تصاعد التوترات يهدد بموجة تقلبات في الأسهم الأمريكية
تشهد الأسواق المالية العالمية مرحلة من التوتر المتزايد مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما بدأ ينعكس بشكل واضح على أداء الأسهم الأمريكية والأسواق العالمية. فقد أدت التطورات المرتبطة بالحرب مع إيران إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، خاصة في ظل المخاوف من تأثيرات محتملة على أسعار الطاقة والتضخم العالمي، وهو ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة أكثر تعقيداً خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا السياق، حذر عدد من الخبراء الاستراتيجيين من أن الأسواق المالية، وعلى رأسها الأسهم الأمريكية، قد تواجه ضغوطاً كبيرة في الأشهر المقبلة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وارتفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة. ويأتي هذا التحذير في وقت حساس للأسواق العالمية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة موجة صعود قوية مدفوعة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسياسات النقدية التيسيرية.
تصاعد المخاطر
على الأسهم الأمريكية
تزايدت المخاوف في الأسواق بعد أن رفع الخبير الاستراتيجي المخضرم إد يارديني تقديراته لاحتمال حدوث انهيار أو تراجع حاد في الأسهم الأمريكية إلى 35 % حتى نهاية العام، مقارنة بتقدير سابق بلغ 20 %. ويعكس هذا التعديل في التوقعات حجم التغير في البيئة الاقتصادية والجيوسياسية خلال فترة قصيرة.
ويرى يارديني أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى ما يتجاوز 100 دولار للبرميل نتيجة تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة تضغط على الاقتصاد العالمي.
فارتفاع أسعار الطاقة يمثل أحد أهم المخاطر على النمو الاقتصادي، لأنه يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ويؤثر بشكل مباشر على إنفاق المستهلكين. كما أن ارتفاع أسعار النفط غالباً ما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
معضلة الاقتصاد الأمريكي بين الحرب والسياسة النقدية
يعتقد العديد من المحللين أن الاقتصاد الأمريكي قد يجد نفسه خلال الفترة المقبلة عالقاً بين عاملين رئيسيين يشكلان ضغطًا مزدوجاً على الأسواق:
العامل الأول يتمثل في التوترات الجيوسياسية والحرب مع إيران، والتي قد تؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً إذا تأثرت حركة الإمدادات في الخليج أو ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين على ناقلات النفط.
أما العامل الثاني فيتعلق بسياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث بدأ المستثمرون يدركون أن سيناريو خفض أسعار الفائدة قد يكون أبطأ وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً في السابق.
فبعد فترة من التفاؤل بشأن بدء دورة خفض الفائدة، عادت المخاوف من التضخم للواجهة، خاصة إذا ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد. وفي مثل هذه الحالة، قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل أي خفض للفائدة أو حتى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
هذا السيناريو، الذي يجمع بين تباطؤ النمو واستمرار التضخم، يُعرف اقتصادياً باسم الركود التضخمي، وهو من أكثر السيناريوهات صعوبة بالنسبة للأسواق المالية.
تأثير أسعار النفط على
تقييمات الشركات
تمثل أسعار النفط أحد أهم العوامل التي يراقبها المستثمرون حالياً، إذ أن ارتفاعها فوق مستوى 100 دولار قد يؤدي إلى تغيرات كبيرة في تقييمات الشركات المدرجة في الأسهم الأمريكية.
فالشركات الصناعية وشركات النقل والطيران تعتمد بشكل كبير على الطاقة، وارتفاع تكاليف الوقود قد يؤدي إلى تقليص هوامش أرباحها. كما أن الشركات التكنولوجية، التي قادت موجة الصعود في الأسواق خلال السنوات الماضية، بدأت تواجه ضغوطًا مختلفة تتعلق بارتفاع تكاليف الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
وقد أدى ذلك إلى زيادة النقاش حول ما إذا كانت تقييمات شركات التكنولوجيا الكبرى في الأسهم الأمريكية لا تزال مبررة، خاصة بعد الارتفاعات القوية التي شهدتها في السنوات الأخيرة.
الدولار الأمريكي كملاذ آمن
في ظل هذه التوترات، برز الدولار الأمريكي كأحد أبرز الملاذات الآمنة للمستثمرين. فقد ارتفع مؤشر الدولار الفوري بنحو 2 % منذ بداية الأزمة، وهو ما يعكس تدفق الأموال نحو الأصول الأمريكية في أوقات عدم اليقين.
ويُنظر تقليدياً إلى الدولار كعملة احتياطية عالمية، ما يجعله أحد الأصول الأكثر طلبًا خلال الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية.
ورغم أن قوة الدولار قد تساعد على تخفيف بعض الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة عبر تقليل تكلفة الواردات، إلا أنها قد تشكل تحدياً للشركات الأمريكية متعددة الجنسيات، لأن ارتفاع الدولار يقلل من قيمة أرباحها المحققة في الخارج عند تحويلها إلى العملة الأمريكية.
أداء الأسواق الأمريكية مقارنة بالعالم
على الرغم من تصاعد التوترات، فإن أداء الأسهم الأمريكية ظل حتى الآن أفضل نسبياً من العديد من الأسواق العالمية.
فقد تـراجـع مؤشـر S&P 500 بنحو 2 % خلال الأسبوع الماضي، بينما انخفض مؤشر الأسهم العالمية الأوسع بنسبة 3.7 % خلال الفترة نفسها.
