬بسياسات‭ ‬داعمة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬والمتابعة،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬للتسويق‭ ‬المحلي‭ ‬والخارجي‭ ‬وخدمات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬البيع،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬
ويُعد‭ ‬تبني‭ ‬السياسات‭ ‬المجتزأة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الأخطاء‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬غياب‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬متناقضة‭ ‬تُفرغ‭ ‬الأهداف‭ ‬المعلنة‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭. ‬فنجاح‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بإجراءات‭ ‬منفردة،‭ ‬بل‭ ‬بحزمة‭ ‬متناسقة‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد،‭ ‬وتدعم‭ ‬بعضها‭ ‬بعضًا‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬اقتصادي‭ ‬شامل‭ ‬ومستدام‭.‬

ملامح‭ ‬البيئة‭ ‬الحاضنة‭ ‬لنجاح‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬نجاح‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬واستدامتها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬الإطار‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬ظله‭. ‬فبناء‭ ‬بيئة‭ ‬حاضنة‭ ‬فعّالة‭ ‬يتطلب‭ ‬تبني‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬كأولوية‭ ‬ضمن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وترجمة‭ ‬هذه‭ ‬الأولوية‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬سياسات‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬الجوانب‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬والتجارية‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬انسجام‭ ‬الأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وعدم‭ ‬تعارض‭ ‬نتائجها‭. ‬فالدعم‭ ‬التمويلي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يفقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أثره‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يواكبه‭ ‬إطار‭ ‬تجاري‭ ‬داعم‭ ‬وقدرة‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬كأحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬الأساسية‭ ‬لنجاح‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬تدريب‭ ‬إلزامية‭ ‬تُنظم‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬متخصصة،‭ ‬تستهدف‭ ‬خصوصًا‭ ‬فئة‭ ‬الشباب،‭ ‬وتركز‭ ‬على‭ ‬مهارات‭ ‬اختيار‭ ‬الفكرة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬القابلة‭ ‬للنجاح،‭ ‬وأساليب‭ ‬الإدارة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وآليات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬التشغيلية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المشاريع‭ ‬في‭ ‬مراحلها‭ ‬الأولى‭.‬
كما‭ ‬تتطلب‭ ‬البيئة‭ ‬الحاضنة‭ ‬وجود‭ ‬مظلة‭ ‬مؤسسية‭ ‬دائمة‭ ‬تتولى‭ ‬تنسيق‭ ‬الجهود‭ ‬ومتابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬السياسات‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تتمثل‭ ‬هذه‭ ‬المظلة‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬وطنية‭ ‬تضم‭ ‬الجهات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬من‭ ‬وزارات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬وتجارية‭ ‬وصناعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المصرفية،‭ ‬بهدف‭ ‬رصد‭ ‬المعوقات‭ ‬واقتراح‭ ‬الحلول‭ ‬وضمان‭ ‬تكامل‭ ‬الأدوار‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭.‬
وتؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬أنشطة‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬وبقية‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬الصناعية‭ ‬منها‭ ‬والزراعية‭ ‬والتجارية،‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عوامل‭ ‬الاستدامة‭ ‬والنجاح‭. ‬فربط‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬بسلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الوطنية‭ ‬يوسع‭ ‬فرصها‭ ‬في‭ ‬النمو،‭ ‬ويعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬التقلبات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ولا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أهمية‭ ‬دعم‭ ‬توجه‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬نحو‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬عبر‭ ‬اتفاقات‭ ‬وشراكات‭ ‬مسبقة‭ ‬تفتح‭ ‬لها‭ ‬أبواب‭ ‬التصدير،‭ ‬وتمنحها‭ ‬فرصة‭ ‬المنافسة‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬المحلية،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬كفاءتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويعزز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬
وفي‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الأسس‭ ‬المتكاملة،‭ ‬تظل‭ ‬محاولات‭ ‬دعم‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬محدود‭ ‬التأثير،‭ ‬وتواجه‭ ‬خطر‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬مبادرات‭ ‬مؤقتة‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوة‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬يشكل‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬اعتماده‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬والنامية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬وتبرز‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬مثالًا‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬تحديات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬معقدة،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬أهمية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬الناجحة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الممارسات‭ ‬المؤسسية‭.‬
وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬تتعلق‭ ‬بطبيعة‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات،‭ ‬والعقبات‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬مسيرتها،‭ ‬والآليات‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬الدول‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬صياغة‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬حقيقية‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭.‬

