تحليل الأسباب وصياغة الرؤية أساس النجاح المؤسسي
بعد الانتهاء من عملية التحليل الشامل للعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في أداء المنظمة، والوصول إلى نتائج تستند إلى بيانات دقيقة وأدوات تحليل مناسبة، يصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا تتمثل في تفسير هذه النتائج والبحث في الأسباب التي أوصلت الشركة إلى وضعها الحالي.
فـالتحـليـل الاستـراتيجـي لا يكتمل بمجـرد جمـع المعلومات ومعالجتها، بل يتطلب قراءة واعية للأسباب الكامنة وراء النجاحات أو الإخفاقات. وإذا كانت مؤشرات الأداء إيجابية، فإن تعزيز العوامل التي قادت إلى هذا النجاح يمثل خطوة منطقية لضمان استدامته. أما إذا كانت النتائج دون المستوى المتوقع أو المستهدف، فإن التعامل الجاد مع الأسباب السلبية وإزالتها أو الحد منها يصبح أولوية لا تحتمل التأجيل.
أسئلة جوهرية تكشف
مكامن القوة والخلل
لفهم الصورة كاملة، يحتاج المحلل الاستراتيجي إلى طرح مجموعة من الأسئلة المحورية والإجابة عنها بقدر عالٍ من الشفافية والموضوعية، من أبرزها:
● ما القرارات والأنشطة التي نفذتها الجهة وأسهمت في وصولها إلى وضعها الراهن؟ وهل كانت هذه القرارات صائبة أم خاطئة؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟
● هل كان الموقع الجغرافي الذي اختارته الشركة مناسباً لطبيعة نشاطها وأهدافها؟ وهل جاء التوسع أو التواجد في هذا الموقع في التوقيت الملائم؟
● إلى أي مدى أثرت ظروف السوق، إيجاباً أو سلباً، في نتائج الشركة؟ وهل امتلكت الإدارة القدرة على قراءة هذه المتغيرات والتعامل معها بكفاءة؟
● ما دور مستوى التخطيط الاستراتيجي في تحقيق النتائج الحالية؟ وهل انعكس ضعف التخطيط، إن وجد، على الأداء العام؟
● وما العوامل التي أثرت في استراتيجيات الأعمال والاستراتيجيات الوظيفية، سواء دعمتها أم أضعفت فعاليتها؟
الإجابة الدقيقة عن هذه التساؤلات تمثل حجر الأساس لأي استراتيجية مستقبلية تسعى المؤسسة إلى بنائها أو تطويرها.
من التشخيص إلى القرار
إن تحليل الأسباب لا يهدف إلى جلد الذات أو البحث عن أخطاء الماضي بقدر ما يهدف إلى اتخاذ قرارات تصحيحية أو تطويرية تعزز المسار المستقبلي. ومن أبرز القرارات التي يمكن أن تترتب على هذا التحليل:
● تعزيز الأنشطة التي أثبتت فاعليتها وأسهمت في تحقيق نتائج إيجابية، والعمل على تطويرها وتوسيع نطاقها.
● إعادة النظر في الموقع الجغرافي للشركة، سواء عبر تثبيت وجودها في موقعها الحالي أو دراسة خيار الانتقال إلى موقع أكثر ملاءمة.
● تعظيم العوامل الإيجابية المؤثرة في الأداء، ومعالجة العوامل السلبية عبر خطط تصحيح واضحة.
● مراجعة العمليات التشغيلية والأدوار الوظيفية، وإعادة هندستها عند الحاجة بما ينسجم مع أهداف الشركة ويقلل من المخاطر.
● تقييم الخطط الاستراتيجية القائمة، وتعديلها أو إعادة صياغتها بالكامل إذا استدعى الأمر ذلك.
● تحديد المسؤوليات بوضوح، سواء فيما يتعلق بالقرارات الناجحة أو تلك التي أسهمت في الإخفاق، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق متخذي القرار عند الضرورة.
● إعادة تقييم التسلسل الهرمي وآليات صنع القرار داخل المؤسسة لضمان كفاءة وسرعة وفاعلية أكبر في الاستجابة للتحديات.
● في المحصلة، فإن فهم الأسباب التي شكلت الواقع الحالي للشركة يمثل نقطة الانطلاق الحقيقية نحو بناء استراتيجية أكثر نضجًا وواقعية، قائمة على التعلم من الماضي واستشراف المستقبل بثقة ومسؤولية.
تحديد الاتجاه الاستراتيجي… من وضوح الصورة إلى
رسم المستقبل
بعد استكمال التحليل الشامل وفهم اتجاهات الأسواق والقوى المؤثرة فيها، ومع إدراك الفرص المتاحة والتهديدات المحتملة، ونقاط القوة والضعف داخل المؤسسة، تنتقل الشركة إلى مرحلة أكثر حسماً تتمثل في تحديد اتجاهها الاستراتيجي.
