تأثير السياسات النقدية على حركة الأسهم المتداولة في الأسواق المالية
تشير النظريات الاقتصادية الحديثة إلى وجود تأثير واضح للسياسات النقدية على حركة الأسهم المتداولة في الأسواق المالية. ففيما يتعلق بعرض النقود، تؤكد نظرية (Q Theory) على وجود علاقة إيجابية بين زيادة المعروض النقدي وحجم التداول في الأسهم، إذ يؤدي توسع السيولة إلى ارتفاع أسعار الأصول المالية، ويحفز المستثمرين على زيادة مشترياتهم، ما ينعكس على نشاط الأسواق ويزيد من حركة الأسهم المتداولة. ويظهر هذا الأثر من خلال نموذج المحفظة الاستثمارية، حيث تنتقل صدمات السياسة النقدية مباشرة إلى الأسواق المالية عبر أسعار الأسهم.
أما فيما يخص التضخم، فهو يشكل عامل ضغط على الأسواق نتيجة فقدان النقود لوظيفتها كمخزن للقيمة، ما يدفع المستثمرين للبحث عن بدائل مثل الأسهم لتعويض تآكل القوة الشرائية. وتتنوع الآراء الاقتصادية حول تأثير التضخم على الأسهم إلى اتجاهين:
العلاقة الإيجابية: تقوم على فرضية فيشر، حيث يمكن للأسهم أن تعمل كأداة للتحوط من التضخم، خصوصاً إذا بقيت معدلات الفائدة الاسمية مستقرة، فيزداد تداول الأسهم لتعويض انخفاض القيمة الحقيقية للنقود.
العلاقة السلبية: وفقاً لفرضية (Proxy) لفاما، يرتبط التضخم بعلاقة عكسية مع التداول، إذ يؤدي ارتفاع معدلات التضخم إلى رفع الفائدة من قبل البنك المركزي لامتصاص السيولة الزائدة، ما يثبط الاستثمار والإنتاج ويؤثر سلباً على أسعار الأسهم وحجم تداولها.
وعليه، يسعى البحث الحالي إلى دراسة العلاقة العملية بين معدلات التضخم وحجم تداول الأسهم للشركات خلال الفترة من 2000 إلى 2020 ضمن مجموعة من الدول المختارة، لتوضيح أثر السياسة النقدية على الأسواق المالية.
العلاقة بين سعر الصرف والأسهم المتداولة
يشكل سعر الصرف أحد المتغيرات الاقتصادية الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر على حركة الأسهم المتداولة في الأسواق المالية. إذ تؤدي التغيرات في أسعار الصرف إلى تقلبات في قيمة الأصول، وقدرة الشركات على المنافسة، والتسعير بالعملة الأجنبية، ما ينعكس في النهاية على أرباح الشركات وقيمة أسهمها المتداولة. ويمكن تلخيص أهم مظاهر تأثير سعر الصرف على الأسهم في النقاط التالية:
المخاطر التجارية: تنتج عن التزامات الشركات بتلقي أو دفع مدفوعات مستقبلية بالعملات الأجنبية، ما يعرضها لتقلبات محتملة في قيمة هذه الالتزامات.
المخاطر التمويلية: تواجه الشركات متعددة الجنسيات صعوبة في دمج تقاريرها المالية مع الشركات التابعة لها، خاصة عند المقارنة بالعملات الأجنبية.
المخاطر الاقتصادية: تتعلق بالتغير في التدفقات النقدية المستقبلية والتكاليف الرأسمالية نتيجة تقلبات سعر الصرف غير المتوقعة، ما يؤثر على التقييم العام للشركات.
تحليل المتغيرات الاقتصادية والسياسة النقدية
المعروض النقدي بالمعنى الواسع (X1):
يمثل حجم السيولة المحلية، بما في ذلك الودائع الجارية، ومدخرات الأفراد، ونقد التداول، والودائع المصرفية المختلفة. ويستخدم لمراقبة السيولة الاقتصادية، ويزيد مع ارتفاع الإصدار النقدي ونمو الائتمان المصرفي. على سبيل المثال، أظهرت بيانات الصين للفترة 2000 – 2020 متوسط معروض نقدي يبلغ 7.26 مليار دولار، مع أعلى قيمة بلغت 214,766.37 مليار دولار عام 2020، بينما سجلت ماليزيا أقل متوسط معروض نقدي بقيمة 1.06 مليار دولار خلال نفس الفترة.
