تاسي يفقد 175 نقطة تحت ضغط بيعي واسع
أنهى المؤشر العام لسوق الأسهم السعودية «تاسي» تعاملات جلسة الثلاثاء على تراجع ملحوظ، في جلسة اتسمت بسيطرة اللون الأحمر على غالبية القطاعات والأسهم المدرجة، في مشهد يعكس بوضوح تنامي الضغوط البيعية واتساع عمليات جني الأرباح، خصوصاً على الأسهم القيادية والقطاعات الكبرى ذات التأثير المباشر على حركة المؤشر.
وجاء إغلاق السوق في المنطقة السلبية رغم محاولة قطاع الطاقة توفير بعض التوازن، إلا أن هذا الدعم ظل محدوداً وغير قادر على امتصاص الهبوط الجماعي الذي شمل البنوك والمواد الأساسية والاتصالات، وهي قطاعات تمثل ثقلاً رئيسياً في تركيبة المؤشر العام. وفي ظل هذه المعطيات، بدت الجلسة أقرب إلى إعادة تسعير واسعة للمخاطر، وسط ترقب المستثمرين لمسار السوق في الجلسات المقبلة، ومدى قدرته على استعادة التوازن بعد هذه الضغوط.
اتساع الضغوط
المؤشر العام أنهى الجلسة متراجعاً بنسبة 1.55 %، فاقداً 175.08 نقطة، ليغلق عند مستوى 11087.54 نقطة، في تراجع يعكس هشاشة الزخم الصاعد الذي حاول السوق الحفاظ عليه خلال الجلسات الماضية. وعلى الرغم من أن هذا المستوى لا يزال بعيداً عن بعض مناطق الدعم الأعمق، فإن طريقة الهبوط وتوزعه القطاعي تشير إلى أن السوق لا يمر فقط بجني أرباح محدود، بل يواجه ضغوطاً أكثر شمولاً.
ويبدو أن ما زاد من وطأة التراجع هو أنه لم يأت نتيجة هبوط قطاع واحد أو سهم ثقيل فقط، بل جاء نتيجة موجة بيع شبه جماعية شملت معظم القطاعات، وهو ما يجعل الصورة أكثر حساسية من مجرد تراجع اعتيادي في مسار التداولات اليومية.
سيولة حاضرة
ورغم التراجع، فإن الجلسة لم تكن ضعيفة من حيث النشاط، إذ تجاوزت قيمة التداولات 5.70 مليار ريال، من خلال تداول 287.56 مليون سهم، موزعة على 519.43 ألف صفقة. وهذه الأرقام تكشف أن السوق لم يفقد زخمه التشغيلي، بل إن السيولة كانت حاضرة بوضوح، لكن وجهتها مالت بصورة أكبر نحو التسييل والخروج الجزئي أو إعادة التموضع.
وهذه النقطة بالذات تعد مهمة في قراءة الجلسة، لأن انخفاض السوق في ظل سيولة مرتفعة نسبياً يحمل دلالة مختلفة عن الهبوط في بيئة تداول ضعيفة. فالأولى تعني أن المستثمرين يتخذون قرارات فعلية بإعادة ترتيب مراكزهم، بينما الثانية قد تكون مجرد تذبذب عابر ناتج عن ضعف المشاركة. ومن هنا، فإن ما شهده «تاسي» الثلاثاء يكتسب طابعاً أكثر جدية من مجرد تراجع فني محدود.
ضغط قطاعات
اللافت في الجلسة أن القطاعات الكبرى كانت في مقدمة المتراجعين، وهو ما ضاعف من أثر الهبوط على المؤشر العام. فقد تصدر قطاع الإعلام والترفيه قائمة الخسائر بنسبة 5.11 %، في تراجع حاد يعكس استمرار هشاشة هذا القطاع أمام موجات المضاربة والبيع السريع.
لكن الأهم من ذلك كان تراجع قطاع المواد الأساسية بنسبة 2.18 %، وهو قطاع يمثل أحد أعمدة السوق السعودية نظراً لارتباطه بالشركات الصناعية والبتروكيماوية الكبرى. وجاء هذا الهبوط في وقت لا تزال فيه الأسواق تراقب تحركات أسعار السلع والمواد الأولية، إضافة إلى توقعات الطلب العالمي، ما يجعل القطاع حساساً لأي تغيرات في المزاج الاستثماري.
