بناء العائد المستدام في الأسواق المالية بين الفرص والمخاطر
كما أشرنا في الجزء السابق، فإن القيمة الحقيقية للأسهم، بعد احتساب أثر التضخم، تميل إلى التضاعف تقريباً كل عقد من الزمن. ويُعد هذا العائد مقبولاً في حد ذاته، بل يتفوق في أهميته على كثير من البدائل الاستثمارية الأخرى، خاصة إذا ما قورن بمتوسط الأداء الذي تحققه صناديق المؤشرات العريضة، والتي غالبًا ما تتفوق على معظم الصناديق المدارة عند قياس النتائج على مدى زمني طويل يمتد لعشر سنوات أو أكثر.
وخلال فترة تمتد لعقد كامل، حققت الصناديق المرتبطة بمؤشر S&P 500 عوائد تفوقت على نحو 85 في المائة من الصناديق المدارة بفعالية. ومع تمديد الأفق الزمني إلى عشرين عاماً، ارتفعت هذه النسبة لتتجاوز 98 في المائة من الصناديق المشتركة المدارة، ما يجعل احتمالات اختيار صندوق مُدار يحقق أداءً يفوق متوسط السوق على المدى الطويل ضئيلة للغاية.
ولتوضيح الصورة بالأرقام، يمكن افتراض أن مستثمراً وضع في مطلع عام 1969 مبلغ 10 آلاف دولار في صندوق يعكس أداء مؤشر S&P 500، بينما استثمر صديق له المبلغ نفسه في صندوق مُدار يحقق متوسط عوائد الصناديق المدارة. وبحلول 30 يونيو 1998، يكون المستثمر الأول قد راكم نحو 311 ألف دولار، مقابل ما يقارب 171 ألفًا و950 دولارًا فقط لصديقه، وهي أرقام معدلة لتعكس الفروق في رسوم الإدارة التي كانت أقل بكثير في حالة صندوق المؤشر.
لكن ماذا لو اختار الصديق، بدلًا من ذلك، صندوقًا حقق أداءً استثنائيًا في عام 1969؟ في تلك الحالة، كان يمكن أن يقع اختياره على صندوق «ميتس إنفستمنت فاند»، الذي منحه عائداً قوياً لكنه مؤقت، ووفّر له أفضلية أولية سرعان ما تلاشت. فحتى مع حسن الحظ واختيار الصندوق الأفضل أداءً في عام معين، يبقى من غير المرجح أن يحافظ على موقعه المتقدم في السنوات اللاحقة.
ويظهر هذا بوضوح في مسار الصندوق ذاته، إذ تراجع في عام 1970 من الصدارة إلى المرتبة 424، ثم هبط إلى المركز 512 في العام التالي، ولم يتمكن بعدها من تجاوز حاجز المراكز الأربعمائة. وفي عام 1974، خرج من السوق وكانت قيمة سهمه قد تراجعت إلى نحو 7 في المائة من مستواه في عام 1968. وعلى الرغم من أن تجربة هذا المستثمر كانت أقل حظًا من كثيرين غيره، فإنها تبرز خلاصة أساسية مفادها أن الأداء في عام واحد لا يقدم سوى مؤشر محدود على ما قد تحققه الصناديق المشتركة على المدى الطويل.
في المتوسط، كثيراً ما يتبدل مشهد الصدارة بين الصناديق المشتركة من عقـد إلـى آخر. فالصناديق التي تتصدر الأداء في فترة زمنية معينة لا تلبث أن تتراجع في العقد التالي. فعلى سبيل المثال، هبط صندوق Twentieth Century Growth، الذي احتل المرتبة الأولى في سبعينيات القرن الماضي، إلى المركز 126 خلال الثمانينيات، بينما تراجع صندوق 44 Wall Street من المركز الرابع في عقد السبعينيات إلى المرتبة 309 في العقد اللاحق.
وبطبيعة الحال، لا يخلو المشهد من استثناءات، إذ نجحت بعض الصناديق التي برزت في السبعينيات في تحقيق قفزة أكبر في الثمانينيات. ومن أبرز الأمثلة صندوق The Magellan Fund، الذي انتقل من المرتبة العاشرة في عقد السبعينيات إلى الصدارة في الثمانينيات، ليعكس أن التحولات في الأداء ليست دائمًا في اتجاه واحد.
وعند النظر إلى الصورة الأشمل، يظهر أن أفضل عشرين صندوقًا في سبعينيات القرن الماضي حققت متوسط عائد تجاوز متوسط السوق بنحو 8.6 في المائة خلال ذلك العقد. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الصناديق نفسها سجلت في الثمانينيات متوسط عائد أقل بنحو 6 في المائة من متوسط عوائد الصناديق في تلك الفترة، ما يعزز فكرة أن التفوق في عقد لا يضمن استمرار الريادة في العقد التالي.
النمط ذاته تكرر في العقود اللاحقة. فقد تفوقت الصناديق العشرون الأولى في الثمانينيات على مؤشر S&P 500 بنحو 3.9 في المائة سنويًا على مدى ذلك العقد. لكن المستثمرين الذين دخلوا السوق في التسعينيات على أساس اختيار ما كان يُعرف بـ«الصناديق الساخنة» في الثمانينيات، وجدوا أنفسهم أمام نتائج مخيبة، إذ تخلفت هذه الصناديق عن المؤشر بنحو 1.2 في المائة سنويًا خلال عقد التسعينيات.
