بين الشفافية والمخاطر كيف تتحقق موثوقية البيانات المالية
في كثير من المنازعات القضائية، يُختصم مراقب الحسابات في دعاوى تنشأ بين المساهمين والشركات، حيث يُوجَّه أحيانًا جزء من المسؤولية إليه على اعتبار أن عليه تحميله مسؤولية المخالفات الناتجة عن إدارة الشركة. ومن هنا تأتي أهمية فهم دور مراقب الحسابات وآلية عمله لتحديد ما إذا كان قد وقع عليه تقصير أو مخالفات أثناء أداء مهامه. وستقتصر هذه الدراسة الموجزة على الشركات المساهمة كونها الأكثر تعرضًا لهذا النوع من النزاعات.
مسؤولية إدارة الشركة
إدارة الشركة تتحمل المسؤولية الكاملة عن إعداد وعرض البيانات المالية بطريقة عادلة وفق المعايير الدولية للتقارير المالية، كما تقع على عاتقها مسؤولية وضع نظام رقابة داخلية يضمن إعداد بيانات خالية من الأخطاء المادية سواء كانت ناجمة عن خطأ أو غش.
فمجلس الإدارة هو المسؤول عن كل أعمال الشركة، ويقتصر دور مراقب الحسابات على ما يعرض عليه من بيانات. وقد نظم القانون رقم (1) لسنة 2016 مسؤولية إدارة الشركات المساهمة، حيث نصت المادة (181) على أن:
«يتولى إدارة الشركة مجلس إدارة، يبين عقد الشركة طريقة تكوينه وعدد أعضائه ومدة العضوية فيه، ولا يجوز أن يقل عدد أعضاء المجلس عن خمسة، وتكون مدة العضوية ثلاث سنوات قابلة للتجديد».
كما نصت المادة (184) على أن:
«لمجلس الإدارة أن يزاول جميع الأعمال التي تقتضيها إدارة الشركة وفق أغراضها، ولا يحد من هذه السلطة إلا ما نص عليه القانون أو عقد الشركة أو قرارات الجمعية العامة. ويبين عقد الشركة مدى سلطة مجلس الإدارة في الإقتراض ورهن عقارات الشركة وعقد الكفالات والتحكيم والصلح والتبرعات».
وأكدت المادة (201) أن:
«رئيس مجلس الإدارة وأعضاؤه مسؤولون تجاه الشركة والمساهمين والغير عن جميع أعمال الغش أو إساءة استعمال السلطة وعن كل مخالفة للقانون أو لنظام الشركة، وعن الخطأ في الإدارة».
وبالتالي، فإن مجلس الإدارة المنتخب من المساهمين هو المسؤول عن إدارة الشركة والمعاملات التي تتم فيها، وليس مراقب الحسابات، الذي تقتصر مسؤوليته على إصدار تقريره المحاسبي وإبداء رأيه في عدالة المركز المالي ونتائج الأعمال وفق المعايير الدولية، معتمدًا على البيانات والمصادقات التي يقدمها له قسم الإدارة، مثل المصادقات البنكية وغيرها.
مسؤولية مراقب الحسابات
مراقب الحسابات الخارجي يلتزم بإبداء الرأي الفني على البيانات المالية بناءً على أعمال التدقيق التي أجراها وفق معايير التدقيق الدولية، والتي تتطلب الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وتخطيط وأداء أعمال التدقيق للحصول على تأكيد معقول بأن البيانات المالية خالية من الأخطاء.
دوره يقتصر على إصدار تقرير للمساهمين يتضمن رأيه في البيانات المالية، بينما تظل إدارة الشركة مسؤولة عن إعداد وعرض هذه البيانات التي تشمل المركز المالي، قائمة الدخل الشامل، قائمة التغيرات في حقوق الملكية، قائمة التدفقات النقدية، والإيضاحات المرفقة. وهو ما ينطبق عالميًا، ونصت عليه المادة (14) من القانون رقم (103) لسنة 2019 بشأن مزاولة مهنة مراقب الحسابات.
التزامات مراقب الحسابات وآلية عمله
يتعين على مراقب الحسابات الالتزام بعدد من المعايير والإجراءات لضمان أداء مهامه المهنية بشكل صحيح، ومن أبرزها:
● تطبيق معايير التدقيق الدولية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمحاسبين بما لا يتعارض مع أحكام وقوانين الدولة.
● اتباع قواعد السلوك وآداب المهنة والمعايير الفنية ذات الصلة.
● الالتزام بالأنظمة الصادرة من الجهات الرقابية المختصة والامتثال للواجبات المحددة بالقوانين واللوائح.
● إخطار الإدارة المختصة بأي تعديل أو تغيير في بياناته خلال ثلاثين يومًا من حدوثه، ولا يجوز الاحتجاج بهذه التغييرات قبل الإخطار.
● مزاولة المهنة شخصيًا أو عبر شركة أو مكتب مرخص خلال ستة أشهر من الحصول على الترخيص، مع إمكانية تمديد الفترة بموافقة لجنة القيد.
● إخطار الإدارة المختصة عند التوقف عن مزاولة المهنة، مؤقتًا أو دائمًا، وتوضيح أسباب ومدة التوقف إذا كانت مؤقتة.
● تزويد العملاء عند الطلب بأسماء العملاء الذين قدم لهم خدماته.
● التفرغ التام لمزاولة المهنة، مع إمكانية القيام بأعمال أخرى لا تتعارض مع قواعد المهنة.
● توثيق اسمه الشخصي برقم القيد في جميع المطبوعات والمراسلات والتقارير، وعدم إنابة شخص آخر في التوقيع.
