تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بين‭ ‬التوسع‭ ‬والعجز‭… ‬حدود‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة

XE30

لا‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يتطلب‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الدفع‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانكماش‭ ‬تعرقل‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يصعب‭ ‬العثور‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬مثال‭ ‬واضح‭ ‬توقفت‭ ‬فيه‭ ‬التنمية‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬بسبب‭ ‬الانكماش،‭ ‬فحتى‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الانكماش‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1873‭ ‬و1896،‭ ‬واصل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬نموه‭ ‬بمعدل‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬24‭ % ‬كل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭.‬
وقد‭ ‬تركزت‭ ‬مظاهر‭ ‬الانكماش‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬تحديداً،‭ ‬حيث‭ ‬تراجعت‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجات‭ ‬الزراعية‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الصناعية‭. ‬وأسهم‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬مسار‭ ‬التنمية،‭ ‬إذ‭ ‬عزز‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بإنتاجية‭ ‬أعلى‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الانكماش‭ ‬الشامل‭ ‬الذي‭ ‬يشمل‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الصناعية‭ ‬والزراعية‭ ‬معاً‭ ‬يُعد‭ ‬عاملاً‭ ‬معيقاً‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإمكانية‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬بالعجز‭ ‬بما‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬زيادة‭ ‬وسائل‭ ‬الدفع‭ ‬لمواكبة‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يظل‭ ‬ممكنًا‭ ‬بشرط‭ ‬توافر‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مساعدات‭ ‬خارجية،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بزيادة‭ ‬الواردات‭ ‬لتغطية‭ ‬الطلب‭ ‬المتنامي‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭.‬

الموارد‭ ‬المالية

ويرى‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية،‭ ‬لاسيما‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الحروب‭ ‬العالمية،‭ ‬أظهرت‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬لتغطية‭ ‬نفقات‭ ‬الحرب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلًا‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬توظيف‭ ‬القدرة‭ ‬ذاتها‭ ‬لتمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬السلم‭. ‬وقد‭ ‬نجحت‭ ‬بعض‭ ‬النماذج،‭ ‬مثل‭ ‬التجربة‭ ‬السوفييتية،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬ولكن‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬اقتصادي‭ ‬حدّ‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬وقيد‭ ‬توافر‭ ‬السلع‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة،‭ ‬تميل‭ ‬النقود‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬فائضة‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬الفعلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لفت‭ ‬انتباه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬آسيا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬اقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬حدود‭ ‬لقدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬التمويل‭ ‬بالعجز‭ ‬يتطلب‭ ‬جهازاً‭ ‬إدارياً‭ ‬واسعاً‭ ‬وقادراً‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬الأسعار‭. ‬كما‭ ‬يحذر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الغربيين‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬التضخم‭ ‬كوسيلة‭ ‬لتمويل‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭.‬

قيود‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬التوسعية

تواجه‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬التوسعية‭ ‬حدوداً‭ ‬عملية‭ ‬فيما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقدمه‭ ‬لتعزيز‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العيني،‭ ‬إذ‭ ‬تظل‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العملة،‭ ‬داخلياً‭ ‬وخارجياً،‭ ‬أولوية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭. ‬فالتوسع‭ ‬التضخمي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬محليًا،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الواردات،‭ ‬واختلال‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬وتدهوره‭.‬
وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالسياسة‭ ‬الضريبية،‭ ‬تختلف‭ ‬أولوياتها‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬والمتقدمة؛‭ ‬ففي‭ ‬الأولى‭ ‬تبرز‭ ‬اعتبارات‭ ‬العدالة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الدفع،‭ ‬بينما‭ ‬تميل‭ ‬الثانية‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬سهولة‭ ‬التحصيل‭ ‬نتيجة‭ ‬التحديات‭ ‬الإدارية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ينبغي‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬تصميم‭ ‬هيكل‭ ‬ضريبي‭ ‬يحقق‭ ‬توازناً‭ ‬دقيقاً‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كبح‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬خاصة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الكمالي‭ ‬وغير‭ ‬المنتج،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬الجدوى‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يتجه‭ ‬هذا‭ ‬الهيكل‭ ‬نحو‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬ضرائب‭ ‬الاستهلاك‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضرائب‭ ‬الدخل‭.‬