كما انخفض قطاع الاتصالات بنسبة 1.48 %، في إشارة إلى أن الضغوط لم تقتصر على الأسهم الدورية فقط، بل امتدت إلى القطاعات الدفاعية نسبياً. وتلاه قطاع البنوك بتراجع نسبته 1.41%، وهو تطور بالغ الأهمية لأن القطاع المصرفي يمثل وزناً ثقيلاً في «تاسي»، وأي تراجع جماعي في أسهمه ينعكس مباشرة على أداء المؤشر.
استثناء الطاقة
في المقابل، انفرد قطاع الطاقة بالارتفاع، وإن كان بشكل هامشي للغاية بلغ 0.01% فقط، ليكون القطاع الوحيد الذي تمكن من الإفلات من موجة التراجع. ورغم أن هذه النسبة لا تمثل صعوداً مؤثراً من الناحية الرقمية، فإنها تحمل دلالة معنوية مهمة، مفادها أن بعض الأسهم الكبرى المرتبطة بالطاقة ما زالت قادرة على التماسك في وجه الضغوط.
ويبدو أن هذا التماسك يرتبط بالثقل الاستثماري الذي تمثله شركات الطاقة في السوق السعودية، وعلى رأسها أرامكو، إضافة إلى الطابع الدفاعي النسبي لبعض هذه الأسهم في أوقات التقلب. إلا أن هذا الدعم بقي محدود الأثر، لأن بقية القطاعات لم تُظهر أي قدرة موازية على امتصاص الهبوط.
هبوط واسع
ومن أبرز ما ميز الجلسة أن التراجع لم يكن انتقائياً، بل كان واسع النطاق. فقد شهدت السوق انخفاض 249 شركة مدرجة، مقابل ارتفاع 14 شركة فقط، في حين استقرت أسعار 6 أسهم دون تغيير.
وهذا التوزيع يعكس حالة من الضعف الشامل، إذ لم تترك موجة البيع مجالاً واسعاً للأسهم كي تتحرك بشكل منفصل عن الاتجاه العام. وغالباً ما يُقرأ هذا النوع من التراجع على أنه علامة على سيطرة مزاج دفاعي في السوق، حيث يفضل المستثمرون تقليص انكشافهم بدلاً من اقتناص الفرص في المدى القصير.
كما أن هذا الاتساع في عدد الأسهم المتراجعة يضيف بعداً نفسياً مهماً إلى الجلسة، إذ يعزز من حذر المتعاملين في الجلسات التالية، خصوصاً إذا لم تظهر محفزات قوية قادرة على استعادة الثقة سريعاً.
رابحون محدودون
ورغم الأجواء السلبية، فإن بعض الأسهم نجحت في التحرك إيجابياً مدفوعة بعوامل خاصة. فقد تصدر سهم «سي جي إس» قائمة الأسهم المرتفعة بعد صعوده بنسبة 6.10 % ليصل إلى 7.3 ريال، في أداء يعكس نشاطاً مضاربياً وانتقائياً على بعض الأسهم الصغيرة والمتوسطة.
كما ارتفـع سهـم «شمس» بنسبـة 2.84 %، في استمرار لتحركاته النشطة التي غالباً ما تجذب المضاربين. أما سهم «المملكة القابضة»، فقد كان من أبرز الأسهم اللافتة في الجلسة، بعدما صعد بنسبة 2.49 % ليغلق عند 9.88 ريال.
وجاء هذا الصعود مدعوماً بإعلان الشركة توقيع اتفاقية مع شركة «سمو العقارية» لإدارة تطوير البنية التحتية وتسويق وبيع أراضٍ سكنية وتجارية في مدينة الرياض، وهو إعلان حمل طابعاً تشغيلياً واستثمارياً واضحاً، ومنح السهم زخماً إيجابياً في جلسة سادها التراجع.
كما سجلت أسهم القطاع الصحي أداءً جيداً نسبياً، إذ ارتفع سهم «أفالون فارما» بنسبة 1.66 %، بينما صعد سهم «جمجوم فارما» بنسبة 1.53%، في إشارة إلى استمرار شهية المستثمرين تجاه بعض أسهم الرعاية الصحية، باعتبارها أقل ارتباطاً بدورات التذبذب التقليدية في السوق.
