بيانات الوظائف تضرب الذهب… والحرب تمنع الانهيار
انخفض الذهب في تعاملات الاثنين، متأثرًا بمزيج من الضغوط النقدية والمالية، في مقدمتها صعود الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة، بعد صدور بيانات وظائف أمريكية قوية أعادت تشكيل توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وتراجع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.4 % إلى 4658.90 دولاراً للأوقية، فيما انخفضت العقود الأمريكية الآجلـة للذهـب تسليـم أبريـل بنسبـة 0.1 % إلى 4684.30 دولاراً، وسط تداولات ضعيفة نسبياً بفعل الإغلاقات المرتبطة بالعطلات في أجزاء من آسيا وأوروبا.
ورغم هذا التراجع، فإن الذهب لا يتحرك في بيئة هادئة أو مستقرة، بل داخل سوق شديدة الحساسية تتقاطع فيها عدة قوى متضادة: من جهة، هناك دعم تقليدي ناتج عن الحرب والمخاطر الجيوسياسية؛ ومن جهة أخرى، هناك ضغوط قوية ناتجة عن ارتفاع العائد على الأصول الأمريكية، ما يحد من جاذبية المعدن الذي لا يدرّ عائداً، وبالتالي، فإن تراجع الذهب اليوم لا يُقرأ بوصفه خروجاً من وضع «الملاذ الآمن»، بقدر ما يعكس إعادة تسعير سريعة لأولويات السوق بين الخطر السياسي والعائد النقدي.
الدولار وعوائد السندات
بالتوازي مع إعادة تسعير الفائدة، ارتفع كل من مؤشر الدولار الأمريكي وعائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات، ما أضاف ضغطاً مباشراً على أسعار الذهب.
وعادة ما يتحرك الذهب عكسيًا مع الدولار؛ إذ إن ارتفاع العملة الأمريكية يجعل شراء الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين من حائزي العملات الأخرى، بما يحد من الطلب الخارجي. كما أن صعود عوائد السندات يزيد من جاذبية أدوات الدخل الثابت، على حساب الذهب الذي لا يوفر عائدًا دوريًا.
وفي الظروف العادية، قد يكون هذا العامل كافيًا لإحداث تراجعات أوسع في الذهب، لكن خصوصية المرحلة الحالية تكمن في أن التوترات الجيوسياسية لا تزال تمنع المعدن من الانزلاق الحاد، لأن جزءاً معتبراً من المستثمرين لا يزال ينظر إليه كأداة تحوط أساسية في بيئة مضطربة.
وبالتالي، فإن حركة الذهب الحالية تعكس صراعًا واضحًا بين قوتين متعاكستين: قوة نقدية تضغط عليه، وقوة جيوسياسية تمنحه أرضية دفاعية تمنع تراجعه الحاد.
دائرة الطلب الدفاعي
على الرغم من تراجع الأسعار، لا تزال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران عاملًا داعمًا للذهب من الناحية الاستراتيجية، حتى وإن تراجع هذا الدعم مؤقتًا أمام زخم الدولار.
فالذهب يُنظر إليه تقليدياً على أنه أحد أبرز الملاذات الآمنة في فترات الصراع وعدم اليقين، وخصوصاً عندما ترتبط التوترات بممرات الطاقة أو بمخاطر توسع الحرب إقليمياً.
وفي هذا السياق، يترقب المستثمرون باهتمام بالغ التعليقات المنتظرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي من المقرر أن يعقد مؤتمراً صحفياً بشأن الوضع القائم بين الولايات المتحدة وإيران. وقال كيلفن وونغ، كبير محللي السوق لدى «أواندا»، إن الأسواق «تترقب ما سيظهر لاحقًا»، في إشارة إلى حساسية الخطاب السياسي الأمريكي وتأثيره المباشر على اتجاهات الأصول الآمنة.
كما زاد ترامب من حدة الخطاب عبر تهديده بإنزال «الجحيم» على طهران إذا لم يتم فتح مضيق هرمز بحلول يوم غد الثلاثاء، ما رفع منسوب التوتر السياسي، حتى وإن كانت أحدث تقييمات الاستخبارات الأمريكية لا ترجّح إقدام إيران على إعادة فتح الممر المائي الحيوي في أي وقت قريب.
