تحولات قطاع الطاقة الروسي تحت ضغوط الأسواق والعوامل الخارجية… قراءة في واقع النفط والغاز
يشهد قطاع النفط والغاز الروسي مرحلة معقدة تتداخل فيها المؤثرات الاقتصادية واللوجستية والتنظيمية، وسط تراجع ملحوظ في الإيرادات وتبدّل في هيكل أسواق التصدير، ما ينعكس على الموازنة الاتحادية ويعيد تشكيل دور روسيا في سوق الطاقة العالمي.
تباطؤ الإيرادات النفطية والغازية
تُظهر البيانات المالية الروسية أن قاعدة الإيرادات المرتبطة بالوقود الأحفوري –والمكوّن الرئيس للموازنة– تتعرض لانكماش مستمر. فقد سجلت إيرادات النفط والغاز خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 انخفاضًا يقارب 21% مقارنة بالعام السابق، ما يعادل تراجعًا بنحو تريليونَي روبل.
ورغم ذلك، ظل إجمالي الإيرادات الاتحادية مستقرًا نسبيًا بفعل زيادة الضرائب المحلية وتسريع إجراءات التحصيل، مع خفض ملحوظ في جانب النفقات وتأجيل بعض الالتزامات.
ضغوط على النظام
المالي المحلي
الارتفاع في الضرائب ورسوم الإنتاج حدّ من تأثير تراجع الصادرات، إلا أنه زاد الضغط على الأسواق الداخلية، وقد انعكس ذلك في ارتفاع أسعار الوقود والخدمات والمرافق الأساسية، إلى جانب زيادة ضريبة القيمة المضافة ابتداءً من عام 2026. ويُعد ذلك تحولًا نحو الاعتماد بصورة أكبر على الموارد المحلية لتغطية فجوات الإيرادات.
تراجع إيرادات الإنتاج واختبارات هيكلية
تعرضت ضرائب استخراج المعادن –الركيزة التاريخية لإيرادات قطاع النفط والغاز– لتراجع كبير، نتيجة انخفاض الأسعار العالمية وتكاليف اللوجستيات المرتفعة. كما أضعفت القيود المفروضة على النقل والتجارة قدرات الشركات على الحفاظ على مستويات الربحية السابقة، ما أدى إلى ضغوط إضافية على القطاع الداخلي.
انعكاسات على الشركات الروسية العاملة في الخارج
واجهت شركات الطاقة الكبرى في روسيا تحديات تنظيمية وتشغيلية في عدة أسواق خارجية، وهو ما أثر في قيمة الأصول الدولية لبعضها. وأدى ذلك إلى إعادة تقييم الاستثمارات الخارجية وتعديل مسارات العمل بما يتوافق مع البيئة الاقتصادية المتغيرة.
وفي المقابل، ما تزال شركات أخرى قادرة على العمل في بعض الأسواق عبر إعفاءات زمنية، لكنها تترقب تطورات قد تزيد من القيود المفروضة على تحركاتها.
تحول في خريطة
المشترين الدوليين
تواصل الصين والهند شراء النفط الروسي، لكن ذلك يتم في ظل شروط تسعير مختلفة عن السابق، مع استفادة الطرفين من وفرة الإمدادات الموجهة شرقًا. ويُعد ذلك تحولًا إستراتيجيًا في اتجاهات التجارة، لكنه يقلّص من قدرة روسيا على الاستفادة من هوامش التسعير التقليدية في الأسواق الأوروبية.
ضغوط إضافية على صادرات الغاز الطبيعي المسال
تشهد صادرات الغاز المسال الروسية تغييرات كبيرة، إذ يجري استبعادها تدريجيًا من السوق الأوروبية، ما يدفع الشركات للبحث عن أسواق بديلة في آسيا. ورغم قدرة بعض الدول الآسيوية على استيعاب جزء من الكميات، فإن شروط التسعير وهوامش الربح تبقى أقل مما كانت عليه في الأسواق التقليدية.
تأثيرات داخلية طويلة الأمد
الارتفاع في أسعار الطاقة والخدمات، وزيادة الضريبة، وتباطؤ نمو الدخل، كلها عوامل تضغط على القدرة الشرائية للمجتمع، ما يفرض تحديات على وتيرة النمو الاقتصادي المحلي. وتحتاج البنية الاقتصادية إلى تكيّف طويل الأجل لمواكبة تراجع الإيرادات الخارجية.
يمر قطاع النفط والغاز في روسيا بمرحلة انتقالية عميقة تتسم بتغيّر الأسواق، وتبدّل مسارات الإمداد، وارتفاع التكاليف، والانكماش التدريجي في العائدات الخارجية. وتُظهر هذه المرحلة مزيجًا من التحديات والفرص، إذ يعاد رسم دور روسيا في سوق الطاقة العالمي في ظل ظروف اقتصادية وجيوسياسية معقدة، ما يفرض على القطاع إعادة التكيف مع واقع جديد يقوم على مرونة أكبر وموارد داخلية أوسع.
تحولات جيو اقتصادية أوسع
يؤدي إعادة تموضع صادرات الطاقة الروسية إلى تغييرات مؤثرة في خريطة الطاقة العالمية، من أبرزها:
- تراجع القدرة على فرض تسعير مرتفع في الأسواق الخارجية.
- تضاؤل حضور الشركات الروسية في الاستثمار العالمي.
- ارتفاع تكاليف النقل نتيجة الاعتماد على أساطيل بديلة ومسارات أطول.
- انتقال مركز ثقل الصادرات من أوروبا إلى آسيا، بشروط أكثر تنافسية.
- زيادة الاعتمــاد علــى الماليـة الداخليـــة لتعويض نقص العائدات الخارجية.