تحولات سوق الغاز العالمي بين الصعود والتراجع الروسي
من المتوقع أن تبدأ موريتانيا مطلع عام 2025 تصدير شحنات الغاز الطبيعي المسال من المرحلة الأولى لمشروع تطوير حقل «تورتو – أحميم»، الواقع قبالة السواحل الموريتانية-السنغالية. ويُعد المشروع من أبرز حقول الغاز الجديدة في غرب أفريقيا، إذ يضم احتياطيات قابلة للاستخراج تُقدَّر بنحو 15 تريليون قدم مكعب.
وتشمل المرحلة الأولى محطة عائمة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (FLNG) بالقرب من الشاطئ بطاقة تصل إلى 2.5 مليون طن سنوياً، مع خطط لإضافة مراحل لاحقة ترفع القدرة الإجمالية للمشروع إلى نحو 10 ملايين طن سنوياً خلال السنوات المقبلة.
تعزيز الحضور العربي في
سوق الغاز الأوروبي
على مستوى أوسع، تمكنت الدول العربية من توقيع ما يقارب 15 اتفاقية جديدة متوسطة وطويلة الأجل في قطاع الغاز الطبيعي المسال، لتوريد نحو 15.6 مليون طن سنوياً (21.3 مليار متر مكعب) إلى الأسواق الأوروبية. ويعني ذلك ترسيخ حصة إضافية لهذه الدول في السوق الأوروبي على المديين المتوسط والبعيد، إلى جانب حصتها الحالية، بما يعزز مكانتها كمورد موثوق وطويل الأجل للطاقة.
الدور الروسي التاريخي وتحولات السوق الأوروبية
لعبت روسيا لعقود دوراً محورياً في تلبية الطلب الأوروبي على الغاز، ضمن شراكة اقتصادية أثمرت إنشاء بنية تحتية ضخمة تضم سبعة خطوط أنابيب، ساهمت في نقل أكثر من 300 مليار متر مكعب سنوياً إلى مختلف الأسواق الأوروبية.
ومع بدء تحرير سوق الغاز الأوروبي في أواخر التسعينات، وإعطاء أولوية للمنافسة والسعر القائم على آليات السوق، تمكنت روسيا من التكيف مع التحولات الجديدة. إذ قامت شركة Gazprom بتعديل هياكل العقود ونماذج التسعير، وتغيير الوقود المرجعي المستخدم في تحديد أسعار الغاز، الأمر الذي أتاح لها الحفاظ على حضورها والمضي في توقيع عقود جديدة مع المستهلكين الأوروبيين إلى جانب تمديد العقود القائمة.
التحولات في صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا
اعتمدت روسيا خلال العقدين الماضيين على استراتيجية توسعية ضمنت لها تعزيز صادراتها من الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى الأسواق الأوروبية. فبعد أن بلغت الصادرات نحو 133 مليار متر مكعب في عام 2000، شهدت ارتفاعاً تدريجياً لتسجل ذروتها بين عامي 2018 و2019 عند مستويات تراوحت بين 190 و195 مليار متر مكعب. ورغم هذا النمو، أدّت تداعيات جائحة كوفيد-19 لاحقاً إلى تراجع الكميات المتدفقة، ليسجل عام 2021 نحو 168 مليار متر مكعب، إضافة إلى صادرات من الغاز الطبيعي المسال بلغت قرابة 18 مليار متر مكعب. وبذلك، كانت روسيا تلبي نحو 40% من الطلب الأوروبي على الغاز، وهو ما يعكس حجم حضورها في سوق الطاقة الأوروبي قبل أزمة 2022.
إلا أنّ هذا الواقع تغيّر جذرياً مع اندلاع الأزمة الروسية – الأوكرانية مطلع عام 2022، والتي دفعت موسكو إلى اتخاذ إجراءات حدّت من تدفق الغاز إلى أوروبا. في المقابل، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تقليص اعتماده على الغاز الروسي بنسبة تصل إلى الثلثين بنهاية العام نفسه، مع التحرك نحو بدائل جديدة تضمن أمن الإمدادات على المديين القريب والبعيد، وصولاً إلى هدف الاستغناء الكامل عن الغاز الروسي بحلول عام 2027.
تغيّر مزيج الإمدادات وأثره
على السوق الأوروبية
أدّت الإجراءات الأوروبية العاجلة إلى إحداث تحولات جذرية في سوق الغاز داخل الاتحاد الأوروبي، سواء على مستوى الاستهلاك أو هيكل الإمدادات. فقد تراجع استهلاك الغاز في دول الاتحاد الأوروبي (EU-27) خلال عام 2022 إلى 356 مليار متر مكعب بانخفاض 13.8 % مقارنة بعام 2021، ثم شهد تراجعاً إضافياً بنسبة 7.3 % في 2023 ليصل إلى 330 مليار متر مكعب. وفي الوقت ذاته، ارتفعت مكانة الغاز الطبيعي المسال في المزيج الأوروبي ليشكل 42 % من إجمالي الواردات خلال عام 2023 مقارنة بـ20% فقط في 2021، بينما انخفضت حصة الغاز الـروسـي المنقول عبر الأنابيب من 41 % إلى 8 % فقط.
