تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تجربة‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي

VGY31

يمثل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والسوق،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬آلية‭ ‬لتوزيع‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬حاكمة‭ ‬تحدد‭ ‬اتجاه‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ودرجة‭ ‬تدخل‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬برزت‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬نقاشات‭ ‬اقتصادية‭ ‬معمقة‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬طرح‭ ‬نظرية‭ ‬القمع‭ ‬المالي‭ ‬لرونالد‭ ‬ماكينون‭ ‬عام‭ ‬1973،‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬تصوراً‭ ‬تقليدياً‭ ‬للدولة‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬اليد‭ ‬القوية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭.‬
وفق‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬تقوم‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بتحديد‭ ‬أسعار‭ ‬فائدة‭ ‬منخفضة‭ ‬بشكل‭ ‬مصطنع،‭ ‬غالباً‭ ‬دون‭ ‬مستوى‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم،‭ ‬مع‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬الائتمان‭ ‬عبر‭ ‬نسب‭ ‬احتياطي‭ ‬مرتفعة‭ ‬وآليات‭ ‬تقنين‭ ‬صارمة‭ ‬للقروض‭. ‬ويهدف‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تراها‭ ‬الدولة‭ ‬ذات‭ ‬أولوية‭ ‬تنموية‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬تمويل‭ ‬العجز‭ ‬العام‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬رغم‭ ‬وجاهته‭ ‬النظرية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬معين،‭ ‬يحمل‭ ‬آثاراً‭ ‬هيكلية‭ ‬سلبية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬أهمها‭:‬
تشويه‭ ‬تخصيص‭ ‬رأس‭ ‬المال‭: ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬توجيه‭ ‬المدخرات‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بل‭ ‬تخضع‭ ‬لمعايير‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الإنتاجية‭ ‬العامة‭.‬
تراجع‭ ‬الحافز‭ ‬الادخاري‭: ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬انخفاض‭ ‬العائد‭ ‬الحقيقي‭ ‬على‭ ‬المدخرات‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬الميل‭ ‬نحو‭ ‬الادخار،‭ ‬وبالتالي‭ ‬إضعاف‭ ‬تراكم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الضروري‭ ‬للنمو‭ ‬المستدام‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬نشأ‭ ‬الاتجاه‭ ‬المقابل‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬التحرير‭ ‬المالي،‭ ‬أي‭ ‬تقليل‭ ‬القيود‭ ‬الحكومية‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬وتحرير‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«اليد‭ ‬الخفية‮»‬‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

من‭ ‬القمع‭ ‬المالي‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬القيود‭ ‬المالية

رغم‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬القمع‭ ‬المالي‭ ‬وُضعت‭ ‬أساساً‭ ‬لوصف‭ ‬تجارب‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬بدقة‭ ‬التجربة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬والصين‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬القمع‭ ‬الشامل،‭ ‬تبنت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬شكلاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـنموذج‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬الموجهة‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬الدولة‭ ‬بإلغاء‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬قمعه‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬تتدخل‭ ‬بشكل‭ ‬انتقائي‭ ‬ومنظم‭ ‬بهدف‭ ‬معالجة‭ ‬اختلالات‭ ‬السوق‭ ‬وتعزيز‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭. ‬ويمكن‭ ‬وصف‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬هنا‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬يد‭ ‬عون‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬‮«‬يد‭ ‬قمع‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تعمل‭ ‬على‭:‬
●‭ ‬توجيه‭ ‬الائتمان‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬الاستراتيجية‭.‬
●‭ ‬تقليل‭ ‬المنافسة‭ ‬المفرطة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الأرباح‭.‬
●‭ ‬دعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬السوق‭ ‬يتقلب‭ ‬بحرية‭ ‬مطلقة‭.‬

الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬القمع‭ ‬
المالي‭ ‬والقيود‭ ‬المالية

يمكن‭ ‬فهم‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬النموذجين‭ ‬عبر‭ ‬عدة‭ ‬مستويات‭ ‬تحليلية‭:‬

