تحولات سوق الغاز العالمي بعد الأزمة الأوكرانية
استناداً إلى المعطيات الحالية والتحديات التي تواجهها المشاريع الروسية الجديدة قيد التطوير، يبدو من الصعب تشغيل هذه المنشآت ضمن الجداول الزمنية المقررة لها. كما ستواجه موسكو صعوبات في تسويق إنتاجها داخل الموانئ الأوروبية، ما لم تنجح في إبرام شراكات فعّالة مع الجانب الصيني لتوفير التقنيات المطلوبة وضمان تسويق الإنتاج مستقبلاً، وهي احتمالية لا تزال محاطة بدرجة عالية من عدم اليقين.
وبناءً على ذلك، من المتوقع أن تبقى صادرات روسيا من الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى السوق الأوروبية عند مستوياتها الحالية مع نمو طفيف حتى عام 2027، بشرط عدم إدراج المحطات العاملة حالياً (Yamal LNG وPortovaya وVysotsk) ضمن قوائم العقوبات الأوروبية والأميركية، لتستقر الكميات بين 20 و22 مليار متر مكعب سنوياً.
وقد تتمكن روسيا من تعزيز صادراتها إلى أوروبا إذا نجحت في تشغيل محطة Arctic LNG وتوجيه إنتاجها إلى الأسواق الآسيوية، ما يتيح تحرير كميات إضافية من إنتاج المحطات العاملة كانت مخصصة لتلك الأسواق، وتحويلها لاحقاً إلى السوق الأوروبي.
توجه أوروبا للتوسع في استيراد الغاز الطبيعي المسال وتأثيراته على السوق العالمي
مع اندلاع الأزمة الروسية-الأوكرانية مطلع عام 2022، سارعت عدة دول أوروبية إلى الإعلان عن خطط لبناء مرافئ جديدة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب تنفيذ توسعات في المرافئ القائمة، بهدف زيادة القدرة الاستيعابية للشحنات وتعويض الانخفاض الحاد في الواردات الروسية.
ولضمان البدء الفوري في استيراد الغاز المسال من الأسواق العالمية، توجهت أوروبا إلى استخدام المرافئ العائمة الخاصة باستقبال وتخزين وإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال (FSRU). وتتمثل هذه المرافق في ناقلات مجهزة بصهاريج تبريد لتخزين الغاز المسال، إضافة إلى وحدات لتحويله إلى حالته الغازية عبر التسخين، ويتم ربطها بالمنشآت الأوروبية عبر أرصفة مخصصة تُنشأ داخل الموانئ المستوردة.
لا يتطلّب إنشاء هذا النوع من المشاريع سوى فترة زمنية قصيرة مقارنة بالمرافئ البرية الثابتة (Onshore Terminals)، التي قد يستغرق إنجازها عدة سنوات. وخلال الفترة الممتدة من فبراير 2022 حتى منتصف 2024، دخلت تسعة مرافئ عائمة حيّز التشغيل داخل السوق الأوروبي، بطاقة تغويز إجمالية تبلغ 49.2 مليار متر مكعب سنوياً، منها ثمانية مرافئ في دول الاتحاد الأوروبي (ألمانيا، فنلندا، فرنسا، إيطاليا، وهولندا)، بالإضافة إلى مرفأ عائم واحد في تركيا. وتُعد ألمانيا وفنلندا أسواقاً جديدة في مجال استيراد الغاز الطبيعي المسال، إذ لم تكونا تمتلكان أي بنية تحتية لهذا النوع من الاستيراد قبل عام 2022.
وبالتوازي مع ذلك، نفّذت دول أوروبية أخرى مشاريع توسعة للمرافئ القائمة، مثل هولندا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا وكرواتيا، الأمر الذي أسهم في رفع طاقة التغويز بنحو 9.3 مليار متر مكعب سنوياً. وبهذا ترتفع الطاقة المضافة منذ فبراير 2022 من المرافئ العائمة الجديدة ومشاريع التوسعة في أوروبا إلى 58.5 مليار متر مكعب سنوياً، منها 50.8 مليار متر مكعب داخل دول الاتحاد الأوروبي وحدها.
وعلى مستوى الدول، تتصدر ألمانيا المشهد عبر تنفيذ أكبر عدد من المرافئ الجديدة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال منذ عام 2022، بطاقة تغويز إجمالية تصل إلى 16 مليار متر مكعب سنوياً. وقد سارعت برلين إلى استئجار أكثر من مرفأ عائم لتعزيز قدرتها الاستيرادية، لدخول أول مرفأ حيز التشغيل في نهاية عام 2022، تلاه تشغيل مرافئ إضافية، مع توقع بلوغ العدد الإجمالي ستة مرافئ بنهاية 2024.
