بين التوسع والعجز… حدود النمو في السياسات الاقتصادية الحديثة
لا خلاف على أن تحقيق النمو الاقتصادي يتطلب زيادة في وسائل الدفع تتناسب مع التوسع في الإنتاج، إذ إن غياب هذه الزيادة قد يقود إلى حالة من الانكماش تعرقل مسار التنمية. ومع ذلك، يصعب العثور في التاريخ الاقتصادي على مثال واضح توقفت فيه التنمية بشكل كامل بسبب الانكماش، فحتى خلال فترة الانكماش التي شهدتها الولايات المتحدة بين عامي 1873 و1896، واصل الاقتصاد الأمريكي نموه بمعدل بلغ نحو 24 % كل عشر سنوات.
وقد تركزت مظاهر الانكماش خلال تلك الحقبة في القطاع الزراعي تحديداً، حيث تراجعت أسعار المنتجات الزراعية في مقابل ارتفاع أسعار السلع الصناعية. وأسهم هذا التباين في دعم مسار التنمية، إذ عزز التوسع في القطاع الصناعي الذي يتمتع بإنتاجية أعلى. في المقابل، فإن الانكماش الشامل الذي يشمل تراجع أسعار كل من السلع الصناعية والزراعية معاً يُعد عاملاً معيقاً للنمو الاقتصادي.
وفيما يتعلق بإمكانية اللجوء إلى التمويل بالعجز بما يتجاوز مجرد زيادة وسائل الدفع لمواكبة ارتفاع الطلب، فإن ذلك يظل ممكنًا بشرط توافر العملات الأجنبية أو الحصول على مساعدات خارجية، ما يسمح بزيادة الواردات لتغطية الطلب المتنامي الناتج عن الضغوط التضخمية.
الموارد المالية
ويرى بعض الاقتصاديين أن التجارب التاريخية، لاسيما خلال فترات الحروب العالمية، أظهرت قدرة الدول على تعبئة موارد مالية ضخمة لتغطية نفقات الحرب، وهو ما يثير تساؤلًا حول إمكانية توظيف القدرة ذاتها لتمويل الاستثمارات في أوقات السلم. وقد نجحت بعض النماذج، مثل التجربة السوفييتية، في تحقيق ذلك، ولكن ضمن إطار اقتصادي حدّ بشكل كبير من دور القطاع الخاص وقيد توافر السلع.
وفي ظل مثل هذه الأنظمة، تميل النقود إلى أن تصبح فائضة عن الحاجة الفعلية، وهو ما لفت انتباه عدد من الدول، خصوصاً في آسيا. ومع ذلك، أشارت تقارير اقتصادية إلى وجود حدود لقدرة الدول على تطبيق هذا النهج، خاصة أن التمويل بالعجز يتطلب جهازاً إدارياً واسعاً وقادراً على ضبط الأسعار. كما يحذر العديد من الاقتصاديين الغربيين من التوسع في استخدام التضخم كوسيلة لتمويل الاستثمارات، نظراً لما قد يترتب عليه من اختلالات اقتصادية واسعة النطاق.
قيود السياسة المالية التوسعية
تواجه السياسات المالية التوسعية حدوداً عملية فيما يمكن أن تقدمه لتعزيز تكوين رأس المال العيني، إذ تظل المحافظة على الثقة في العملة، داخلياً وخارجياً، أولوية لا يمكن تجاوزها. فالتوسع التضخمي لا يقتصر أثره على ارتفاع الأسعار محليًا، بل يمتد ليؤدي إلى زيادة الواردات، واختلال ميزان المدفوعات، ومن ثم الضغط على سعر الصرف وتدهوره.