●‭ ‬طبيعة‭ ‬الأرباح‭:‬
في‭ ‬القمع‭ ‬المالي،‭ ‬تستحوذ‭ ‬الدولة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الفوائض‭ ‬المالية،‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬تُترك‭ ‬الأرباح‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬لتُعاد‭ ‬استثمارها،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬النمو‭ ‬التراكمي‭.‬

●‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭:‬
في‭ ‬نموذج‭ ‬القمع‭ ‬المالي،‭ ‬يكون‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقي‭ ‬سالباً‭ ‬أو‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬الصفر،‭ ‬مما‭ ‬يثبط‭ ‬الادخار‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬القيود‭ ‬المالية،‭ ‬يبقى‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬موجباً،‭ ‬مما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬الحافز‭ ‬الادخاري‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬تدخل‭ ‬حكومي‭.‬

●‭ ‬التعمق‭ ‬المالي‭:‬
القيود‭ ‬المالية‭ ‬لا‭ ‬تعيق‭ ‬تطور‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬بل‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تعميقه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬وتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الائتمان‭ ‬المنظم‭.‬

أثر‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي

أحد‭ ‬أهم‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬نفسه‭. ‬فعندما‭ ‬يتم‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬المفرطة‭ ‬بين‭ ‬البنوك،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬والقروض،‭ ‬ينشأ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«حق‭ ‬الامتياز‭ ‬المصرفي‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭:‬
●‭ ‬تعزيز‭ ‬استقرار‭ ‬أرباح‭ ‬البنوك‭.‬
●‭ ‬رفع‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬الائتمانية‭.‬
●‭ ‬زيادة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الإشراف‭ ‬الداخلي‭ ‬على‭ ‬القروض‭.‬
●‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬العوائد‭ ‬المصرفية‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الودائع،‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬النظامية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬المنافسة‭ ‬المفرطة،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬البنوك‭ ‬إلى‭ ‬سلوكيات‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭ ‬لتعويض‭ ‬انخفاض‭ ‬الأرباح‭.‬

الأثر‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والادخار

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الإنتاجي‭ ‬والأفراد‭. ‬فعندما‭ ‬تكون‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬مستقرة‭ ‬وموجهة،‭ ‬يتم‭ ‬نقل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الفوائد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الإنتاجي،‭ ‬مما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭:‬
●‭ ‬تحسين‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬بين‭ ‬التمويل‭ ‬والاستخدام‭ ‬الإنتاجي‭.‬
●‭ ‬تقليل‭ ‬فجوة‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الائتمان،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بمشكلة‭ ‬عدم‭ ‬تماثل‭ ‬المعلومات‭.‬
●‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفراد،‭ ‬فإن‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬ووجود‭ ‬عوائد‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬يعزز‭ ‬الميل‭ ‬نحو‭ ‬الادخار،‭ ‬مما‭ ‬يرفع‭ ‬مستوى‭ ‬تراكم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل‭.‬

السياسة‭ ‬الائتمانية‭ ‬الموجهة‭ ‬ونموذج‭ ‬التصدير

من‭ ‬السمات‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬اعتماد‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ«الائتمان‭ ‬الموجه‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬نحو‭ ‬قطاعات‭ ‬ذات‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬قطاع‭ ‬التصدير‭ ‬والصناعات‭ ‬التحويلية‭.‬
وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬اللاتيني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬إحلال‭ ‬الواردات،‭ ‬إذ‭ ‬اعتمدت‭ ‬الصين‭ ‬على‭:‬
●‭ ‬دعم‭ ‬الصناعات‭ ‬التصديرية‭.‬
توجيه‭ ‬التمويل‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬ذات‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬الدولية‭.‬
●‭ ‬ربط‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬بأهداف‭ ‬النمو‭ ‬الخارجي‭.‬