ملامح‭ ‬البيئة‭ ‬الحاضنة‭ ‬لنجاح‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة

لا‭ ‬يمكن‭ ‬تناول‭ ‬نجاح‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬واستدامتها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الإطار‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬ضمنه‭. ‬فبناء‭ ‬بيئة‭ ‬حاضنة‭ ‬فعّالة‭ ‬يبدأ‭ ‬بتبني‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬كأولوية‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وترجمة‭ ‬هذه‭ ‬الأولوية‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬سياسات‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬الجوانب‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬والتجارية‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬انسجام‭ ‬الأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتكامل‭ ‬آثارها‭. ‬فالدعم‭ ‬التمويلي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يفقد‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬فاعليته‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يقترن‭ ‬بإطار‭ ‬تجاري‭ ‬داعم‭ ‬وقدرة‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬كأحد‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬لنجاح‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬تدريب‭ ‬إلزامية‭ ‬تُنظم‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬متخصصة،‭ ‬وتستهدف‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاص‭ ‬فئة‭ ‬الشباب،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مهارات‭ ‬اختيار‭ ‬الفكرة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬القابلة‭ ‬للنمو،‭ ‬وأساليب‭ ‬الإدارة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وآليات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬التشغيلية‭ ‬والمالية‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬للتأسيس‭.‬
كما‭ ‬تتطلب‭ ‬البيئة‭ ‬الحاضنة‭ ‬وجود‭ ‬مظلة‭ ‬مؤسسية‭ ‬دائمة‭ ‬تتولى‭ ‬تنسيق‭ ‬الجهود‭ ‬ومتابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬السياسات‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تتجسد‭ ‬هذه‭ ‬المظلة‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬وطنية‭ ‬تضم‭ ‬الجهات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬من‭ ‬وزارات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمالية‭ ‬والتجارة‭ ‬والصناعة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المصرفية،‭ ‬بهدف‭ ‬رصد‭ ‬المعوقات‭ ‬واقتراح‭ ‬الحلول‭ ‬وضمان‭ ‬تكامل‭ ‬الأدوار‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭.‬
وتؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬أنشطة‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬وبقية‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬الصناعية‭ ‬منها‭ ‬والزراعية‭ ‬والتجارية،‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬عوامل‭ ‬الاستدامة‭ ‬والنجاح‭. ‬فربط‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬بسلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الوطنية‭ ‬يوسّع‭ ‬آفاق‭ ‬النمو،‭ ‬ويعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التقلبات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ولا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أهمية‭ ‬دعم‭ ‬توجه‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬نحو‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬عبر‭ ‬شراكات‭ ‬واتفاقات‭ ‬مسبقة‭ ‬تفتح‭ ‬لها‭ ‬قنوات‭ ‬التصدير،‭ ‬وتمنحها‭ ‬فرص‭ ‬المنافسة‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬المحلية،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬كفاءتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويعزز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬
وفي‭ ‬حال‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الأسس‭ ‬المتكاملة،‭ ‬تظل‭ ‬محاولات‭ ‬دعم‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬محدودة‭ ‬الأثر،‭ ‬ومعرضة‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬مبادرات‭ ‬مؤقتة‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬يشكل‭ ‬نحو‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬اعتماده‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬والنامية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬وتبرز‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬نموذجًا‭ ‬للدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬تحديات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬معقدة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬أهمية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬الناجحة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬والممارسات‭ ‬المؤسسية‭.‬
وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬تتعلق‭ ‬بطبيعة‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات،‭ ‬والعقبات‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬مسيرتها،‭ ‬والآليات‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬الدول‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬صياغة‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬حقيقية‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭.‬

رجوع لأعلى