سعر الصرف الحقيقي (X2):
يعكس القوة الشرائية للعملة المحلية مقارنة بالعملة الأجنبية ويحسب من خلال سعر الصرف الاسمي ومعدلات التضخم بين الدول. ويتيح هذا المؤشر قياس قدرة الشركات على المنافسة عالميًا وتأثير تقلبات العملات على قيم الأسهم. حيث كانت تايلند أفضل الدول من حيث متوسط سعر الصرف الحقيقي للفترة 2000 – 2020، بمتوسط 34.25 دولار، مقابل ماليزيا التي سجلت أقل متوسط 0.48 دولار.
أثر التضخم على الأسهم المتداولة
يشير التضخم (X3) إلى الارتفاع المستمر في مستويات الأسعار، سواء نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج أو نمو الكتلة النقدية بشكل يفوق نمو السلع والخدمات. ويؤدي التضخم إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، ويظهر تأثيره على الشركات من خلال زيادة تكاليف التشغيل وانخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين، كما قد يتفاقم نتيجة الظواهر الطبيعية أو السياسية مثل الحروب أو الحصار الاقتصادي.
ويُظهر تحليل مؤشر التضخم للبلدان المختارة خلال الفترة 2000 – 2020 اختلافًا واضحاً في مستويات التضخم:
● البرازيل: سجلت أعلى معدل تضخم بمتوسط 6.20%، وأقصى قيمة 14.71% عام 2003، وأقل قيمة 3.21% عام 2020، بمعدل نمو مركب سلبي -3.67%.
● تايلند: أقل البلدان في مؤشر التضخم بمتوسط 1.80 %، وأعلى قيمة 5.47 % عام 2008، وأدنى قيمة -0.90 % عام 2015، بمعدل نمو مركب سلبي -2.94 %.
العلاقة بين المعروض النقدي والتضخم
والأسهم المتداولة
توضح نتائج الدراسة للبلدان المختارة العلاقة بين المعروض النقدي وسعر الصرف والتضخم وحجم الأسهم المتداولة:
البرازيل: العلاقة بين المعروض النقدي والأسهم المتداولة إيجابية ومعتبرة، فزيادة المعروض النقــدي بنسبة 1 % تــؤدي إلى ارتفــاع الأسهـم المتـداولة بنسبـة 0.68 %. بينما لم تُظهر بيانات سعر الصرف أو التضخم علاقة معنويــة بالأسهـم المتداولة.
● الصين: العلاقة بين المعروض النقدي والأسهم المتداولة قوية وإيجابية، فزيادة المعروض بنسبة 1 % تؤدي إلى زيادة الأسهم المتداولة بنسبة 1.71 %، دون تأثير معنوي لسعر الصرف أو التضخم على الأسهم.
● تايلند: العلاقة بين المعروض النقدي والأسهم المتداولة إيجابية لكن ضعيفة، حيث تؤدي زيادة المعروض النقدي بنسبة 1% إلى ارتفاع الأسهم المتداولة بنسبة 0.06%، مع غياب أي تأثير معنوي لسعر الصرف أو التضخم.
● جنوب أفريقيا: العلاقة بين المعروض النقدي والأسهم المتداولة عكسية ومعنوية، فزيادة المعروض النقدي بنسبة 1 % تؤدي إلى انخفاض الأسهم المتداولة بنسبــة 0.44 %.
● ماليزيا: العلاقة بين المعروض النقدي والأسهم المتداولة أيضًا عكسية ومعنوية، فزيادة المعروض النقدي بنسبة 1 % تؤدي إلى انخفاض الأسهم المتداولـة بنسبـة 0.78 %.
وتُظهر هذه النتائج أن المعروض النقدي يمثل العامل الأكثر تأثيرًا على حركة الأسهم المتداولة مقارنة بسعر الصرف والتضخم، مع اختلاف قوة التأثير بين البلدان حسب سياساتها النقدية واستقرار أسواقها المالية.