وفيما يتعلق بالسياسة الضريبية، تختلف أولوياتها بين الدول النامية والمتقدمة؛ ففي الأولى تبرز اعتبارات العدالة والقدرة على الدفع، بينما تميل الثانية إلى التركيز على سهولة التحصيل نتيجة التحديات الإدارية. ومع ذلك، ينبغي في الحالتين تصميم هيكل ضريبي يحقق توازناً دقيقاً بين دعم تكوين رأس المال والحد من الضغوط التضخمية، وذلك من خلال كبح الاستهلاك، خاصة الاستهلاك الكمالي وغير المنتج، والحد من الاستثمارات غير ذات الجدوى الاقتصادية. وغالباً ما يتجه هذا الهيكل نحو الاعتماد على ضرائب الاستهلاك إلى جانب ضرائب الدخل.
نظام الضريبة
إلا أن ضرائب الدخل قد لا تكون دائمًا محفزة للمستثمرين، إذ يمكن أن تحد من قدرتهم على الادخار وإعادة استثمار الأرباح، كما أن تطبيقها بكفاءة يتطلب مستوى مرتفعاً من الوعي الضريبي لدى المكلفين، إلى جانب جهاز إداري يتمتع بالكفاءة والنزاهة، وفي البيئات ذات الدخول المنخفضة،ترتفع تكلفة تحصيل الضرائب بشكل عام، ما يحد من فعاليتها.
وعندما تتسع الفجوة بين مستويات الدخل، يصبح من الضروري تبني نظام ضريبي تصاعدي، لا سيما إذا كانت الفئات ذات الدخل المرتفع تميل إلى الإنفاق الكمالي، حيث يسهم رفع العبء الضريبي عليها في تقليص هذا النوع من الاستهلاك وتوجيه الموارد نحو الاستثمار.
غير أن التمييز بين الاستثمار المنتج وغير المنتج يظل مسألة معقدة في التطبيق العملي، ما يجعل الضرائب على الأرباح التجارية خيارًا مفضلًا من حيث سهولة التحصيل. وقد يستدعي الأمر أيضًا فرض ضرائب مباشرة على الاستهلاك، مع مراعاة اختلاف آثارها باختلاف مستويات الدخل والمناطق.
أما الضرائب العقارية، فهي واسعة الانتشار في العديد من الدول النامية، ولها ما يبررها من حيث المبدأ، إلا أن فعاليتها قد تتراجع بسبب قدرة كبار الملاك على التهرب أو التأثير في آليات التطبيق. ونظراً للصعوبات المرتبطة بفرض الضرائب على الدخل أو الأراضي، تميل العديد من الاقتصادات الأقل تطوراً إلى الاعتماد بشكل أكبر على ضرائب الاستهلاك، خصوصاً تلك المفروضة على الواردات، إلى جانب فرض ضرائب على الصادرات.
التمويل بالعجز ومخاطرهم
يتضح أن إشكالية التمويل بالعجز لا تقتصر على الجوانب الفنية، بل ترتبط أساساً بمحاولات التوسع الاقتصادي بما يفوق قدرة الاقتصاد القومي على الاستيعاب. وغالبًا ما تنشأ هذه الضغوط نتيجة التوسع المتزامن في مشروعات التنمية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، إلى جانب سياسات دعم الأسعار والأجور. كما يُعزى جانب من الاختلال إلى أنماط استهلاكية مرتفعة في بعض الدول، حيث اعتادت مجتمعاتها على مستويات معيشية لا تنسجم دائمًا مع الموارد المتاحة.
وفي الاقتصادات الأقل تطورًا، تتفاقم التحديات المرتبطة بالسياسة الضريبية، نظرًا لانخفاض معدلات الادخار وضعف الميل الحدي له، فضلًا عن تأثير النزعة إلى تقليد أنماط الاستهلاك في الاقتصادات المتقدمة، ما يؤدي إلى ارتفاع الطلب الاستهلاكي بوتيرة تفوق أو توازي الإنتاج. ويزيد من تعقيد المشهد حاجة هذه الدول إلى استثمارات كبيرة في رأس المال العيني، خاصة في البنية التحتية كشبكات النقل، بهدف رفع الإنتاجية.
