بورصة الكويت تتحدى العاصفة الجيوسياسية
نجحت بورصة الكويت في إنهاء تداولات الأسبوع على محصلة إيجابية، في خطوة تعكس قدرة السوق على امتصاص الصدمات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية، خاصة في ظل تداعيات التصعيد العسكري والهجمات الإيرانية وما رافقها من حالة قلق في الأسواق المالية الإقليمية.
ورغم الأجواء المشحونة إقليمياً، تمكن السوق من تحويل مسارها نحو الإيجابية، لتغلق تعاملات الأسبوع على ارتفاعات جماعية للمؤشرات الرئيسية، مدعومة بصعود 10 قطاعات وزيادة في القيمة السوقية، وهو ما يعكس تحسن شهية المستثمرين وثقتهم في متانة الاقتصاد الكويتي وأساسيات الشركات المدرجة.
ووفق بيانات التداول الأسبوعية، ارتفع مؤشر السوق الأول بنسبة 0.56 في المئة، ليكسب أكثر من 51 نقطة ويصل إلى مستوى 9185 نقطة، بينما صعد مؤشر السوق العام بنحو 0.69 في المئة، رابحاً قرابة 59 نقطة ليغلق عند 8609 نقاط. كما سجل مؤشر «الرئيسي 50» مكاسب بلغت 0.27 في المئة، فيما كان مؤشر السوق الرئيسي صاحب الأداء الأفضل بنمو أسبوعي بلغ 1.41 في المئة، وهو ما يعكس نشاطاً ملحوظاً في الأسهم المتوسطة والصغيرة.
القبسمة السوقية
هذه المكاسب الأسبوعية ساهمت في رفع القيمة السوقية للأسهم المدرجة إلى نحو 51.42 مليار دينار، مقارنة مع 51.07 مليار دينار في الأسبوع السابق، ما يعني إضافة أكثر من 350 مليون دينار إلى القيمة الإجمالية للسوق خلال أيام قليلة فقط، وهو تطور لافت في ظل الأوضاع الإقليمية المتقلبة.
ويعكس هذا الأداء قدرة السوق الكويتي على استعادة توازنه سريعاً بعد موجة التراجع التي شهدها مع بداية التصعيد العسكري في المنطقة، إذ نجح في محو الخسائر التي تكبدها منذ بدء الهجمات الإيرانية، ليؤكد مجدداً أن السوق يمتلك عوامل دعم داخلية قوية قادرة على تقليل تأثير العوامل الخارجية.
تباين التداولات
ورغم الأداء الإيجابي للمؤشرات، فقد أظهرت بيانات التداول الأسبوعية تبايناً في مستويات السيولة والنشاط. فقد ارتفعت أحجام التداول بنسبة تقارب 3 في المئة لتصل إلى نحو 847.5 مليون سهم، وهو ما يعكس زيادة في حركة التداول وتنامي نشاط المستثمرين خلال الأسبوع.
في المقابل، تراجعت السيولة المتداولة بنسبة 7.72 في المئة لتبلغ نحو 267.7 مليون دينار، كما انخفض عدد الصفقات بنحو 9 في المئة ليصل إلى 68 ألف صفقة تقريباً، وهو ما يشير إلى استمرار حالة الحذر لدى شريحة من المستثمرين، خصوصاً في ظل الغموض الذي يحيط بتطورات الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة.
ويرى محللون أن هذا التباين في التداولات يعد أمراً طبيعياً في ظل الظروف الحالية، إذ يتجه بعض المستثمرين إلى انتهاج استراتيجية الترقب وانتظار وضوح الرؤية قبل ضخ سيولة كبيرة في السوق، بينما يستغل آخرون التراجعات السابقة لاقتناص فرص استثمارية في الأسهم التي وصلت إلى مستويات سعرية مغرية.
أداء القطاعات
وعلى مستوى القطاعات، شهد الأسبوع ارتفاع 10 قطاعات من أصل القطاعات المدرجة في البورصة، في إشارة إلى اتساع نطاق الارتفاعات وعدم اقتصارها على قطاع واحد فقط.
وتصدر قطاع التكنولوجيا قائمة القطاعات الأكثر نمواً خلال الأسبوع بارتفاع بلغ 5.41 في المئة، ما يعكس تحسناً ملحوظاً في أداء الشركات المرتبطة بهذا القطاع، في حين تراجع قطاع الخدمات الاستهلاكية بنسبة 1.51 في المئة، وقطاع المواد الأساسية بنسبة 1.12 في المئة، بينما استقر قطاع الرعاية الصحية دون تغيير يذكر.
