بناء القيمة المؤسسية عبر إدارة العقود والمشاريع والمحافظ
حين تسعى أي شركة إلى ترسيخ سمعتها وتعزيز مكانتها في السوق، فإن أول ما تحرص عليه هو صون حقوقها وتحديد مسؤولياتها بدقة في كل اتفاق أو عقد تبرمه. فوضوح الالتزامات بين الأطراف المتعاقدة لا يحمي المصالح فحسب، بل يجنب الشركة الدخول في نزاعات قانونية قد تستنزف وقتها ومواردها، وهي في غنى عنها.
ومن هنا، فإن أي مبادرة أو مشروع استثماري لا ينبغي أن يمضي إلى التنفيذ قبل توثيقه في اتفاقية أو عقد قانوني واضح، يتضمن حقوق وواجبات جميع الأطراف بشفافية كاملة. فإذا ما أُقرّت بنود الاتفاق، أصبح الالتزام بها واجباً على الجميع، ونال كل طرف ما كفله له العقد من حقوق.
وتبرز أهمية إدارة العقود والاتفاقيات في قدرتها على تقليل المخاطر المحيطة بالمشروعات الاستثمارية، وضمان التزام الأطراف ببنود التعاقد، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتحسين العلاقات المهنية، ورفع كفاءة الأداء، فضلاً عن تسهيل آليات تسوية النزاعات عند حدوثها. كما يحق للشركة أن تعتمد النموذج الإداري الأنسب لطبيعة عملياتها، وأن تضع الصيغ القانونية الملائمة لعقودها الاستثمارية بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.
خطط التنفيذ
بعد تحديد الأدوار والحقوق والمسؤوليات، تبدأ المرحلة الأهم وهي ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى خطط تنفيذية عملية. ويتطلب ذلك إعداد برامج عمل واضحة، وتحديد الموارد اللازمة سواء كانت بشرية أو مادية، مع تخصيص الميزانيات المناسبة لضمان سير المشروع وفق الإطار الزمني المحدد.
ولا يمكن لأي مشروع استثماري أن يحقق أهدافه ما لم يخضع لمراحل إدارة المشاريع المعتمدة، من التخطيط والتنظيم إلى التنفيذ والمتابعة، بما يضمن تحقيق النتائج المرجوة بكفاءة وفاعلية.
مراقبة الأداء
تمثل عمليات المتابعة والمراجعة الدورية للأداء مسؤولية مشتركة بين الأطراف المتعاقدة، إذ تسهم في التأكد من الالتزام بنطاق المشروع وشروطه، ومراجعة مستويات الإنجاز، وإجراء التعديلات اللازمة عند الحاجة، بما يحافظ على جودة المخرجات ويمنع الانحراف عن الأهداف المرسومة.
تقييم النتائج وتحليل العوائد
يُعد تقييم النتائج وتحليل عوائد الاستثمار خطوة أساسية يمكن أن تتكرر عند كل مرحلة من مراحل المشروع أو عند اكتماله. فبعض المبادرات الاستثمارية قد تتكون من حزمة مشاريع متكاملة تشكل في مجموعها نموذج الاستثمار المستهدف، وقد تكون على شكل شراكة طويلة الأمد مع الشركة، ما يفرض ضرورة الاتفاق المسبق على طبيعة الأدوار والحصص المالية لكل طرف، تفادياً لأي خلاف قد يؤدي إلى تفكك الشراكة.
وتكمن أهمية تقييم مشاريع المبادرات الاستثمارية في جملة من الفوائد، أبرزها الحد من المخاطر وتحسين العائد على الاستثمار، ودعم عملية اتخاذ القرار بشأن الاستمرار أو التطوير أو الإلغاء، إضافة إلى تحسين إدارة الموارد البشرية والمادية وتوظيفها بكفاءة أعلى. كما يسهم التقييم في رفع مستوى أداء فرق العمل، ويعزز ثقة المستثمرين، ويشكل عامل جذب لمستثمرين جدد عند تحقيق نتائج ناجحة.
