تراجع الدولار يعيد البريق لأسعار الذهب
استعادت أسعار الذهب جانباً من قوتها خلال تعاملات الأربعاء، مستفيدة من تراجع الدولار وانحسار الضغوط القادمة من أسواق السندات العالمية، بعدما ابتعدت العوائد عن مستويات تاريخية سجلتها في الجلسة السابقة. ويأتي التعافي بينما يترقب المستثمرون محضر الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بحثاً عن مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن مستقبل السياسة النقدية.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبـة 0.5 % إلى 4356.29 دولار للأوقية بحلول الساعة 09:08 بتوقيت غرينتش، في حين تحركت العقود الأ ميركية الآجلة في الاتجاه المعاكس، منخفضة 0.2 % إلى 4410.30 دولار للأوقية.
وتكشف التحركات المتباينة بين السوق الفورية والعقود الآجلة عن استمرار حالة الحذر، إذ يحاول المستثمرون الموازنة بين احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، والمخاطر الجيوسياسية التي تعزز عادة الطلب على الذهب باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة.
صدمة العوائد
وجاء صعود المعدن الأصفر بعدما تعرض لضغوط قوية الثلاثاء، عندما فقد نحو 2 % من قيمته بالتزامن مع قفزة كبيرة في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل في عدد من الاقتصادات الكبرى، من الولايات المتحدة إلى ألمانيا واليابان، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.
ويمثل ارتفاع عوائد السندات عاملاً سلبياً رئيسياً للذهب، لأن المعدن لا يقدم لحائزيه عائداً دورياً أو فائدة، وبالتالي تصبح أدوات الدين أكثر جاذبية للمستثمرين كلما ارتفعت العوائد المتاحة عليها.
لكن تباطؤ موجة بيع السندات الأربعاء سمح للعوائد بالتراجع عن قممها، بالتزامن مع انخفاض الدولار، وهو ما منح الذهب مساحة للتعافي. كما أن تراجع العملة الأميركية يجعل المعدن المقوم بالدولار أقل تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، ما يمكن أن يدعم الطلب العالمي.
وتبقى العلاقة بين الذهب والسندات شديدة الأهمية في المرحلة الحالية، خصوصاً بعد التحركات الحادة التي شهدتها أسواق الدين العالمية نتيجة المخاوف من التضخم واحتمال استمرار البنوك المركزية في سياسات نقدية أكثر تشدداً مما كانت الأسواق تتوقع سابقاً.
مسار ضبابي
ورغم مكاسب الأربعاء، فإن تحديد اتجاه واضح للذهب خلال الفترة القريبة قد يظل صعباً، في ظل وجود مجموعة من العوامل المتعارضة التي تتحكم في قرارات المستثمرين.
وقال نيكوس تزابوراس، كبير محللي الأسواق لدى «ترادو.كوم» التابعة لمجموعة «جيفريز»، إن المعدن قد يواجه صعوبة في تحديد مسار واضح على المدى القريب، إذ تتحرك الأسعار بين عوامل متضاربة، فيما توازن الأسواق بين استمرار التوترات الجيوسياسية والتغير المحتمل في مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
فمن ناحية، تمنح المخاطر السياسية والعسكرية الذهب دعماً باعتباره ملاذاً آمناً، ومن ناحية أخرى، يمكن لارتفاع التضخم أن يبقي أسعار الفائدة وعوائد السندات عند مستويات مرتفعة، وهو ما يقلص جاذبية المعدن الذي لا يدر عائداً.
ويجعل ذلك الذهب عرضة لتحركات متقلبة مع صدور كل مؤشر اقتصادي أو تصريح يتعلق بالفائدة، إذ لم تعد المخاطر الجيوسياسية وحدها كافية لتحديد الاتجاه في سوق تواجه أيضاً تحولات كبيرة في توقعات السياسة النقدية.