كما رفعت هولندا قدرتها الاستيعابية من خلال استئجار مرفأ عائم في ميناء EemsEnergy بطاقة 9 مليارات متر مكعب سنوياً، إلى جانب توسعة محطة GATE بإضافة 4 مليارات متر مكعب سنوياً. وتلتها تركيا بطاقة تغويز تبلغ 7.7 مليارات متر مكعب سنوياً، ثم إيطاليا بـ7.45 مليارات متر مكعب، وفرنسا بـ6.5 مليارات متر مكعب، وفنلندا بـ5 مليارات متر مكعب، وبلجيكا بـ2.52 مليار متر مكعب، وكرواتيا بـ0.3 مليار متر مكعب سنوياً.
وبالإضافة إلى المشاريع الحالية، أعلنت عدة دول أوروبية عن خطط لبناء وتشغيل مرافئ إضافية من شأنها تعزيز قدرة القارة على استيراد الغاز الطبيعي المسال في السنوات المقبلة. ومن المتوقع أن ترتفع الطاقة الإجمالية للتغويز في أوروبا إلى نحو 408.6 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول عام 2030، مقارنة بـ313 مليار متر مكعب عام 2023، أي بزيادة إجمالية تقارب 30 %. وعند مقارنة هذه الزيادة بمستوى عام 2021، أي قبل اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، يتبين أن المشاريع الجديدة ستؤدي إلى رفع طاقة التغويز بنحو 60 % بحلول عام 2030.
فائض طاقة الاستيراد الأوروبية وآثار الاعتماد على المرافئ العائمة
وبموجب هذه المشاريع الجديدة، سيصبح لدى أوروبا البنية التحتية لاستيراد كل ما تحتاجه من الغاز الطبيعي المسال مستقبلاً، بل قد تفوق حتى احتياجاتها المستقبلية، كون أن الطاقة الإجمالية ستتجاوز 400 مليار متر مكعب/السنة، بينما تبلغ واردات أوروبا نحو 160 – 170 مليار متر مكعب/السنة في المتوسط، وقد تصل إلى 210 – 220 مليار متر مكعب/السنة، في حال تم الاستغناء تماما عما تبقى من إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب حوالي 49 مليار متر مكعب/السنة، وتعويضه بشحنات الغاز الطبيعي المسال، لكن من المهم الإشارة إلى أن المرافئ العائمة باتت مكون رئيسي في طاقة التغويز الأوروبية، ومن ثم يكمن الاستغناء عنها في حالة عدم جود حاجة لها مستقبلاً.
انعكاسات زيادة الطلب الأوروبي على مشاريع الغاز العالمية
وقد كان لهذا التوجه الأوروبي نحو تنويع مصادر الإمدادات والاعتماد بقوة على الغاز الطبيعي المسال لتحقيق الأمن الطاقي، انعكاساً إيجابياً على السوق العالمي، حيث عادت موجة الاستثمار في مشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة، والتي يقع أغلبها في الولايات المتحدة، حيث تم اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في أربعة مشاريع جديدة خلال عام 2022 بطاقة تصميمية إجمالية 26.3 مليون طن/السنة، بالإضافة إلى 3 مشاريع أخرى خلال عام 2023 بطاقة إجمالية 37.3 مليون طن/السنة.
الدول العربية ودورها الحالي والمستقبلي في تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي المسال
لا شك أن المنطقة العربية كانت حاضرة وبقوة في مشهد الغاز الأوروبي بعد اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، بفضل العلاقة الاستراتيجية التي تربطها بالدول الأوروبية، وخطوط النقل الممتدة من الجزائر وليبيا إلى الأسواق الأوروبية، علاة على الحصة السوقية التي تتمتع بها الدول العربية المصدرة للغاز الطبيعي المسال في السوق العالمي.
ومن هذا المنطلق، تركزت الجهود الأوروبية حول إجراء مناقشات وتفاهمات، والسعي نحو توقيع اتفاقيات أولية (Head of Agreements, HOAs)، واتفاقيات بيع وشراء سواء مع الحكومات أو الشركات الوطنية في الدول العربية، والتي سعت من خلالها إلى سد العجز الناتج عن تراجع صادرات الغاز الروسي في المدى القريب، وتأمين الإمدادات في المديين المتوسط والبعيد.
وقد بلغ عدد الاتفاقات والتفاهمات بصيغها المختلفة التي أبرمتها الشركات والدول الأوروبية مع نظيراتها العربية للتعاون في مجال الغاز والغاز الطبيعي المسال خلال الفترة من فبراير 2022 وحتى سبتمبر من العام 2024، نحو 32 اتفاقية غطت نحو 12 سوق أوروبي، منها ما كان ذو أجل فوري لتأمين الإمدادات قبل شتاء 2022/2023، ومنها ما هو متعلق بتوفير الإمدادات في المستقبل بداية من عام 2025 وما بعده.