وهذا التباين بين التصعيد الخطابي وغياب الحسم الميداني يبقي الذهب داخل دائرة الطلب الدفاعي، حتى مع الضغوط النقدية الواضحة.
النفط يصعد والتضخم يعود
من العوامل المهمة التي تحيط بحركة الذهب أيضًا استمرار صعود النفط، مع بقاء الحرب مؤثرة على تدفقات الطاقة العالمية. وقد أدى ارتفاع خام برنت إلى إعادة تنشيط المخاوف التضخمية في السوق، وهي عادةً بيئة يُفترض أن تصب في صالح الذهب.
فالذهب يُستخدم تقليدياً كوسيلة للتحوط من التضخم، لأنه يحافظ على القيمة في فترات تآكل القوة الشرائية للعملات. لكن المفارقة الحالية تكمن في أن ارتفاع التضخم لا يفيد الذهب بالقدر المعتاد، لأن الأسواق باتت ترى أن أي ضغوط تضخمية إضافية ستؤدي إلى بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وهنا يتعقد المشهد أكثر: النفط يدعم التضخم، والتضخم قد يدعم الذهب نظرياً، لكن إذا كان هذا التضخم سيؤدي إلى تشديد نقدي أطول، فإن النتيجة النهائية قد تتحول إلى عامل ضغط على المعدن.
وبهذا المعنى، فإن الذهب لم يعد يستفيد تلقائياً من ارتفاع أسعار الطاقة كما كان يحدث في بعض الدورات السابقة، لأن معادلة التضخم والفائدة باتت أكثر حساسية وتشابكًا.
المعادن النفيسة الأخرى
امتد الضغط الذي تعرض له الذهب إلى عدد من المعادن النفيسة الأخرى، في إشارة إلى أن الحركة الحالية ليست معزولة، بل تعكس مزاجاً أوسع داخل أسواق المعادن الثمينة.
فقد تراجعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.9 % إلى 72.31 دولاراً للأوقية، بينما انخفض البلاتين بنسبة 0.3 % إلى 1983.62 دولاراً، وفي المقابل، ارتفع البلاديوم بنسبة 0.7 % إلى 1511.94 دولاراً، في تحرك يعكس خصوصية الطلب الصناعي على هذا المعدن مقارنة ببقية المعادن النفيسة.
ويشير هذا التباين إلى أن السوق لا تتعامل مع المعادن ككتلة واحدة، بل تميز بوضوح بين المعادن التي يغلب عليها الطابع الاستثماري الدفاعي، وتلك التي ترتبط أيضًا بدورات الطلب الصناعي وسلاسل التوريد.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن هذا الأداء المتباين يؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب قراءة أكثر دقة لحركة كل معدن على حدة، بدل الاكتفاء بالنظر إلى القطاع ككل.
الذهب بين عائد واشنطن
ومخاطر الخليج
في المحصلة، يتحرك الذهب اليوم داخل معادلة دقيقة للغاية: بيانات أمريكية قوية تدفع الدولار والعوائد إلى الأعلى، مقابل حرب إقليمية لا تزال تمنع تراجع الطلب الدفاعي بشكل كامل.
وهذا يعني أن الذهب لا يواجه في الوقت الراهن مشكلة في «الطلب على الأمان» بقدر ما يواجه مشكلة في «تكلفة هذا الأمان»، فكلما ارتفعت الفائدة والعوائد، زادت كلفة الاحتفاظ بالذهب، حتى لو ظلت البيئة السياسية محفوفة بالمخاطر.
ولذلك، فإن المسار المقبل للمعدن النفيس سيظل مرهوناً بثلاثة عوامل رئيسية: أولاً، لهجة الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات الفائدة؛ ثانيًا، اتجاه الدولار وعوائد السندات؛ وثالثاً، تطورات الحرب مع إيران، وخصوصاً ما يتعلق بمضيق هرمز وإمكانية الانتقال من التصعيد إلى التهدئة.
وبين هذه العوامل الثلاثة، يبدو الذهب في وضع لا يسمح له بالانطلاق الحر، لكنه أيضاً لا يتركه مكشوفاً بالكامل. ولذلك، فإن التراجعات الحالية قد لا تكون نهاية موجة الصعود، بقدر ما تمثل استراحة داخل سوق لا تزال شديدة الحساسية لأي مفاجأة سياسية أو نقدية.