بهذه المنظومة المتكاملة من التوثيق القانوني، والتخطيط السليم، والرقابة الفاعلة، والتقييم المستمر، تتحول المبادرات الاستثمارية من مجرد أفكار إلى مشاريع ناجحة قادرة على تحقيق النمو والاستدامة.
استراتيجية إدارة المحافظ
ما إن تبدأ الشركة بممارسة أنشطتها فعلياً، حتى تجد نفسها أمام سلسلة متواصلة من العمليات اليومية والقرارات التنفيذية. ومع انطلاق المشاريع، تصبح الحاجة ملحّة إلى إدارة واعية تضمن أن تتحول نتائج هذه المشاريع إلى رافعة حقيقية لنمو الشركة واستدامتها. غير أن النجاح لا يتحقق بمجرد التنفيذ، بل يتطلب مواءمة دقيقة بين المشاريع والأهداف الاستراتيجية التي تسعى المؤسسة إلى بلوغها.
فكل مشروع يجب أن يُنفذ ضمن نطاق العمل المتفق عليه، ووفق الميزانية المعتمدة، وبما ينسجم مع معايير الجودة التي أقرتها الشركة. ونظراً لتنوع المشاريع من حيث طبيعتها وأهميتها، تبرز ضرورة تبني استراتيجية متكاملة لإدارتها بكفاءة، بما يمكّن الإدارة وأصحاب المصلحة من تحقيق جملة من المكاسب، في مقدمتها ضمان التوافق مع التوجهات الاستراتيجية، والحصول على رؤية شاملة لمستويات الإنجاز، وتحسين تخصيص الموارد المالية والبشرية والمادية، إلى جانب رفع كفاءة الأداء وتعزيز القدرة على إدارة المخاطر، وتمكين صناع القرار من الاستناد إلى بيانات دقيقة عند اتخاذ قراراتهم.
تنظيم المشاريع
ولتسهيل عملية الإدارة، يمكن للشركة تصنيف المشاريع المتشابهة ضمن مجموعات تُعرف بالمحافظ. وبهذا الأسلوب، قد تمتلك المؤسسة أكثر من محفظة، بحيث تضم كل محفظة نوعاً محدداً من المشاريع، مثل محفظة مشاريع تكنولوجيا المعلومات، أو محفظة المشاريع الاستثمارية التي تشمل المشاريع الرأسمالية وإدارة أصول الشركة.
وفي هذا السياق، تمتد إدارة الأصول لتشمل الأسهم والسندات والسلع والنقد وما يعادله، إضافة إلى الصناديق المغلقة وصناديق التداول في البورصة. كما قد ترتبط المحافظ بالمجالات الاستراتيجية للشركة، مثل الاستثمار في الموارد البشرية، والتكنولوجيا، والابتكار، والتسويق، وبناء الشراكات، والحصول على الشهادات والاعتمادات المهنية.
مراحل بناء استراتيجية المحافظ
تعتمد استراتيجية إدارة المحافظ على أربع مراحل أساسية، تشكل الإطار الحاكم لاختيار المشاريع ومتابعتها وتقييمها. وتأتي في مقدمة هذه المراحل عملية اختيار المشاريع وربطها بالاستراتيجية المؤسسية.
فلا يمكن ضم أي مشروع إلى محفظة الشركة قبل التأكد من انسجامه مع أهدافها بعيدة المدى. ويتطلب ذلك أن يعمل فريق إدارة المحافظ بالتنسيق مع الإدارة العليا وأصحاب المصلحة، لمناقشة أهداف المشروع وجدواه ومدى إسهامه في تحقيق التوجهات الاستراتيجية. وعند تحقق هذا التوافق، يمكن اعتبار المشروع استثماراً ضمن منظومة استثمارات الشركة، بصرف النظر عن طبيعته أو مجاله.