● تصفية جميع المعاملات والالتزامات عند التوقف عن المهنة بشكل نهائي أو إذا كان التوقف قد يضر بالعملاء أو الغير.
● الاحتفاظ بالسجلات والملفات وأوراق العمل للمدة القانونية، والتي لا تقل عن عشر سنوات، والاستمرار في الاحتفاظ بها أثناء الدعاوى القضائية حتى صدور الحكم النهائي.
● تقديم المعلومات المطلوبة للجهات الرقابية ضمن حدود القانون المعمول به في دولة الكويت.
● التأمين ضد الأخطار المهنية لدى شركات التأمين المرخصة وفق اللوائح التنفيذية.
● تطوير القدرات المهنية والتدريب المستمر وفق المعايير الدولية والتعليمات التنفيذية.
وبالتالي، فإن مراقب الحسابات ليس مفتشًا يُدخل للشركة للبحث عن مخالفات، وإنما يلتزم بالعمل وفق معطيات ومستندات تقدمها له الإدارة ويؤدي مهامه بناءً على مقتضيات المهنية والشرف المهني.
آلية عمل مراقب الحسابات
يعتمد مراقب الحسابات في أداء مهامه على تصميم إجراءات تدقيق محددة بناءً على تقييم المخاطر، ويتم تحديد حجم العينات التي تُفحص وفق هذا التقييم، أي أنه لا يفحص المعاملات بنسبة 100%.
كما يوجه المدقق استفسارات محددة للإدارة حول المعلومات الواردة في البيانات المالية، ويحصل من الإدارة على خطاب تمثيل يُقرّ فيه المسؤولون بتحمل مسؤولية إعداد البيانات المالية، ويؤكدون صحتها واكتمالها وعدم إخفاء أي معلومات عنه.
وتشكل نتائج اختبارات التدقيق، وردود الإدارة على الاستفسارات، وخطابات التمثيل الصادرة عن الإدارة، الأدلة الثبوتية التي يستند إليها المدقق لتكوين رأيه حول البيانات المالية للشركة وفق المعايير الدولية للتدقيق.
قيود التدقيق وفق المعايير الدولية
يجدر التنويه أولاً بأن المعايير الدولية للتدقيق تحدد عددًا من القيود والمحددات التي تؤثر على مهمة المدقق، ومن أبرزها ما يلي:
1. معيار التدقيق الدولي رقم (240) – مسؤولية الرقابة والاحتيال
● تقع على عاتق المكلفين بالرقابة في المنشأة مسؤولية ضمان وضع أنظمة رقابة داخلية والمحافظة عليها، لتوفير تأكيد معقول بموثوقية التقارير المالية والامتثال للقوانين والأنظمة المطبقة.
● يجب على المكلفين بالرقابة الأخذ بعين الاعتبار احتمال تجاوز الإدارة لأنظمة الرقابة أو التأثير غير المناسب على عملية إعداد البيانات المالية.
● هدف التدقيق، وفق معيار التدقيق الدولي رقم (200)، هو تمكين المدقق من إبداء رأيه حول ما إذا كانت البيانات المالية قد أُعدت من جميع النواحي المادية وفق إطار محدد لتقديم البيانات المالية.
● وبسبب الطبيعة الذاتية للتدقيق، فإن بعض الأخطاء الجوهرية قد لا يتم اكتشافها حتى عند تنفيذ التدقيق بشكل كامل وفق المعايير الدولية، خصوصًا إذا تضمن الاحتيال تلاعبًا متعمدًا من الإدارة أو التواطؤ معها.
● مخاطرة عدم اكتشاف البيانات المالية غير الصحيحة الناتجة عن الاحتيال أكبر من تلك الناتجة عن الأخطاء غير المتعمدة، إذ يشمل الاحتيال خططًا منظمة لإخفاء المعلومات، مثل التزوير أو الإخفاق المتعمد في التسجيل أو التحريف في المستندات.
2. معيار التدقيق الدولي رقم (250) – الاعتبارات القانونية
● تقع على عاتق الإدارة مسؤولية تطبيق أنظمة الحوكمة لضمان أن أنشطة ومعاملات المنشأة تمت وفق مواد القانون والتشريعات المطبقة، بما في ذلك الالتزام بالإفصاح عن المبالغ المطلوبة ضمن البيانات المالية.
● عادةً ما يُستند في تقييم ما إذا كان إجراء أو معاملة قد تؤدي إلى عدم الالتزام بالقانون إلى استشارات قانونية من الأشخاص المخولين والمختصين، ويكون البت النهائي في المحاكم المختصة.
3. معيار التدقيق الدولي رقم (550) – الأطراف ذات الصلة
● يشير إلى أنه من غير المتوقع أن يتمكن المدقق من التعرف على جميع المعاملات مع الأطراف ذات الصلة خلال مهمة التدقيق، نظرًا لطبيعة العمل وقيوده.
الخلاصة
● قيود التدقيق لا تعني أن مراقب الحسابات غير مسؤول عن الأخطاء أو الإهمال، فالمراقب المسجل لدى سجل هيئة أسواق المال يخضع لعقوبات الهيئة، إضافة إلى الالتزام بالقانون رقم (13) لسنة 2019 بشأن مزاولة مهنة مراقبة الحسابات.
● طبيعة التدقيق تعتمد على عينات واختبارات محددة، مما يعني أن بعض المخاطر الجوهرية أو الاحتيالات قد تبقى غير مكتشفة، وهذا ما يعرف مهنيًا ودوليًا بـ «الخطر المتأصل» في عملية التدقيق.