نظام‭ ‬الضريبة

إلا‭ ‬أن‭ ‬ضرائب‭ ‬الدخل‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬دائمًا‭ ‬محفزة‭ ‬للمستثمرين،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬وإعادة‭ ‬استثمار‭ ‬الأرباح،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تطبيقها‭ ‬بكفاءة‭ ‬يتطلب‭ ‬مستوى‭ ‬مرتفعاً‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬الضريبي‭ ‬لدى‭ ‬المكلفين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جهاز‭ ‬إداري‭ ‬يتمتع‭ ‬بالكفاءة‭ ‬والنزاهة،‭ ‬وفي‭ ‬البيئات‭ ‬ذات‭ ‬الدخول‭ ‬المنخفضة،ترتفع‭ ‬تكلفة‭ ‬تحصيل‭ ‬الضرائب‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬فعاليتها‭.‬
وعندما‭ ‬تتسع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تبني‭ ‬نظام‭ ‬ضريبي‭ ‬تصاعدي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الفئات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المرتفع‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الإنفاق‭ ‬الكمالي،‭ ‬حيث‭ ‬يسهم‭ ‬رفع‭ ‬العبء‭ ‬الضريبي‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الاستثمار‭ ‬المنتج‭ ‬وغير‭ ‬المنتج‭ ‬يظل‭ ‬مسألة‭ ‬معقدة‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الأرباح‭ ‬التجارية‭ ‬خيارًا‭ ‬مفضلًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬سهولة‭ ‬التحصيل‭. ‬وقد‭ ‬يستدعي‭ ‬الأمر‭ ‬أيضًا‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬اختلاف‭ ‬آثارها‭ ‬باختلاف‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭ ‬والمناطق‭.‬
أما‭ ‬الضرائب‭ ‬العقارية،‭ ‬فهي‭ ‬واسعة‭ ‬الانتشار‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬ولها‭ ‬ما‭ ‬يبررها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فعاليتها‭ ‬قد‭ ‬تتراجع‭ ‬بسبب‭ ‬قدرة‭ ‬كبار‭ ‬الملاك‭ ‬على‭ ‬التهرب‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬التطبيق‭. ‬ونظراً‭ ‬للصعوبات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بفرض‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الدخل‭ ‬أو‭ ‬الأراضي،‭ ‬تميل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬ضرائب‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬خصوصاً‭ ‬تلك‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬الواردات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭.‬
التمويل‭ ‬بالعجز‭ ‬ومخاطرهم

يتضح‭ ‬أن‭ ‬إشكالية‭ ‬التمويل‭ ‬بالعجز‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الفنية،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬أساساً‭ ‬بمحاولات‭ ‬التوسع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بما‭ ‬يفوق‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭. ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تنشأ‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط‭ ‬نتيجة‭ ‬التوسع‭ ‬المتزامن‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية،‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدفاعي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سياسات‭ ‬دعم‭ ‬الأسعار‭ ‬والأجور‭. ‬كما‭ ‬يُعزى‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الاختلال‭ ‬إلى‭ ‬أنماط‭ ‬استهلاكية‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬حيث‭ ‬اعتادت‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬معيشية‭ ‬لا‭ ‬تنسجم‭ ‬دائمًا‭ ‬مع‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭.‬
وفي‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأقل‭ ‬تطورًا،‭ ‬تتفاقم‭ ‬التحديات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسياسة‭ ‬الضريبية،‭ ‬نظرًا‭ ‬لانخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬وضعف‭ ‬الميل‭ ‬الحدي‭ ‬له،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬النزعة‭ ‬إلى‭ ‬تقليد‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬أو‭ ‬توازي‭ ‬الإنتاج‭. ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬المشهد‭ ‬حاجة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العيني،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬كشبكات‭ ‬النقل،‭ ‬بهدف‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية‭.‬
كما‭ ‬تختلف‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬التضخم‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية‭ ‬وتلك‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً؛‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تمتلك‭ ‬الأولى‭ ‬أدوات‭ ‬أفضل‭ ‬بفضل‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬وتوافر‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬ومرونة‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج،‭ ‬تجد‭ ‬الثانية‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تضخم‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬وصعوبة‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬آثاره،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬أمراً‭ ‬شبه‭ ‬حتمي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لمخاطر‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬حيث‭ ‬يتطلب‭ ‬تفادي‭ ‬التضخم‭ ‬لديها‭ ‬مزيجًا‭ ‬من‭ ‬الحظ‭ ‬والانضباط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬أما‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬التنمية‭ ‬عبر‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬العجز‭ ‬دون‭ ‬ضوابط،‭ ‬فقد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬اختلالات‭ ‬حادة‭ ‬وربما‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬عميقة‭.‬

التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬بين‭ ‬مزايا‭ ‬التخصص‭ ‬ومخاطر‭ ‬التقلب

تشير‭ ‬نظرية‭ ‬الميزة‭ ‬النسبية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التخصص‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬يحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬متبادلة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خفض‭ ‬التكاليف‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنتاج‭. ‬وتفترض‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬أن‭ ‬الفوائض‭ ‬الإنتاجية‭ ‬تتجه‭ ‬أساساً‭ ‬نحو‭ ‬التصدير،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬كفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اختلاف‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬التبادل،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليؤثر‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬نفسها‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبرز‭ ‬اتجاهات‭ ‬فكرية‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الصناعات‭ ‬الناشئة،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬افتراضات‭ ‬نظرية‭ ‬التخصص‭ ‬لا‭ ‬تصمد‭ ‬دائماً‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬الأسواق‭ ‬غير‭ ‬المستقرة‭. ‬فالتقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬التصدير،‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬جدوى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التخصص‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭.‬
وقد‭ ‬تدفع‭ ‬تغيرات‭ ‬الأسعار‭ ‬دولة‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬إنتاجها‭ ‬نحو‭ ‬سلع‭ ‬مختلفة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬هذه‭ ‬الأسعار‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬كما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬جدوى‭ ‬تعديل‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬سياسات‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬عوائد‭ ‬تصديرية‭ ‬متقلبة‭.‬
وتشير‭ ‬دراسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬شهدت‭ ‬تقلبات‭ ‬سنوية‭ ‬ملحوظة‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬سلعة‭ ‬معينة‭ ‬تبقى‭ ‬عرضة‭ ‬لعوامل‭ ‬خارجية‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭ ‬القومي،‭ ‬والسيولة،‭ ‬ومسار‭ ‬التنمية‭.‬
استقرار‭ ‬اقتصادي

ومن‭ ‬هنا‭ ‬ظهر‭ ‬اتجاه‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬درجة‭ ‬التخصص،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬مؤقت‭ ‬في‭ ‬الدخل‭ ‬الحقيقي،‭ ‬مقابل‭ ‬تحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬منتقدو‭ ‬التخصص‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يكرّس‭ ‬تبعية‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬نمواً‭ ‬لإنتاج‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬تدهور‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬أسعارها‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسلع‭ ‬الصناعية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬طُرحت‭ ‬آراء‭ ‬تقليدية‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬التحسن‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬نتيجة‭ ‬خضوعها‭ ‬لقانون‭ ‬تناقص‭ ‬الغلة،‭ ‬بخلاف‭ ‬المنتجات‭ ‬الصناعية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬دعماً‭ ‬كافياً‭ ‬لهذا‭ ‬الطرح،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬اتجاهات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬حيث‭ ‬تتأثر‭ ‬أسعار‭ ‬التبادل‭ ‬بعوامل‭ ‬هيكلية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ضعف‭ ‬مرونة‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬تدهور‭ ‬شروط‭ ‬التبادل‭ ‬لصالح‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً،‭ ‬ويعزز‭ ‬من‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مبدأ‭ ‬التخصص‭ ‬المطلق‭.‬
للحديثة‭ ‬بقية

رجوع لأعلى