تراجع الأسعار رغم استمرار التوترات الجيوسياسية
شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً خلال تعاملات الأسواق العالمية، في ظل تطورات جيوسياسية متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، كان أبرزها توصل العراق إلى اتفاق مع إقليم كردستان لاستئناف صادرات النفط عبر الأراضي التركية، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز الذي يشهد توترات عسكرية متصاعدة. ويأتي هذا التراجع في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة جهودها لإعادة فتح هذا الممر البحري الحيوي، الذي يمثل أحد أهم شرايين إمدادات الطاقة العالمية.
تراجع الأسعار
وانخفض خام «برنت» القياسي إلى ما دون مستوى 103 دولارات للبرميل، بعدما كان قد سجل مكـاسب تجاوزت 3 % في جلسة الثلاثاء، فيما استقر خام «غرب تكساس» الوسيط بالقرب من 95 دولاراً للبرميل. ويعكس هذا الأداء حالة من التذبذب الحاد في الأسواق، حيث تتأرجح الأسعار بين ضغوط الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية من جهة، ومحاولات إيجاد بدائل لوجستية لتدفق النفط من جهة أخرى. كما يعكس سلوك الأسعار حساسية السوق لأي تطور ميداني أو سياسي في المنطقة، خاصة في ظل محدودية الطاقة الفائضة لدى بعض المنتجين.
اتفاق العراق
ويمثل الاتفاق بين بغداد وأربيل خطوة مهمة لإعادة تشغيل خط الأنابيب الذي يربط حقول إقليم كردستان بميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، ما يوفر منفذاً بديلاً لصادرات النفط العراقي بعيداً عن مضيق هرمز. ويُنظر إلى هذا المسار على أنه أحد الخيارات الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في تخفيف جزء من الضغوط على الإمدادات العالمية، خاصة في أوقات الأزمات. ومع ذلك، فإن الطاقة الاستيعابية لهذا الخط، والتحديات الفنية والسياسية المرتبطة به، تجعل تأثيره محدوداً مقارنة بحجم الصادرات التي تمر عادة عبر الخليج.
تصعيد عسكري
في المقابل، أعلنت الولايات المتحدة استخدام ذخائر خارقة للتحصينات لاستهداف مواقع صواريخ كروز إيرانية مضادة للسفن قرب مضيق هرمز، في تصعيد يعكس حجم التوتر المتزايد في المنطقة. ويأتي هذا التحرك ضمن جهود تقودها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح المضيق وضمان حرية الملاحة، في ظل تصاعد التهديدات التي تطال ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة. وتواجه واشنطن في هذا السياق ضغوطاً متزايدة من الأسواق العالمية والدول المستهلكة للطاقة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لتأمين الإمدادات.
تطورات إيران
وتزامن ذلك مع تصعيد إضافي بعد إعلان إيران مقتل علي لاريجاني، أحد أبرز صناع القرار الأمني في البلاد، وهو ما يُعد تطوراً لافتاً قد ينعكس على سلوك طهران في المرحلة المقبلة. ويخشى مراقبون أن يدفع هذا الحدث إيران إلى تبني مواقف أكثر تشدداً، بما في ذلك تعزيز الضغوط على حركة الملاحة في الخليج أو استهداف مزيد من الأصول المرتبطة بالطاقة.
وفي هذا الإطار، أشار آرون ستاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية، إلى أن «مقتل لاريجاني حدث كبير، وقد يجعل إيران أكثر اندفاعاً لتعطيل تدفقات النفط»، مضيفاً أن الضغوط على الإدارة الأميركية قد تدفعها إلى مرافقة ناقلات النفط عسكرياً، وهو خيار يحمل في طياته مخاطر تصعيدية كبيرة.
تأثير محدود
ورغم أهمية إعادة توجيه الصادرات العراقية، فإن تأثير هذه الخطوة يظل محدوداً في ظل التراجع الكبير في الإنتاج. فقد انخفض إنتاج العراق، أحد كبار منتجي منظمة «أوبك»، إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نحو ثلث مستوياته قبل إغلاق مضيق هرمز. ويعكس هذا الانخفاض حجم التحديات التي تواجهها الدول المنتجة في الحفاظ على مستويات الإنتاج والتصدير في ظل الظروف الأمنية المعقدة.
ضغوط التضخم
ومنذ بداية التصعيد، سجلت أسعار النفط ارتفاعات حادة، حيث صعد خام «برنت» بنحو 70 % منذ مطلع العام، مع تحقيق الجزء الأكبر من هذه المكاسب عقب الهجمات التي استهدفت إيران في أواخر الشهر الماضي. وقد أدى هذا الارتفاع إلى زيادة تكاليف الطاقة عالمياً، حيث تجاوزت أسعار الديزل في الولايات المتحدة 5 دولارات للغالون، ما يثير مخاوف بشأن تسارع معدلات التضخم وتأثير ذلك على النمو الاقتصادي.
وتتابع البنوك المركزية حول العالم هذه التطورات عن كثب، خاصة مع انعكاس ارتفاع أسعار الطاقة على تكاليف النقل والإنتاج. وفي هذا السياق، يترقب المستثمرون نتائج اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وسط توقعات بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإشارة إلى المخاطر التضخمية المرتبطة بأسعار النفط.
آفاق السوق
وفي المجمل، تعكس تحركات أسعار النفط حالة من التوازن الحساس بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية، حيث تحاول الأسواق التكيف مع واقع جديد يتسم بارتفاع المخاطر وتعدد مراكز التوتر. وبينما توفر بعض المسارات البديلة، مثل خط الأنابيب العراقي التركي، متنفساً محدوداً، يبقى مستقبل السوق مرهوناً بتطورات المشهد الإقليمي، وخاصة ما يتعلق بمضيق هرمز.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يتوقع أن تظل أسعار النفط عرضة لتقلبات حادة خلال الفترة المقبلة، مع استمرار حالة الترقب في الأسواق لأي مؤشرات على تهدئة التوترات أو، على العكس، تصعيدها. كما سيظل العامل الجيوسياسي، إلى جانب سياسات الإنتاج والتدخلات الدولية، المحدد الرئيسي لاتجاهات أسعار الطاقة العالمية في المرحلة القادمة.