بهذا النهج المنظم، تتحول إدارة المحافظ إلى أداة استراتيجية تضمن ألا تعمل المشاريع بمعزل عن رؤية الشركة، بل تكون جميعها مسارات متكاملة تصب في هدف واحد: تعزيز النمو وتحقيق قيمة مستدامة.
تحليل المشاريع وتحديد الأولويات
عندما يثبت توافق المشاريع المقترحة مع الأهداف الاستراتيجية للشركة، تنتقل إدارة المحافظ إلى مرحلة أكثر دقة تتمثل في تحليل هذه المشاريع وتصنيفها وترتيبها وفقاً لأولويات واضحة. فليس كل مشروع يحظى بالأولوية ذاتها، حتى وإن كان منسجماً مع التوجه العام للمؤسسة.
وتتولى فرق إدارة المحافظ دراسة الجدوى، وحجم العائد المتوقع، ومستوى المخاطر، وحجم الموارد المطلوبة، ثم تصنيف المشاريع وفق معايير محددة تتيح ضمها إلى المحفظة المناسبة. فمشروع تطوير نظام رقمي أو تطبيق برمجي، على سبيل المثال، يُدرج ضمن محفظة تكنولوجيا المعلومات، ثم يُرتب داخلها بحسب أهميته وتأثيره المتوقع. وتمثل هذه الخطوة المرحلة الثانية في استراتيجية إدارة المحافظ، حيث تتحول الرؤية الاستراتيجية إلى قرارات عملية قائمة على التحليل والمفاضلة.
إطلاق المشاريع وإدارتها
لا تكتمل استراتيجية إدارة المحافظ دون تحديد آلية واضحة لإطلاق المشاريع وإدارتها. فالشركة مطالبة بتعريف العمليات والمعايير والشروط التي تسبق بدء التنفيذ، إلى جانب اعتماد منهجية محددة لإدارة المشروع منذ يومه الأول.
وتشمل هذه المنهجية إدارة خطط المشاريع عبر إعداد جداول زمنية دقيقة لمختلف المهام، وتحديد أولويات التنفيذ، وتوزيع المسؤوليات على الأفراد والجهات المعنية، مع تحديد المخرجات النهائية لكل مرحلة. كما تتضمن وضع آليات للرقابة على الميزانيات والموارد والمخاطر والجودة، وتنظيم قنوات التواصل بين جميع الأطراف ذات العلاقة. والهدف من ذلك ضمان إنجاز المشروع في موعده المحدد، وضمن نطاق العمل المتفق عليه، ووفق التكاليف المقررة ومعايير الجودة المعتمدة.
إدارة الميزانيات
لا يمكن لأي مشروع أن يرى النور دون تحديد تكاليفه بدقة. فمرحلة إعداد الميزانية تتطلب حصر تكاليف المهام والأنشطة، وتقدير احتياجات الموارد البشرية والمادية وغير المادية، وتوزيع النفقات على مراحل المشروع المختلفة.
وتبدأ الحوكمة المالية السليمة بتحديد ميزانية مستقلة لكل مرحلة، وتخصيصها مع انطلاق التنفيذ، على أن يتحمل مديرو المشاريع ومن يملكون صلاحيات الصرف مسؤولية إدارة هذه المخصصات ومراقبة أوجه إنفاقها. ويشمل ذلك التأكد من صحة التكاليف، وجدولتها زمنياً، وضبط مواعيد الصرف بما يضمن عدم تعثر المشروع أو تراجع جودته أو تجاوز نطاقه المتفق عليه.
وفي حال استدعت الظروف إدخال تعديلات على نطاق المشروع، فلا بد أن يتم ذلك باتفاق واضح بين جميع الأطراف المعنية وأصحاب المصلحة، في إطار ما يُعرف بالقدرة على التكيف مع المتغيرات. غير أن إدارة الميزانيات لا تكتمل بمجرد تحديد التكاليف وجدولتها، بل تتطلب التزاماً صارماً بمبادئ الشفافية والمساءلة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لضبط النفقات وتعزيز كفاءة الإنفاق وتحقيق أهداف المشاريع بكفاءة واستدامة.