حدود‭ ‬النظرية‭ ‬وإشكالية‭ ‬التحول‭ ‬المؤسسي

رغم‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬سريع،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يطرح‭ ‬إشكالية‭ ‬أساسية‭:‬
●‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬كـ‮«‬يد‭ ‬موجهة‮»‬‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬يد‭ ‬مهيمنة‮»‬‭ ‬تعرقل‭ ‬آليات‭ ‬السوق؟
●‭ ‬يرى‭ ‬المنظّرون‭ ‬أن‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬تدريجياً‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬بيد‭ ‬جماعات‭ ‬مصالح‭ ‬مكتسبة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشوهات‭ ‬مؤسسية‭ ‬جديدة‭ ‬بدل‭ ‬إزالتها‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬النظرية‭ ‬لم‭ ‬تتناول‭ ‬بشكل‭ ‬كافٍ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والمحليات‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬السلطة‭ ‬المالية،‭ ‬وهو‭ ‬عنصر‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬لاحقاً‭.‬

تطور‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬والمالي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ (‬1978–2003‭)‬

شهد‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الصيني‭ ‬تحولات‭ ‬تدريجية‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬سياسة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬ويمكن‭ ‬تقسيمها‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬مراحل‭ ‬رئيسية‭:‬
1‭. ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ (‬1978–1993‭)‬
اتسمت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بفصل‭ ‬أولي‭ ‬للسلطات‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والمحليات،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬باعتبارها‭ ‬المحرك‭ ‬الرئيسي‭ ‬للنمو‭. ‬وقد‭ ‬سادت‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‮«‬اللامركزية‭ ‬المالية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬تتمتع‭ ‬بهامش‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭.‬

2‭. ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ (‬1994–2002‭)‬
شهدت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬المالية‭ ‬النسبية‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬أكثر‭ ‬انضباطاً،‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬العلاقة‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والمحليات،‭ ‬وتطبيق‭ ‬نظام‭ ‬ضريبي‭ ‬أكثر‭ ‬مركزية،‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬التنموي‭ ‬نفسه‭.‬

3‭. ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭ (‬منذ‭ ‬2003‭)‬
بدأت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬اتسمت‭ ‬بتعميق‭ ‬الإصلاحات‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الرقابة‭ ‬المؤسسية،‭ ‬وتطوير‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬توازناً‭ ‬أفضل‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والسوق‭.‬

نظام‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬وتحول‭ ‬الإيرادات

اعتمدت‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الإصلاح‭ ‬المبكر‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬معقد‭ ‬لتوزيع‭ ‬الإيرادات‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬والحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬فصل‭ ‬الإيرادات‭ ‬والنفقات‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬تطور‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬عبر‭ ‬مرحلتين‭:‬
●‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭: ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬تحديد‭ ‬تحويلات‭ ‬مالية‭ ‬ثابتة‭ ‬من‭ ‬المحليات‭ ‬إلى‭ ‬المركز،‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬من‭ ‬المركز‭ ‬إلى‭ ‬المحليات‭ ‬حسب‭ ‬الحاجة‭.‬
●‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭: ‬تحديد‭ ‬نسب‭ ‬مئوية‭ ‬ثابتة‭ ‬من‭ ‬الإيرادات‭ ‬تُحول‭ ‬سنوياً‭ ‬بين‭ ‬المستويين‭ ‬الحكوميَّين،‭ ‬وفق‭ ‬اعتبارات‭ ‬الميزانية‭ ‬والاحتياجات‭ ‬التنموية‭.‬
كما‭ ‬شمل‭ ‬النظام‭ ‬تحديد‭ ‬مصادر‭ ‬دخل‭ ‬مختلفة‭ ‬لكل‭ ‬مستوى‭ ‬حكومي،‭ ‬حيث‭ ‬خُصصت‭ ‬عوائد‭ ‬المؤسسات‭ ‬المركزية‭ ‬والجمارك‭ ‬للحكومة‭ ‬المركزية،‭ ‬بينما‭ ‬اعتمدت‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬الضرائب‭ ‬والإيرادات‭ ‬المحلية‭.‬
وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬نظام‭ ‬مالي‭ ‬مزدوج‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬فاعلاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬رئيسياً،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬ذراع‭ ‬تنفيذية‭ ‬للحكومة‭ ‬المركزية‭.‬

رجوع لأعلى