بناء الاقتصاد من خلال بيئة حاضنة لتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة
في أوقات الأزمات الاقتصادية، تتجه الأنظار سريعًا إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة بوصفها أحد أبرز الحلول المطروحة لمواجهة ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الإيرادات العامة، أو الضغوط التي تفرضها المؤسسات الدولية لتنويع مصادر الدخل وتقليص مستويات الفقر. وفي مثل هذه اللحظات، تعلن الدول عن إجراءات عاجلة لدعم هذا القطاع، سواء عبر تسهيلات تمويلية يقدمها البنك المركزي للمصارف، أو عبر حزم تحفيزية تهدف إلى توسيع قاعدة تأسيس هذه المشروعات.
ولا خلاف على الدور المحوري الذي تؤديه المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتعزيز معدلات النمو، إذ تشكل ركيزة أساسية في اقتصادات الدول المتقدمة، كما كانت عاملًا حاسمًا في نجاح عدد من الدول النامية التي حققت معدلات نمو مرتفعة ومستدامة. غير أن الجدل الحقيقي لا يدور حول أهمية هذه المشروعات بقدر ما يتركز على الشروط اللازمة لضمان نجاحها واستمراريتها.
فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تنشأ بقرار سياسي سريع، ولا يضمن لها التمويل وحده عبور طريق النجاح. بل إن الاعتماد المفرط على القروض، كما أظهرت تجارب في بعض الدول، قد يدفع إلى مغامرات استثمارية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستدامة، لتنتهي بفشل المشروع وتعثر السداد وإهدار الموارد. وينطبق الأمر ذاته على الإجراءات العاجلة التي تقتصر على إعفاءات جمركية أو دعم للمواد الأولية أو تسريع المعاملات، من دون أن تكون جزءًا من رؤية اقتصادية متكاملة.
وتشير التجارب إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحتاج، لكي تكون فاعلة ومؤثرة، إلى بيئة حاضنة شاملة تبدأ من استراتيجيات اقتصادية واضحة تضع هذا القطاع في صدارة أولوياتها، مرورًا بسياسات داعمة للتنفيذ والمتابعة، وصولًا إلى منظومة متكاملة للتسويق المحلي والخارجي وخدمات ما بعد البيع، بما يضمن قدرتها على المنافسة والاستمرار في الأسواق.
ويُعد تبني السياسات المجتزأة من أخطر الأخطاء الشائعة في العديد من الدول النامية، إذ يؤدي غياب التكامل بين الأدوات الاقتصادية إلى نتائج متناقضة تُفرغ الأهداف المعلنة من مضمونها. فنجاح هذا القطاع لا يتحقق بإجراءات منفردة، بل بحزمة متناسقة من السياسات التي تعمل في اتجاه واحد، وتدعم بعضها بعضًا ضمن إطار اقتصادي شامل ومستدام.
ملامح البيئة الحاضنة لنجاح المشروعات الصغيرة والمتوسطة
لا يمكن الحديث عن نجاح المشروعات الصغيرة والمتوسطة واستدامتها من دون التوقف عند الإطار العام الذي تعمل في ظله. فبناء بيئة حاضنة فعّالة يتطلب تبني هذا القطاع كأولوية ضمن الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية، وترجمة هذه الأولوية إلى منظومة سياسات متكاملة تشمل الجوانب المالية والنقدية والتجارية والإنتاجية، بما يضمن انسجام الأدوات الاقتصادية وعدم تعارض نتائجها. فالدعم التمويلي، على سبيل المثال، يفقد الكثير من أثره إذا لم يواكبه إطار تجاري داعم وقدرة حقيقية على النفاذ إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، يبرز الاستثمار في رأس المال البشري كأحد الأعمدة الأساسية لنجاح هذه المشروعات، من خلال برامج تدريب إلزامية تُنظم بالتعاون مع مؤسسات إقليمية ودولية متخصصة، تستهدف خصوصًا فئة الشباب، وتركز على مهارات اختيار الفكرة الاستثمارية القابلة للنجاح، وأساليب الإدارة الحديثة، وآليات التعامل مع التحديات التشغيلية والمالية التي تواجه المشاريع في مراحلها الأولى.
كما تتطلب البيئة الحاضنة وجود مظلة مؤسسية دائمة تتولى تنسيق الجهود ومتابعة تنفيذ السياسات. ويمكن أن تتمثل هذه المظلة في هيئة وطنية تضم الجهات ذات الصلة، من وزارات اقتصادية ومالية وتجارية وصناعية، إلى جانب البنك المركزي والمؤسسات المصرفية، بهدف رصد المعوقات واقتراح الحلول وضمان تكامل الأدوار بين مختلف الأطراف المعنية.
وتؤكد التجارب الدولية أن التكامل بين أنشطة المشروعات الصغيرة والمتوسطة وبقية القطاعات الإنتاجية، الصناعية منها والزراعية والتجارية، يشكل أحد أهم عوامل الاستدامة والنجاح. فربط هذه المشروعات بسلاسل القيمة الوطنية يوسع فرصها في النمو، ويعزز قدرتها على الصمود في وجه التقلبات الاقتصادية.