لكن هذه التحولات لم تكن بلا ثمن؛ إذ أدى تراجع الغاز الروسي ، الذي كان يعد الأرخص مقارنة بإمدادات الغاز الطبيعي المسال ، إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار ألحقت ضرراً كبيراً باقتصاد منطقة اليورو. كما شهد المستهلكون زيادات حادة في التكاليف، وقفز التضخم إلى مستوى تاريخي بلغ 11.5 % في أكتوبر 2022، فيما تكبّد الاتحاد الأوروبي فاتورة ضخمة لتأمين الاحتياجات بلغت 323.1 مليار يورو خلال عام 2022 وحده، وهو مبلغ يقترب من إجمالي فاتورة الاستيراد خلال خمس سنوات سابقة مجتمعة.
الانفراج النسبي في الأسعار وتكاليف أوروبا الباهظة
ومع بدء انحسار الأسعار من ذروتها خلال عام 2023، انخفضت فاتورة استيراد الغاز في أوروبا إلى 154.5 مليار يورو، أي بتراجع سنوي بلغ 52.2%. ورغم هذا الانخفاض الملحوظ، ما تزال الفاتورة أعلى بكثير مما كانت عليه في 2021، ما يعني أن أوروبا دفعت ما يقارب نصف تريليون يورو (نحو 477 مليار يورو) خلال عامي 2022 و2023 جرّاء الانخفاض الحاد في دور الغاز الروسي في مزيج الإمدادات.
أبرزت الدراسة فقدان روسيا لدورها التقليدي كأكبر مورّد للغاز إلى أوروبا، في ظل انتقال دول الاتحاد الأوروبي إلى الاعتماد بشكل أكبر على واردات الغاز الطبيعي المسال لضمان أمن الإمدادات وتفادي التعرض لأزمات مستقبلية ناجمة عن الاعتماد على مصدر واحد لتلبية جزء واسع من احتياجاتها. وقد كانت الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من هذا التحول، بعدما أصبحت خلال فترة قصيرة المورّد الأول للغاز الطبيعي المسال إلى السوق الأوروبية.
ورجّحت الدراسة أنه حتى في حال انتهاء الأزمة الروسية – الأوكرانية خلال الفترة المقبلة، فمن غير المتوقع أن تستعيد موسكو مكانتها السابقة كأهم مزود للغاز لدول الاتحاد الأوروبي أو أن تحظى بحصة سوقية وازنة تمكّنها من استخدام الغاز كورقة ضغط كما كان الوضع سابقاً. ومع ذلك، لا يبدو أن أوروبا ستتخلى بشكل كامل عن الغاز الروسي بحلول عام 2027، كما توصي المفوضية الأوروبية، نظراً لامتيازات تنافسية تتعلق بسعره مقارنة بالغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى وجود بنية تحتية جاهزة لاستقباله، واستمرار اعتماد بعض الدول الأوروبية عليه نتيجة عدم امتلاكها القدرة الكافية للوصول إلى السوق العالمي للغاز المسال.
كما أشارت الدراسة إلى أن شركة Gazprom ما زالت مرتبطة بسلسلة عقود طويلة الأجل مع شركات أوروبية، يبلغ عددها 19 عقداً تمتد غالبية آجالها إلى ما بعد 2027، بكميات تعاقدية تصل إلى 89.6 مليار متر مكعب سنوياً بحلول ذلك العام، وتنخفض إلى نحو 82 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2030. وهو ما قد يمهد لظهور خلافات جديدة بين الطرفين الأوروبي والروسي حول مستقبل هذه العقود وآلية تسويتها.
وفي هذا السياق، قدّمت الدراسة سيناريوهين محتملين لحجم صادرات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب في عام 2027. ففي السيناريو الأكثر تفاؤلاً، يُتوقع أن يستمر تدفق الغاز الروسي إلى أوروبا عند مستوى 49 مليار متر مكعب سنوياً، يخصص منها 21 مليار متر مكعب لتلبية الطلب التركي، بينما يذهب الباقي إلى دول الاتحاد الأوروبي. أما السيناريو الأقل تفاؤلاً، فيفترض انخفاض صادرات روسيا الإجمالية إلى كل من أوروبا وتركيا لتصل إلى 35 مليار متر مكعب فقط سنوياً بحلول 2027.