ويعزو بعض المحللين هذا الأداء النسبي الأفضل إلى عدة عوامل، من بينها:
1 – قوة الاقتصاد الأمريكي مقارنة بالاقتصادات الأخرى
2 – المرونة الكبيرة للشركات الأمريكية الكبرى
3 – الاكتفاء النسبي للولايات المتحدة في مجال الطاقة
فالولايات المتحدة أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، بفضل طفرة النفط الصخري، وهو ما يمنح الاقتصاد الأمريكي قدرًا أكبر من الحماية مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
ارتفاع مؤشر التقلبات في الأسواق
من المؤشرات المهمة التي تعكس حالة القلق في الأسواق ارتفاع مؤشر التقلبات في بورصة شيكاغو (VIX)، والذي يُعرف غالبًا باسم «مؤشر الخوف» في الأسواق المالية.
فارتفاع هذا المؤشر يشير إلى زيادة توقعات المستثمرين بشأن تقلبات الأسواق في المستقبل القريب، وهو ما يحدث عادة عندما تتزايد المخاطر الجيوسياسية أو الاقتصادية.
كما كشفت بيانات السوق أن بعض صناديق التحوط بدأت في زيادة مراكزها البيعية في صناديق المؤشرات المرتبطة بالأسهم الأمريكية، في محاولة للتحوط ضد احتمال حدوث تراجع كبير في الأسواق إذا استمرت التوترات.
هذه التحركات تعكس درجة الحذر المتزايدة بين المستثمرين المؤسسيين، الذين غالباً ما يتخذون إجراءات وقائية قبل حدوث التقلبات الكبيرة.
التصريحات السياسية
وتأثيرها على الأسواق
زاد التوتر في الأسواق بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشار إلى أن الحملة العسكرية ضد إيران قد تكون مؤلمة اقتصاديًا على المدى القصير لكنها تحقق مكاسب استراتيجية طويلة الأجل.
كما اعتبر ترامب أن وصول أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل يمثل «ثمنًا زهيداً» لتحقيق أهداف استراتيجية.
وقد أثارت هذه التصريحات قلق الأسواق، لأنها تشير إلى احتمال استمرار الأزمة لفترة أطول، وهو ما يعني بقاء حالة عدم اليقين لفترة ممتدة.
وتُعد التصريحات السياسية من العوامل المؤثرة بشكل كبير في الأسواق المالية، خاصة عندما تتعلق بالصراعات العسكرية أو السياسات الاقتصادية الكبرى.
الأسواق الأوروبية تحت ضغط الحرب
لم تكن الأسواق الأوروبية بمنأى عن هذه التطورات، إذ شهدت مؤشرات الأسهم الأوروبية تراجعاً ملحوظاً مع بداية تعاملات الأسبوع، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية في عدد من الدول الأوروبية.
فقد انخفض مؤشر ستوكس يوروب 600 بنسبة 2.1 % ليصل إلى 586 نقطة، بعدما لامس 584 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ 18 ديسمبر.
ويعد هذا التراجع امتدادًا لموجة خسائر شهدتها الأسواق الأوروبية خلال الأسبوع الماضي، والذي كان الأسوأ منذ قرابة عام، حيث تراجع المؤشر بنسبة 5.5 %.
كما سجلت مؤشرات رئيسية أخرى تراجعات ملحوظة، منها:
● كاك 40 الفرنسي الذي انخفض بنسبة 2.45 %
● داكس الألماني الذي تراجع بنسبة 2.5 %
● فوتسي 100 البريطاني الذي هبط بنسبة 1.55 %
القطاعات الأكثر تضرراً في أوروبا
قادت أسهم البنوك وشركات التكنولوجيا الأوروبية موجة البيع في الأسواق، حيث تراجعت بنحو 3.2 % و3.1 % على التوالي.
ويرتبط تراجع البنوك عادة بزيادة المخاوف بشأن النمو الاقتصادي، لأن أي تباطؤ اقتصادي قد يؤدي إلى تراجع الطلب على القروض وزيادة مخاطر التعثر.
أما شركات التكنولوجيا، فقد تأثرت بتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، خاصة بعد الارتفاعات القوية التي سجلتها خلال السنوات الماضية.
كما تضررت شركات الطيران الأوروبية بشكل واضح نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، حيث انخفض سهم لوفتهانزا بنحو 3.9 %، بينما هبط سهم إير فرانس – كي إل إم بنسبة 5.2 %.
ويُعد قطاع الطيران من أكثر القطاعات حساسية لأسعار النفط، لأن الوقود يمثل أحد أكبر مكونات التكلفة التشغيلية لشركات الطيران.
سيناريوهات مستقبل الأسهم الأمريكية
يرى الخبراء أن مستقبل الأسهم الأمريكية خلال الأشهر المقبلة سيتحدد بشكل كبير بناءً على عاملين رئيسيين:
1 – مسار أسعار النفط
2 – قرارات الاحتياطي الفيدرالي
فإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة التضخم وإبطاء النمو الاقتصادي، وهو ما قد يدفع الأسواق إلى مرحلة من التقلبات الحادة.
أما إذا تمكن الاحتياطي الفيدرالي من تحقيق توازن بين السيطرة على التضخم ودعم النمو الاقتصادي، فقد تتمكن الأسواق من تجاوز هذه المرحلة الصعبة.