كما تختلف قدرة الدول على احتواء التضخم بين الاقتصادات النامية وتلك الأقل تطوراً؛ ففي حين تمتلك الأولى أدوات أفضل بفضل ارتفاع معدلات الادخار وتوافر رأس المال العام ومرونة عناصر الإنتاج، تجد الثانية نفسها أمام تضخم أكثر حدة وصعوبة في السيطرة على آثاره، بل وقد يصبح في بعض الحالات أمراً شبه حتمي.
وفي هذا السياق، تبدو الدول الأقل تطوراً أكثر عرضة لمخاطر عدم الاستقرار، حيث يتطلب تفادي التضخم لديها مزيجًا من الحظ والانضباط الاقتصادي. أما اللجوء إلى تسريع التنمية عبر التوسع في العجز دون ضوابط، فقد يقود إلى اختلالات حادة وربما أزمات اقتصادية عميقة.
التجارة الخارجية بين مزايا التخصص ومخاطر التقلب
تشير نظرية الميزة النسبية إلى أن التخصص الدولي في الإنتاج يحقق مكاسب متبادلة، من خلال خفض التكاليف وزيادة الإنتاج. وتفترض هذه النظرية أن الفوائض الإنتاجية تتجه أساساً نحو التصدير، بما يعزز كفاءة تخصيص الموارد. كما أن اختلاف معدلات النمو بين الدول لا ينعكس فقط على أسعار التبادل، بل يمتد ليؤثر في هيكل العلاقات التجارية نفسها.
ومع ذلك، تبرز اتجاهات فكرية تدعو إلى حماية الصناعات الناشئة، معتبرة أن افتراضات نظرية التخصص لا تصمد دائماً أمام واقع الأسواق غير المستقرة. فالتقلبات الحادة في أسعار السلع، خاصة في أسواق التصدير، تقلل من جدوى الاعتماد على التخصص طويل الأجل.
وقد تدفع تغيرات الأسعار دولة ما إلى إعادة توجيه إنتاجها نحو سلع مختلفة، إلا أن عدم استقرار هذه الأسعار يجعل من الصعب التعويل على هذا التوجه مستقبلاً، كما يحد من جدوى تعديل أنماط الاستهلاك المحلي أو سياسات تكوين رأس المال بناءً على عوائد تصديرية متقلبة.
وتشير دراسات اقتصادية إلى أن أسعار عدد من السلع شهدت تقلبات سنوية ملحوظة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهو ما يعني أن الدول المتخصصة في سلعة معينة تبقى عرضة لعوامل خارجية لا تملك السيطرة عليها، الأمر الذي ينعكس على مستويات الدخل القومي، والسيولة، ومسار التنمية.
استقرار اقتصادي
ومن هنا ظهر اتجاه يدعو إلى تقليص درجة التخصص، حتى وإن أدى ذلك إلى تراجع مؤقت في الدخل الحقيقي، مقابل تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والسيطرة على الاقتصاد الوطني. كما يرى منتقدو التخصص أنه قد يكرّس تبعية الدول الأقل نمواً لإنتاج المواد الأولية، التي غالباً ما تعاني من تدهور نسبي في أسعارها مقارنة بالسلع الصناعية.
وفي المقابل، طُرحت آراء تقليدية تفيد بأن أسعار المواد الأولية تميل إلى التحسن على المدى الطويل نتيجة خضوعها لقانون تناقص الغلة، بخلاف المنتجات الصناعية. إلا أن الواقع العملي لا يقدم دعماً كافياً لهذا الطرح، إذ تشير المعطيات إلى اتجاهات أكثر تعقيداً، حيث تتأثر أسعار التبادل بعوامل هيكلية، من بينها ضعف مرونة الإنتاج في الاقتصادات الأقل تطوراً، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تدهور شروط التبادل لصالح الاقتصادات الأكثر تقدماً، ويعزز من الدعوات إلى إعادة النظر في مبدأ التخصص المطلق.
للحديثة بقية