ولا يقل عن ذلك أهمية دعم توجه بعض هذه المشروعات نحو الأسواق الخارجية، عبر اتفاقات وشراكات مسبقة تفتح لها أبواب التصدير، وتمنحها فرصة المنافسة خارج الحدود المحلية، بما يرفع من كفاءتها الإنتاجية ويعزز حضورها في الأسواق الإقليمية والدولية.
وفي غياب هذه الأسس المتكاملة، تظل محاولات دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في العديد من الدول النامية تدور في إطار محدود التأثير، وتواجه خطر التحول إلى مبادرات مؤقتة لا تحقق الأهداف المرجوة منها على المدى الطويل.
وتشير البيانات العالمية إلى أن هذا القطاع يشكل ما يقرب من 90% من النشاط الاقتصادي على مستوى العالم، ما يفسر اعتماده كأحد أهم أدوات التنمية الاقتصادية في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. وتبرز تجارب دول مثل الهند مثالًا على الدور المحوري الذي لعبته هذه المشروعات في معالجة تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، ما يعزز أهمية الاستفادة من النماذج الناجحة، سواء على مستوى السياسات العامة أو الممارسات المؤسسية.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى طرح أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة هذه المشروعات، والعقبات التي تعترض مسيرتها، والآليات التي اعتمدتها الدول لتجاوز هذه التحديات، بما يفتح المجال أمام صياغة سياسات أكثر فاعلية وقدرة على تحويل هذا القطاع إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي المستدام.
ملامح البيئة الحاضنة لنجاح المشروعات الصغيرة والمتوسطة
لا يمكن تناول نجاح المشروعات الصغيرة والمتوسطة واستدامتها بمعزل عن الإطار العام الذي تعمل ضمنه. فبناء بيئة حاضنة فعّالة يبدأ بتبني هذا القطاع كأولوية في الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية، وترجمة هذه الأولوية إلى منظومة سياسات متكاملة تشمل الجوانب المالية والنقدية والتجارية والإنتاجية، بما يضمن انسجام الأدوات الاقتصادية وتكامل آثارها. فالدعم التمويلي، على سبيل المثال، يفقد جزءًا كبيرًا من فاعليته إذا لم يقترن بإطار تجاري داعم وقدرة حقيقية على النفاذ إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، يبرز الاستثمار في رأس المال البشري كأحد الركائز الأساسية لنجاح هذه المشروعات، من خلال برامج تدريب إلزامية تُنظم بالتعاون مع مؤسسات إقليمية ودولية متخصصة، وتستهدف على نحو خاص فئة الشباب، مع التركيز على مهارات اختيار الفكرة الاستثمارية القابلة للنمو، وأساليب الإدارة الحديثة، وآليات التعامل مع التحديات التشغيلية والمالية في المراحل الأولى للتأسيس.
كما تتطلب البيئة الحاضنة وجود مظلة مؤسسية دائمة تتولى تنسيق الجهود ومتابعة تنفيذ السياسات. ويمكن أن تتجسد هذه المظلة في هيئة وطنية تضم الجهات ذات الصلة، من وزارات الاقتصاد والمالية والتجارة والصناعة، إلى جانب البنك المركزي والمؤسسات المصرفية، بهدف رصد المعوقات واقتراح الحلول وضمان تكامل الأدوار بين مختلف الأطراف المعنية.
وتؤكد التجارب الدولية أن التكامل بين أنشطة المشروعات الصغيرة والمتوسطة وبقية القطاعات الإنتاجية، الصناعية منها والزراعية والتجارية، يمثل أحد أبرز عوامل الاستدامة والنجاح. فربط هذه المشروعات بسلاسل القيمة الوطنية يوسّع آفاق النمو، ويعزز قدرتها على الصمود في مواجهة التقلبات الاقتصادية.
ولا يقل عن ذلك أهمية دعم توجه بعض هذه المشروعات نحو الأسواق الخارجية، عبر شراكات واتفاقات مسبقة تفتح لها قنوات التصدير، وتمنحها فرص المنافسة خارج الحدود المحلية، بما يرفع من كفاءتها الإنتاجية ويعزز حضورها في الأسواق الإقليمية والدولية.
وفي حال غياب هذه الأسس المتكاملة، تظل محاولات دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في العديد من الدول النامية محدودة الأثر، ومعرضة للتحول إلى مبادرات مؤقتة لا تحقق الأهداف المرجوة على المدى الطويل.
وتشير البيانات العالمية إلى أن هذا القطاع يشكل نحو 90% من النشاط الاقتصادي على مستوى العالم، ما يفسر اعتماده كأحد أهم أدوات التنمية الاقتصادية في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. وتبرز تجارب دول مثل الهند نموذجًا للدور المحوري الذي لعبته هذه المشروعات في معالجة تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، بما يعزز أهمية الاستفادة من النماذج الناجحة على مستوى السياسات العامة والممارسات المؤسسية.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى طرح أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة هذه المشروعات، والعقبات التي تعترض مسيرتها، والآليات التي اعتمدتها الدول لتجاوز هذه التحديات، بما يفتح المجال أمام صياغة سياسات أكثر فاعلية، وقادرة على تحويل هذا القطاع إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي المستدام.