في هذه المرحلة، لا تعود البيانات مجرد أرقام أو مؤشرات، بل تتحول إلى بوصلة تحدد المسار. فالإلمام بواقع السوق، ومعرفة تأثير المتغيرات الاقتصادية والتنافسية، وفهم البيئة الداخلية للعمليات، كلها عناصر تضع الإدارة أمام سؤال جوهري: إلى أين نمضي من هنا؟
من قراءة الواقع إلى صناعة الطموح
تحديد الاتجاه الاستراتيجي لا يقوم فقط على ما تكشفه التحليلات، بل يعتمد كذلك على طموح الإدارة وإيمانها بقدراتها ورؤيتها للمستقبل. فمعرفة الوضع الحالي بدقة تمنح المؤسسة أرضية صلبة للانطلاق، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب هو ترجمة هذه المعرفة إلى رؤية واضحة تعكس المكانة التي تطمح الشركة إلى بلوغها خلال السنوات المقبلة.
إن كل مؤسسة تمر بتحديات يومية وتقلبات مستمرة، غير أن وضوح الاتجاه يمنحها القدرة على التعامل مع تلك التحديات بثبات وثقة. فالشركة التي تدرك موقعها الحالي، وتفهم طبيعة رحلتها، تصبح أكثر استعداداً لمواجهة المفاجآت، وأكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرص للنمو.
صياغة الرؤية والرسالة… إعلان الهوية
الخطوة المحورية في تحديد الاتجاه الاستراتيجي تتمثل في صياغة رؤية واضحة تعبر عن الطموح المستقبلي، ورسالة دقيقة توضح الغرض الأساسي من وجود الشركة.
● الرؤية تجيب عن سؤال: أين نريد أن نكون؟
● أما الرسالة فتوضح: لماذا نوجد؟ وما القيمة التي نقدمها؟
من خلال الرؤية، تعلن المؤسسة موقعها الحالي وتحدد وجهتها المستقبلية، مؤكدة طموحها في الارتقاء نحو مستويات أعلى من التميز. ومن خلال الرسالة، توضح دورها في السوق، وطبيعة القيمة التي تقدمها للعملاء، وما يميزها عن منافسيها، وكيف تسعى إلى تحقيق رضا أصحاب المصلحة، من عملاء وموردين ومستثمرين وشركاء.
القيم والثقافة… الأساس الذي لا يُرى
لا يكتمل الاتجاه الاستراتيجي من دون تحديد القيم والثقافة المؤسسية التي تحكم السلوك والقرارات داخل الشركة. فالقيم تعكس ما تؤمن به المؤسسة، والثقافة تحدد طريقة العمل والتفاعل مع مختلف الأطراف. وعندما تكون القيم واضحة ومتجذرة، فإنها تصبح مرجعاً في اتخاذ القرار، وضماناً للاتساق بين القول والفعل.
أفق زمني واضح
عادة ما يُبنى الاتجاه الاستراتيجي ليغطي أفقاً زمنياً متوسط المدى، قد يمتد لثلاث سنوات أو أكثر، وفق طبيعة القطاع وحجم التحديات. وخلال هذه الفترة، تشكل الرؤية والرسالة والقيم الإطار المرجعي الذي تنبثق عنه الاستراتيجيات والخطط التنفيذية.
وبذلك، فإن تحديد الاتجاه الاستراتيجي يمثل الخطوة الأساسية في بناء استراتيجية متكاملة، إذ يضع الأساس الفكري والعملي الذي تنطلق منه جميع القرارات اللاحقة، ويمنح المؤسسة وضوحاً في الهدف، وثباتاً في المسار، وقدرة على تحقيق طموحاتها بثقة واستدامة.
الرؤية والرسالة… الركيزة الفكرية للاتجاه الاستراتيجي
بعد تحديد الاتجاه العام للمؤسسة، تأتي مرحلة صياغة الرؤية والرسالة بوصفهما الإطار الذي يحدد ملامح المستقبل ويُعرّف هوية الشركة ودورها في السوق.
أولاً: تحديد الرؤية
الرؤية هي التصور المستقبلي لما تطمح الشركة إلى تحقيقه. إنها الصورة التي ترسمها المؤسسة لنفسها في الأفق البعيد، والطموح الذي تسعى إلى بلوغه خلال السنوات المقبلة.
تمثل الرؤية بياناً موجهاً يحدد النجاح الذي تتطلع إليه الجهة على المدى الطويل، ويوضح أهدافها الاستراتيجية بعيدة الأجل. وعندما تكون الرؤية واضحة ومقنعة، فإنها توحد جهود العاملين حول هدف مشترك، وتوفر مرجعاً ثابتاً في عملية صنع القرار وتطوير الاستراتيجيات.
بمعنى آخر، الرؤية تجيب عن سؤال: كيف نريد أن تبدو شركتنا في المستقبل؟