وتبرز هذه المفارقة بشكل أكثر حدة خلال فقاعة أسواق الأسهم في أواخر التسعينيات. ففي عامي 1998 و1999، تصدر صندوق Van Wagoner Emerging Growth المشهد بعائد سنوي لافت بلغ نحو 105.5 في المائة، قبل أن يتراجع بصورة حادة في الفترة بين 2000 و2001 إلى مراكز متأخرة، مسجلًا متوسط عائد سنوي سالبًا تجاوز 43 في المائة.
الخلاصة التي يمكن استخلاصها من هذه التجارب واضحة: لا ينبغي لضيق الوقت أو نقص الخبرة أن يبعد المستثمر عن سوق الأسهم. فالنجاح لا يتطلب دراسات معقدة أو مهارات استثنائية في انتقاء الأسهم. تاريخيًا، قدمت الأسهم عوائد تفوقت على معظم فئات الاستثمار الرئيسة، فيما أتاحت صناديق المؤشرات للمستثمر العادي فرصة المشاركة في هذه العوائد دون الحاجة إلى اختيار أسهم بعينها أو ملاحقة الصناديق المدارة.
ومع الإقرار بأن الأسواق تمر بدورات صعود وهبوط، بل وحتى فترات ممتدة من التراجع، فإن كثيراً مـن المستثمـريــن يفضلون تقليص نسبة الأسهم في محافظهم كلما اقتربوا من مرحلة التقاعد. ومع ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن العائد طويل الأجل لمحفظة تعكس أداء السوق ككل يمكن أن يتجاوز في نهاية المطاف عوائد معظم البدائل الاستثمارية، بما في ذلك الصناديق المدارة.
الاستثمار طويل الأجل
في الأسهم
الأفراد الذين ينظرون بجدية إلى مستقبلهم المالي يحرصون عادة على الادخار والاستثمار لتحقيق أهداف واضحة ومحددة، مثل توفير الدفعة الأولى لشراء منزل، أو تمويل تعليم الأبناء، أو بناء دخل مستدام لمرحلة التقاعد. ولكل هدف من هذه الأهداف جدول زمني ونقطة إنفاق مختلفة، ما يجعل من الحكمة التعامل مع كل منها كمحفظة مستقلة يمكن تعديل مكوناتها تدريجيًا كلما اقترب موعد استخدامها.
وكما أشرنا سابقًا، فإن المحافظ القائمة على تنويع واسع في الأسهم كانت تاريخيًا الخيار الأكثر فاعلية لمعظم المدخرين الساعين إلى بناء الثروة على المدى البعيد. غير أن العنصر الحاسم في أي خطة استثمارية، ولا سيما تلك التي ترتكز على الأسهم، يبقى القدرة على الالتزام بها وتحمّل تقلبات السوق صعودًا وهبوطًا.
فسوق الأسهم بطبيعته متقلب. وعلى الرغم من أن اتجاهه العام على المدى الطويل كان صعوديًا، فإنه قد يشهد ارتفاعات حادة أو تراجعات مفاجئة، وقد يبقى في مستويات منخفضة لأشهر أو حتى لسنوات. ومع اقتراب موعد الحاجة إلى السيولة، وتقلص الأفق الزمني للنمو إلى بضع سنوات فقط، تصبح القدرة على تحمّل هذه التقلبات أقل. وفي هذه المرحلة، يكون الانتقال التدريجي من الأسهم إلى السندات، التي تُعد أقل تقلبًا نسبياً، خطوة منطقية لتقليص المخاطر. هذا التحول، الذي قد يتم خلال فترة تقل عن عشر سنوات قبل موعد الإنفاق، يساعد على تجنب الاضطرار إلى بيع جزء من محفظة الأسهم في لحظة تكون فيها الأسعار متدنية بصورة غير مواتية.
ومع ذلك، فإن اللجوء إلى السندات لا يلغي المخاطر بالكامل، بل يغيّر طبيعتها. فأكبر تحدٍ يواجه حائزي السندات يتمثل في التضخم، الذي يضعف القيمة الحقيقية لرأس المال والعوائد الناتجة عنه. ويمكن الحد من هذا الخطر، أو حتى تحييده إلى حد كبير، عبر الاستثمار في ما يُعرف بسندات الخزينة المحمية من التضخم، أو TIPS.
وتُعد هذه السندات شكلًا خاصًا من أدوات الدين الحكومي طُرحت لأول مرة عام 1997، إذ تمنح المستثمر أصلًا وعائد فائدة أساسيًا وفق معدل الفائدة السائد وقت الشراء، إلى جانب تعديلات إضافية تعوّض أثر التضخم. وبما أن التضخم غير المتوقع هو العامل الأبرز الذي يقلص العائد الحقيقي للسندات التقليدية، فإن الاحتفاظ بـTIPS يوفر حماية فعالة من هذا الخطر. ولهذا السبب، تحظى هذه الأداة بجاذبية خاصة لدى المتقاعدين والمستثمرين الباحثين عن تدفق ثابت من القوة الشرائية يحافظ على قيمة مدخراتهم مع مرور الوقت.