خسائر ضاغطة
في المقابل، قاد سهم «الدوائية» قائمة التراجعات بعد هبوطه بنسبة 7.64 % ليغلق عند 29 ريالاً، وذلك تزامناً مع إعلان موافقة هيئة السوق المالية على طلب الشركة زيادة رأس مالها عبر منح أسهم مجانية.
وعلى الرغم من أن زيادة رأس المال عبر المنح غالباً ما تُقرأ إيجابياً من حيث تعزيز القاعدة الرأسمالية، فإن رد فعل السوق أظهر أن المستثمرين نظروا إلى الخبر من زاوية مختلفة في المدى القصير، ربما بسبب إعادة تقييم السهم بعد المكاسب السابقة، أو نتيجة مخاوف من أثر الخطوة على التسعير الحالي.
ويعكس هذا السلوك جانباً مهماً من طبيعة السوق، حيث لا تكون الأخبار الإيجابية كافية وحدها لدفع الأسهم إلى الصعود إذا جاءت في بيئة عامة يغلب عليها الحذر والضغوط البيعية.
نشاط أرامكو
وعلى مستوى الأسهم الأكثر نشاطاً من حيث القيمة، تصدر سهم «أرامكو السعودية» المشهد بسيولة بلغت 621.92 مليون ريال، ليغلق عند 27.52 ريال مرتفعاً بنسبة طفيفـة بلغت 0.07 %.
ولا تكمن أهمية هذا الأداء في قيمة التداول فقط، بل أيضاً في أن السهم أنهى الجلسة عند أعلى مستوى له خلال 52 أسبوعاً، ما يعكس استمرار الثقة الاستثمارية به، وقدرته على الحفاظ على جاذبيته حتى في جلسات التراجع.
وجاء سهم «الراجحي» في المرتبة الثانية من حيث السيولة، بقيمة تداول بلغت 417.15 مليون ريال، إلا أنه تراجع بنسبة 2.06 %، ما أضاف ثقلاً سلبياً واضحاً على المؤشر العام، بالنظر إلى الوزن الكبير الذي يتمتع به السهم داخل السوق.
نشاط كمي
أما من حيث حجم التداول، فقد تصدر سهم «أمريكانا» قائمة الأسهم الأكثر نشاطاً بعد تداول 45.94 مليون سهم، ليغلق منخفضاً بنسبة 0.54 % عند 1.85 ريال.
ويعكس هذا النشاط الكمي المرتفع استمرار جاذبية السهم للمتعاملين، سواء من المضاربين أو المستثمرين قصيري الأجل، خصوصاً في ظل أسعاره المنخفضة نسبيًا مقارنة ببقية الأسهم النشطة. إلا أن بقاء السهم في المنطقة السلبية يؤكد أن النشاط المرتفع لا يعني بالضرورة وجود اتجاه صاعد، بل قد يكون أحياناً مرآة لحالة التدوير السريع والضغط البيعي.
مستويات حساسة
ومن الزوايا اللافتة في جلسة الثلاثاء أيضاً، تسجيل عدد من الأسهم مستويات سعرية حساسة، سواء من حيث القمم أو القيعان. ففي الوقت الذي أغلق فيه سهم أرامكو عند أعلى مستوى له خلال 52 أسبوعاً، سجلت عدة أسهم أخرى قيعاناً تاريخية أو أدنى مستوياتها خلال عام.
وشملت هذه الأسهم «تمكين» عند 43.22 ريال، و«أسمنت نجران» عند 5.92 ريال، و«أسمنت الجوف» عند 4.72 ريال، و«تهامة» عند 14.08 ريال، و«دراية» عند 20.84 ريال.
كما سجلت أسهم «الوسائل الصناعية» و«نايس ون» و«محطة البناء» و«ذيب» أدنى مستوياتها السنوية خلال التداولات، في تطور يعكس اتساع الضغوط خارج نطاق الأسهم القيادية، ويمتد إلى شرائح متنوعة من السوق.
وهذه التحركات ليست مجرد أرقام فنية، بل تعكس أيضاً حالة من إعادة التسعير التي قد تكون مرتبطة بمراجعة المستثمرين لتوقعات الأرباح أو لمستويات المخاطر في بعض الشركات والقطاعات.