تحولات الطاقة العالمية وأمن أوروبا في مواجهة الأزمة الروسية–الأوكرانية
شهدت تجارة الغاز الطبيعي المسال في عام 2023 تغيرات بارزة على المستوى العالمي، حيث سجل الحوض الأطلسي قفزة نوعية في التدفقات نحو أوروبا، متجاوزًا حوض المحيط الهادئ لأول مرة في التاريخ. وقد جاء هذا النمو مدفوعًا بزيادة الإمدادات من الولايات المتحدة، إضافة إلى روسيا (الجزء الأوروبي)، الجزائر، النرويج، أنغولا والكاميرون.
وفقًا للبيانات، استحوذ الحوض الأطلسي على نحو 156 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال خلال 2023، ما يعادل 39 % من إجمالي الإمدادات العالمية، مقابل 151 مليون طن للحوض الهادئ، بما يمثل 38 % من الإجمالي. وفي التفاصيل، سجلت الولايات المتحدة أكبر ارتفاع بعد اندلاع الأزمة، إذ ارتفعت حصتها من 18 % إلى 21%، بينما ظلت حصة روسيا مستقرة عند نحو 5.2 إلى 5.3 %، في حين انخفضت حصص نيجيريا من 4.4 % إلى 3.2 %. الجزائر حافظت على استقرار حصتها عند 3.2 %. أما في الحوض الهادئ، فظل كل من أستراليا وماليزيا وإندونيسيا المسيطرين الرئيسيين على التدفقات.
الغاز المسال كأداة جيوسياسية
بعد اندلاع الأزمة الروسية – الأوكرانية، أصبح الغاز الطبيعي المسال أداة استراتيجية وجيوسياسية، خاصة في أوروبا، حيث أدى توتر العلاقات مع روسيا إلى البحث عن مصادر بديلة لتأمين الطاقة. الأزمة أعادت تشكيل خريطة الطاقة العالمية، مضيفة بعداً سياسياً ودبلوماسياً جديداً على تجارة الغاز.
منذ بداية الأزمة في 2022، بدا تأثيرها واضحًا على سوق الغاز الطبيعي المسال، سواء على مستوى العلاقات الدولية أو على العرض والطلب. ويبرز السؤال الرئيسي اليوم: كيف يمكن أن يسرّع تصاعد التوترات الدولية دور الغاز الطبيعي المسال ضمن أدوات السياسة الخارجية ودبلوماسية الطاقة، لا سيما في دول الاتحاد الأوروبي؟
جيوسياسية الغاز الطبيعي المسال وتأثيرها على أوروبا
بالنسبة للأوروبيين، يُعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 أكبر تحدٍ للنظام الأمني الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثر بشكل مباشر على المبادئ التي تقوم عليها العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال بدل خطوط الأنابيب الروسية ساهم في تجاوز القيود الجغرافية والجيوسياسية جزئياً.
قبل الأزمة، لم يكن الاتحاد الأوروبي يدرك مدى إمكانية استخدام خطوط الأنابيب لممارسة الضغوط عليه، ما جعل الغاز المسال يُنظر إليه كحل سريع لتعويض النقص في الإمدادات، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء 2022/2023.
لكن الغاز الطبيعي المسال ليس بمنأى عن الجيوسياسية، إذ يقتصر الإنتاج على نحو 20 دولة حول العالم، ومن بين هذه الدول الثلاث الرئيسة التي تمتلك طاقة إنتاجية كبيرة هي: قطر، الولايات المتحدة، وأستراليا. ويعد تأثير هذه الدول الثلاث كبيراً على العرض والطلب العالمي، إذ يمثل الغاز الأسترالي حصة محدودة في السوق الأوروبية، بينما تصل الإمدادات القطرية والأميركية بكميات أكبر، ما يعزز قدرة هذه الدول على التأثير في السياسات الأوروبية.
الغاز الطبيعي المسال الأميركي، على وجه الخصوص، جاء لتعويض الغاز الروسي، خاصة عبر خط «نورد ستريم2»، ووصفت الولايات المتحدة هذا الغاز بـ «غاز الحرية»، حيث قامت في مارس 2022 بتوريد 15 مليار متر مكعب إضافية إلى الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن هذه الكميات لم تكن نتيجة اتفاقيات ثنائية، بل جاء توجيه الغاز حسب أعلى الأسعار المدفوعة في السوق الأوروبية، مما يترك المجال لتوزيع الإمدادات عالمياً حسب الطلب.
في الوقت نفسه، أثار قانون خفض التضخم الأميركي (IRA)، الذي يمنح إعفاءات ضريبية لتكنولوجيا الطاقة النظيفة، قلق الاتحاد الأوروبي بشأن تأثيره على صناعته النظيفة، خاصة في وقت حرج من تحول الطاقة. وفي أغسطس 2023، احتفلت إدارة بايدن بالذكرى السنوية الأولى للقانون، الذي يُعد جزءًا من أجندة الرئيس الاقتصادية لتعزيز النمو من الداخل إلى الخارج، وخفض تكاليف الطاقة والرعاية الصحية للمواطنين، وتحقيق هدف خفض الانبعاثات بنسبة 50-52% أقل من مستويات 2005 بحلول 2030، مع إطلاق فرص جديدة للطاقة النظيفة والتصنيع.
المنافسة بين روسيا والولايات المتحدة على الغاز الأوروبي
بعد اندلاع الصراع في أوكرانيا، استغلت الولايات المتحدة الغاز الطبيعي المسال الأميركي كأداة استراتيجية ضد روسيا، خصوصًا بعد بناء الأخيرة خط أنابيب نورد ستريم 2 لتجاوز أوكرانيا ودول العبور الأخرى. امتد المشروع لمسافة 745 ميلاً بتكلفة 11 مليار دولار، وكان من المفترض أن يصل إلى ساحل بحر البلطيق في ألمانيا، إلا أن تشغيله تأخر بسبب متطلبات الجهات التنظيمية الألمانية.
تمت الموافقة على المشروع من قبل الحكومة الألمانية في 2018، واكتمل بناؤه في سبتمبر 2021، لكنه واجه تأخيرات تنظيمية وضغوط سياسية مع تصاعد التوترات الغربية مع موسكو. وعلى الرغم من تأكيد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل أن المشروع اقتصادي بحت، إلا أن الولايات المتحدة، لأسباب استراتيجية ورغبة في بيع المزيد من الغاز الطبيعي، عارضت إنشاء الخط. وفي 2019، صوّت الكونغرس الأميركي على فرض عقوبات على الشركات المشاركة في المشروع، ما أدى إلى تأجيل تشغيله بشكل كبير.
يرى البعض أن مشروع نورد ستريم 2 كان سيزيد من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، ما يجعلها أكثر عرضة للضغوط من موسكو، ولذلك عملت الولايات المتحدة على ترويج الغاز الطبيعي المسال الأميركي كبديل سريع وموثوق. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل الصراع في أوكرانيا، كانت هناك حرب تجارية مستترة ضد الغاز الروسي، وبخاصة مشروع نورد ستريم 2، حيث بذلت واشنطن ودول شرق أوروبا مثل أوكرانيا وبولندا جهودًا مستمرة لضمان عدم نجاح المشروع ومواجهة النفوذ الروسي في قطاع الطاقة.
هذا السياق يوضح الدور الكبير الذي لعبته السياسة الخارجية الأميركية ودبلوماسية الطاقة في إقناع ألمانيا بالتحول نحو الغاز المسال، ويبرز كيف أن التأخر في بناء محطات استقبال الغاز المسال كان خطوة استراتيجية حساسة في الأمن الطاقي الأوروبي.