تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحديات إصلاح الضرائب في الاقتصادات الناشئة

OK31

تؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬الأنظمة‭ ‬الضريبية‭ ‬تؤدي‭ ‬دورًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى‭. ‬ففي‭ ‬أوروبا،‭ ‬تسهم‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الزراعية‭ ‬والتجارية‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصناعية‭ ‬عقب‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬كما‭ ‬تعزز‭ ‬ترسيخ‭ ‬الممارسات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬عبر‭ ‬تمكين‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬محاسبة‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬أدائها،‭ ‬نتيجة‭ ‬شعورهم‭ ‬بالشراكة‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الضرائب‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬دخولهم‭.‬
وتتيح‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تأسيس‭ ‬شبكات‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة،‭ ‬تشمل‭ ‬الضمان‭ ‬الصحي‭ ‬وإعانات‭ ‬البطالة‭ ‬وحماية‭ ‬كبار‭ ‬السن‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الأدوات‭ ‬الضريبية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬ذاتها‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬القصور‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تبني‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬الضرائب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد،‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر،‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬كفاءة‭ ‬التحصيل‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خسارة‭ ‬سنوية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬الذاتية‭ ‬المخصصة‭ ‬لتمويل‭ ‬التنمية‭.‬
وتدخل‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الإيرادات‭ ‬وزيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الديون‭ ‬والمساعدات‭ ‬الخارجية،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬تمويل‭ ‬محلية‭ ‬مستدامة‭ ‬تدعم‭ ‬برامجها‭ ‬التنموية‭.‬
وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬مساعدات‭ ‬التنمية‭ ‬عالميًا‭ ‬يبلغ‭ ‬نحو‭ ‬130‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا،‭ ‬يذهب‭ ‬منها‭ ‬27‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬أفريقيا‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تخسر‭ ‬القارة‭ ‬وحدها‭ ‬قرابة‭ ‬90‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭ ‬بسبب‭ ‬الممارسات‭ ‬الضريبية‭ ‬غير‭ ‬السليمة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬تتنافس‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬حوافز‭ ‬ضريبية‭ ‬أكبر‭ ‬لجذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر،‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬مصدرًا‭ ‬آخر‭ ‬للهدر‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬مشاريعها‭ ‬التنموية‭ ‬ذاتيًا‭.‬
وتبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬ظاهرتا‭ ‬تجنب‭ ‬دفع‭ ‬الضرائب‭ (‬Tax Avoidance‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬الأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬ما‭ ‬يدفعونه‭ ‬بوسائل‭ ‬قانونية‭ ‬تستغل‭ ‬الثغرات‭ ‬التشريعية،‭ ‬والتهرب‭ ‬الضريبي‭ (‬Tax Evasion‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬أساليب‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭ ‬يعاقب‭ ‬عليها‭ ‬القانون،‭ ‬مثل‭ ‬تقليص‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية‭ ‬عمدًا‭ ‬أو‭ ‬تضخيم‭ ‬النفقات‭ ‬لتخفيض‭ ‬قيمة‭ ‬الضريبة‭ ‬المستحقة‭.‬
وتعد‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬قديمة‭ ‬بقدم‭ ‬الأنظمة‭ ‬الضريبية‭ ‬نفسها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬آثارها‭ ‬تختلف‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬والنامية‭. ‬ويقدّر‭ ‬معهد‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لأبحاث‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يخسر‭ ‬نحو‭ ‬500‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭ ‬نتيجة‭ ‬التجنب‭ ‬الضريبي‭. ‬كما‭ ‬تعرض‭ ‬دراسة‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬طريقتين‭ ‬لقياس‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر‭: ‬الأولى‭ ‬تقيس‭ ‬القيمة‭ ‬المطلقة‭ ‬للخسائر‭ ‬السنوية،‭ ‬والثانية‭ ‬تقيس‭ ‬نسبتها‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭.‬