هذا التباين القطاعي يعكس طبيعة التحركات الاستثمارية في السوق، إذ يميل المستثمرون إلى تنويع محافظهم والبحث عن القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق نمو في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
القطاعات الأنشط
أما من حيث النشاط، فقد استحوذ قطاع الخدمات المالية على النصيب الأكبر من أحجام التداول خلال الأسبوع، إذ استقطب نحو 373.7 مليون سهم، ما يمثل أكثر من 44 في المئة من إجمالي التداولات، كما استحوذ على 27 في المئة من إجمالي عدد الصفقات.
في المقابل، جاء قطاع البنوك في صدارة القطاعات من حيث قيمة التداولات، بعدما استحوذ على نحو 35.3 في المئة من إجمالي السيولة بقيمة بلغت 94.6 مليون دينار، وهو ما يعكس استمرار جاذبية الأسهم المصرفية لدى المستثمرين، نظراً لما تتمتع به من استقرار في الأداء وقوة في الأرباح والتوزيعات.
ويشير هذا النشاط إلى أن القطاع المصرفي لا يزال يمثل العمود الفقري للسوق الكويتي، إذ يحظى بثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، خاصة مع الأداء المالي القوي للبنوك الكويتية.
استعادة الثقة
وتعكس المكاسب الأسبوعية التي سجلتها بورصة الكويت عودة تدريجية للثقة إلى السوق، بعد فترة من التقلبات التي صاحبت التصعيد الجيوسياسي في المنطقة.
ويرى محللون أن السوق نجح في تجاوز المرحلة الأكثر حساسية من الأزمة، مدعوماً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها قوة الاقتصاد الكويتي، واستقرار القطاع المصرفي، إلى جانب استمرار الإنفاق الحكومي على المشاريع التنموية.
كما أن الأداء المالي الجيد للشركات المدرجة لعب دوراً مهماً في تعزيز ثقة المستثمرين، إذ أظهرت العديد من الشركات نتائج مالية قوية خلال العام الماضي، وهو ما يعزز جاذبية الأسهم الكويتية مقارنة ببعض الأسواق الإقليمية.
موسم التوزيعات
ويأتي الأداء الإيجابي للسوق أيضاً في توقيت مهم، مع دخول الشركات المدرجة موسم التوزيعات السنوية، وهو ما يعد أحد العوامل الداعمة لحركة السوق.
فمع بدء تحويل التوزيعات النقدية إلى حسابات المساهمين، يتوقع أن يعاد ضخ جزء من هذه الأموال مرة أخرى في السوق، ما قد يسهم في تعزيز مستويات السيولة ودعم حركة التداول خلال الفترة المقبلة.
ويعد موسم التوزيعات تقليدياً من الفترات النشطة في السوق الكويتي، إذ يجذب شريحة واسعة من المستثمرين الباحثين عن العائد النقدي إلى جانب فرص النمو في أسعار الأسهم.
عوامل دعم إضافية
إلى جانب التوزيعات، هناك مجموعة من العوامل الأخرى التي تدعم أداء السوق، من بينها استمرار الحكومة في ترسية المشاريع الكبرى ضمن خطط التنمية، وهو ما ينعكس إيجاباً على الشركات المدرجة، خصوصاً في قطاعات البنوك والخدمات المالية والإنشاءات.
كما يشكل ارتفاع أسعار النفط عاملاً مهماً في دعم الاقتصاد الكويتي، وبالتالي تعزيز الثقة في السوق المالي، نظراً لارتباط الإيرادات الحكومية بشكل وثيق بأسعار النفط.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار البنوك في تقديم التسهيلات الائتمانية للشركات يعزز من قدرة القطاع الخاص على التوسع والنمو، وهو ما ينعكس في النهاية على أداء الشركات المدرجة في البورصة.
مستويات مغرية
ويرى العديد من المحللين أن التراجعات التي شهدتها السوق خلال الفترة الماضية دفعت أسعار عدد كبير من الأسهم إلى مستويات مغرية لا تعكس بالضرورة أساسياتها المالية القوية.
وقد دفع ذلك بعض المستثمرين إلى اقتناص هذه الفرص الاستثمارية، خاصة في الأسهم القيادية التي تتمتع بسجل قوي من الأرباح والتوزيعات.
ومن شأن استمرار هذا الاتجاه أن يدعم استقرار السوق ويعزز فرص تحقيق مزيد من المكاسب خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا ما استمرت العوامل الاقتصادية الداعمة.