تراجع الذهب للأسبوع الثاني
شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً في ختام تعاملات يوم الجمعة، مسجلةً بذلك ثاني أسبوع متتالٍ من الخسائر، في ظل تحولات واضحة في توجهات المستثمرين العالمية. فبدلاً من اندفاع رؤوس الأموال نحو المعدن الأصفر بوصفه ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب، اتجهت الأسواق إلى الدولار الأميركي والأصول ذات العائد، متأثرةً بارتفاع أسعار النفط وتصاعد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وبحسب بيانات التداول، انخفضت أسعار الذهب في المعاملات الفورية خلال جلسة الجمعة بنسبة 1.20 %، أي ما يعادل نحو 60.82 دولاراً، لتصل إلى مستوى 5,019.25 دولاراً للأونصة. وبذلك يسجل المعدن النفيس تراجعاً أسبوعياً يقارب 2.94 %، في إشارة إلى استمرار الضغوط البيعية في السوق العالمية. كما هبطت العقود الآجلة الأميركية للذهب بنسبة 1.25 %، أي ما يعادل 64.10 دولاراً، لتغلق عند 5,061.70 دولاراً للأونصة، وهو ما يمثل انخفاضاً أسبوعياً بنحو 1.88 %.
ولا يقتصر التراجع على الذهب وحده، إذ امتدت موجة الخسائر إلى بقية المعادن النفيسة. فقد تراجعت أسعار الفضة في آخر جلسات الأسبوع بنسبة 3.85 %، أي ما يعادل نحو 3.23 دولارات، لتتداول عند 80.5764 دولاراً للأونصة، مسجلة خسارة أسبوعية تقارب 4.50 %. وفي السياق ذاته، أنهى البلاتين تعاملاته يوم الجمعة على انخفاض حاد بنسبة 5.03 %، بما يعادل 107.42 دولارات، ليصل إلى مستوى 2,028.08 دولاراً للأونصة، وهو ما يعكس خسارة أسبوعية بنحو 5.29 %. كما انخفض البلاديوم بنسبة 4.06 % (65.92 دولاراً) ليصل إلى 1,555.85 دولاراً للأونصة، مسجلاً تراجعاً أسبوعياً يقارب 4.49%.
النفط والتضخم يضغطان على الذهب
يأتي هذا التراجع في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتعطل بعض الإمدادات، وهو ما أعاد المخاوف من ارتفاع معدلات التضخم العالمية. وتشير التقديرات إلى أن أي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على تكلفة الإنتاج والنقل، مما يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية في الاقتصاد العالمي.
وقد أدت هذه التطورات إلى تغيير سلوك المستثمرين في الأسواق المالية؛ فبدلاً من التوجه إلى الذهب للتحوط من المخاطر، فضّل العديد منهم الاحتفاظ بالدولار الأميركي أو الاستثمار في السندات والأصول ذات العائد المرتفع. ويعود ذلك إلى أن ارتفاع التضخم المرتبط بأسعار الطاقة قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يقلل جاذبية الذهب الذي لا يحقق عائداً ثابتاً.
قوة الدولار عامل حاسم
من أبرز العوامل التي ساهمت في الضغط على أسعار الذهب خلال الأسبوع الماضي قوة الدولار الأميركي. فعندما يرتفع الدولار، يصبح شراء الذهب – المسعّر بالعملة الأميركية – أكثر تكلفة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، الأمر الذي يؤدي عادةً إلى تراجع الطلب العالمي على المعدن النفيس.
وقد ارتفع مؤشر الدولار إلى أعلى مستوياته في عدة أشهر، مدعوماً بتدفقات رؤوس الأموال الباحثة عن السيولة والأمان في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية، وهو ما شكل ضغطاً مباشراً على أسعار الذهب والمعادن النفيسة الأخرى.
مفارقة الملاذ الآمن
اللافت في تحركات الأسواق الأخيرة أن الذهب لم يستفد بشكل واضح من تصاعد التوترات الجيوسياسية، رغم أنه يُعد تقليدياً أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات. ويرى محللون أن السبب يعود إلى أن المستثمرين وجدوا في الدولار الأميركي ملاذاً أكثر سيولة في هذه المرحلة، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط واحتمال استمرار الضغوط التضخمية.
كما أن بعض التطورات الجيوسياسية، مثل اضطرابات إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط العالمية، وهو ما زاد من المخاوف من سيناريو «الركود التضخمي»، حيث يجتمع تباطؤ النمو الاقتصادي مع ارتفاع الأسعار. وفي مثل هذه البيئة، يميل المستثمرون إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية بين الدولار والسندات والسلع المختلفة، مما يخلق تقلبات حادة في أسعار المعادن النفيسة.
توقعات المرحلة المقبلة
يرى عدد من المحللين أن حركة الذهب في الفترة المقبلة ستظل مرتبطة بعدة عوامل رئيسية، أبرزها تطورات أسعار النفط، واتجاهات التضخم العالمية، وقوة الدولار الأميركي، إضافة إلى قرارات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الكبرى. وفي حال استمرت أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة، فقد يؤدي ذلك إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة عالمياً، وهو ما قد يبقي الذهب تحت الضغط في المدى القصير.
ومع ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن التراجعات الحالية قد تمثل مجرد تصحيح مؤقت في سوق الذهب، خصوصاً في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي عالمياً. فإذا استمرت المخاطر الجيوسياسية أو تباطأ الاقتصاد العالمي بشكل حاد، فقد يعود الطلب على الذهب كملاذ آمن للارتفاع من جديد.