وتظهر‭ ‬النتائج،‭ ‬وفق‭ ‬الأسلوب‭ ‬الأول،‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬تتصدر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة‭ ‬المطلقة‭ ‬للخسائر،‭ ‬حيث‭ ‬تتصدر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬القائمة‭ ‬بخسائر‭ ‬تقارب‭ ‬188‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا،‭ ‬تليها‭ ‬الصين‭ ‬بنحو‭ ‬66‭.‬8‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬فيما‭ ‬تسجل‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬دول‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬1‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬أما‭ ‬عند‭ ‬احتساب‭ ‬الخسائر‭ ‬كنسبة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬فتتصدر‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الدخل،‭ ‬حيث‭ ‬تحتل‭ ‬غيانا‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬الجنوبية‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬بنسبة‭ ‬6‭.‬97‭%‬،‭ ‬فيما‭ ‬تأتي‭ ‬ناميبيا‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬العاشرة‭ ‬بنسبة‭ ‬3‭.‬95‭%.‬
وتتفاقم‭ ‬مشكلة‭ ‬تجنب‭ ‬دفع‭ ‬الضرائب‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬منذ‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬تسارع‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬توسع‭ ‬فرص‭ ‬التحايل‭ ‬الضريبي،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تقلص‭ ‬قدرة‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬على‭ ‬تتبع‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬وإثباتها‭ ‬قانونيًا‭.‬
وتنشـط‭ ‬منظمـة‭ ‬التعــاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬‭(‬OECD‭) ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2013‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬دولة‭ ‬لمعالجة‭ ‬قضية‭ ‬تآكل‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية‭ ‬وتحويل‭ ‬الأرباح‭. ‬وتتضمن‭ ‬خطة‭ ‬العمل‭ ‬15‭ ‬إجراءً‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬سد‭ ‬الفجوات‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬الضريبية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬والتي‭ ‬تتيح‭ ‬حاليًا‭ ‬للشركات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬نقل‭ ‬أرباحها‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬لا‭ ‬تفرض‭ ‬ضرائب‭ ‬على‭ ‬الدخل‭ ‬أو‭ ‬تطبق‭ ‬معدلات‭ ‬منخفضة‭ ‬تُعرف‭ ‬عادة‭ ‬بـ«الملاذات‭ ‬الضريبية‮»‬‭.‬
وترى‭ ‬المنظمة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يحمل‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬للدول‭ ‬النامية،‭ ‬كونها‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بفقدان‭ ‬عوائدها‭ ‬الضريبية‭. ‬وتسعى‭ ‬الـOECD‭ ‬إلى‭ ‬إشراك‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬‮«‬أجندة‭ ‬الضريبة‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬لضمان‭ ‬مراعاة‭ ‬احتياجاتها‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬
ويحضر‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬الأجندة‭ ‬الدولية،‭ ‬إذ‭ ‬يناقشه‭ ‬الاجتماع‭ ‬السنوي‭ ‬للمنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬دافوس،‭ ‬حيث‭ ‬تُعقد‭ ‬جلسة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬فرض‭ ‬الضرائب‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭: ‬مساهمة‭ ‬عادلة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‮»‬،‭ ‬في‭ ‬مسعى‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬عملية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬تسريبات‭ ‬‮«‬أوراق‭ ‬بنما‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬مدى‭ ‬اعتماد‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬على‭ ‬الملاذات‭ ‬الضريبية‭ ‬لتقليص‭ ‬مدفوعاتها‭ ‬للدول‭ ‬المضيفة‭ ‬للاستثمار‭ ‬الأجنبي‭.‬
ومهما‭ ‬بلغت‭ ‬خسائر‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬التجنب‭ ‬والتهرب‭ ‬الضريبي،‭ ‬تبقى‭ ‬المشكلة‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭. ‬فأنظمتها‭ ‬الضريبية‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية،‭ ‬أبرزها‭ ‬ضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭ ‬الضريبية،‭ ‬وضيق‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية‭ ‬بسبب‭ ‬اتساع‭ ‬حجم‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬اقتصاداتها‭.‬
ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الضرائب‭ ‬غير‭ ‬المباشرة،‭ ‬مثل‭ ‬ضريبة‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة،‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلثي‭ ‬إجمالي‭ ‬الإيرادات‭ ‬الضريبية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يبلغ‭ ‬متوسط‭ ‬العوائد‭ ‬الضريبية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬نحو‭ ‬36‭ %‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬23‭ % ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬و17.5‭ % ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭.‬

رجوع لأعلى