رهان الفائدة
وتتركز الأنظار على محضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لشهر يوليو، والمقرر صدوره في وقت لاحق الأربعاء، إذ يبحث المستثمرون عن تفاصيل تكشف مدى قلق مسؤولي البنك المركزي الأميركي من استمرار التضخم، وكيف ينظرون إلى توازن المخاطر بين الأسعار والنمو.
وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» إلى أن المتعاملين يسعرون احتمالاً يبلغ 67 % لإبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير.
وتراجعت الرهانات على رفع الفائدة بعد سلسلة من البيانات الاقتصادية الأميركية الضعيفة، وهو تطور يصب في مصلحة الذهب إذا استمر، لأن انخفاض الفائدة أو حتى تراجع احتمالات زيادتها يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن. لكن استمرار مخاطر التضخم يجعل المشهد أكثر تعقيداً. فإذا أظهر المحضر أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لا يزالون يشعرون بقلق كبير حيال الأسعار، فقد تعود العوائد إلى الارتفاع ويواجه الذهب ضغوطاً جديدة. أما ظهور ميل واضح إلى تثبيت الفائدة فقد يمنح المعدن دفعة إضافية.
عامل هرمز
وعلى الجانب الجيوسياسي، لا تزال التطورات في الشرق الأوسط توفر أرضية داعمة للذهب، بالتزامن مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وسجل النفط أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع خلال تعاملات الأربعاء، في ظل تضارب التصريحات بشأن وضع الملاحة في المضيق. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن واشنطن لا تجري محادثات مع إيران، مؤكداً في الوقت نفسه أن مضيق هرمز مفتوح، بينما كانت إيران قد أكدت سابقاً أن الممر لا يزال مغلقاً أمام الملاحة البحرية.
ويؤدي استمرار الغموض بشأن المضيق إلى زيادة الطلب على التحوط، لكنه يحمل تأثيراً مزدوجاً بالنسبة إلى الذهب. فمن جهة، تعزز المخاطر الجيوسياسية الإقبال على المعدن كملاذ آمن، ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة المخاوف التضخمية، وهو ما قد يرفع عوائد السندات ويضغط على أسعار الذهب.
معادن متباينة
وتباين أداء بقية المعادن النفيسة خلال التعاملات، إذ انخفضت الفضة في السوق الفورية بنسبة 0.3 % إلى 63.10 دولار للأوقية، مخالفة اتجاه الذهب.
في المقابل، ارتفع البلاتين بنسبة 0.8 % ليصل إلى 1726.96 دولار للأوقية، بينما زاد البلاديوم بنسبة محدودة بلغت 0.1 % إلى 1291.28 دولار.
وتعكس هذه التحركات اختلاف العوامل المؤثرة في كل معدن، إذ لا تعتمد الفضة والبلاتين والبلاديوم فقط على الطلب الاستثماري، وإنما تتأثر أيضاً بالطلب الصناعي وتوقعات النشاط الاقتصادي العالمي، وهو ما يؤدي أحياناً إلى تحركها بصورة مختلفة عن الذهب.
محضر الفيدرالي يرسم وجهة الذهب
وتظل أسعار الذهب في انتظار العامل الذي يمكنه حسم الصراع بين ضغوط العوائد ودعم المخاطر الجيوسياسية، وسيكون محضر الاحتياطي الفيدرالي في مقدمة المؤشرات التي قد تحدد اتجاه المعدن خلال الجلسات المقبلة.
فإذا عزز المحضر توقعات تثبيت أسعار الفائدة، بالتزامن مع استمرار تراجع الدولار والعوائد، فقد يحصل الذهب على فرصة لمواصلة تعويض خسائر الثلاثاء. أما عودة المخاوف من تشديد السياسة النقدية فقد تجدد الضغوط على المعدن. وبين هذا وذاك، ستبقى تطورات مضيق هرمز وأسعار النفط عاملاً مهماً، لتظل السوق موزعة بين البحث عن الملاذ الآمن والخشية من عودة التضخم والفائدة المرتفعة.