تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور‭ ‬البنية‭ ‬المؤسسية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي

CFT31

لم‭ ‬يكن‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬مجرد‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لسياسة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬عميقة‭ ‬لبنية‭ ‬الدولة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬أعادت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬توزيع‭ ‬الصلاحيات‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والأقاليم‭ ‬بطريقة‭ ‬مدروسة‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬الأسواق،‭ ‬بل‭ ‬شمل‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬بما‭ ‬أتاح‭ ‬إطلاق‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أسرع‭ ‬موجات‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭.‬

بداية‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬السلطة

شهدت‭ ‬الصين‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬مع‭ ‬انطلاق‭ ‬سياسة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الصلاحيات‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬والسلطات‭ ‬المحلية‭ ‬تتبلور‭ ‬تدريجياً‭. ‬فقد‭ ‬جرى‭ ‬تفكيك‭ ‬احتكار‭ ‬المركز‭ ‬لسلطة‭ ‬فحص‭ ‬واعتماد‭ ‬المشاريع‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬ومنح‭ ‬صلاحيات‭ ‬أوسع‭ ‬للمستويات‭ ‬المحلية‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬مرحلي‭ ‬ومدروس‭.‬
في‭ ‬بداية‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬وتحديداً‭ ‬عام‭ ‬1983،‭ ‬تم‭ ‬نقل‭ ‬صلاحية‭ ‬اعتماد‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تقل‭ ‬قيمتها‭ ‬عن‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬يوان‭ ‬إلى‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭. ‬ولم‭ ‬تمضِ‭ ‬سوى‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬هذا‭ ‬السقف‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1984‭ ‬ليشمل‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬يوان‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬اللامركزية،‭ ‬توسعت‭ ‬هذه‭ ‬الصلاحيات‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر،‭ ‬إذ‭ ‬ارتفعت‭ ‬حدود‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والقطاعات‭ ‬الحيوية‭ ‬إلى‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬يوان‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬1987‭. ‬كما‭ ‬امتد‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬ليشمل‭ ‬المشاريع‭ ‬ذات‭ ‬التمويل‭ ‬الأجنبي،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفع‭ ‬سقف‭ ‬الموافقات‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬ووصل‭ ‬إلى‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬مثل‭ ‬كانتون‭ ‬وفوجيان‭.‬
وفي‭ ‬خطوة‭ ‬إضافية‭ ‬لتعزيز‭ ‬دور‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬نقل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحضرية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الحكومي‭ ‬إلى‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭.‬

أقاليم‭ ‬تتحرك

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬صلاحيات‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬نهائياً‭ ‬أو‭ ‬مطلقاً‭. ‬فقد‭ ‬احتفظت‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المفرط‭.‬
فعندما‭ ‬تصاعدت‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬وارتفعت‭ ‬وتيرة‭ ‬الاستثمار‭ ‬بشكل‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه‭ ‬خلال‭ ‬أعوام‭ ‬مثل‭ ‬1980‭ ‬و1986‭ ‬و1988‭ ‬و1995،‭ ‬تدخلت‭ ‬الدولة‭ ‬لتقليص‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المحلية،‭ ‬مستخدمة‭ ‬ذلك‭ ‬كأداة‭ ‬رئيسية‭ ‬لضبط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭.‬
هذا‭ ‬النموذج‭ ‬خلق‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭: ‬لامركزية‭ ‬في‭ ‬التنفيذ،‭ ‬ومركزية‭ ‬في‭ ‬الضبط‭.‬

نقطة‭ ‬التحول‭ ‬الكبرى

مع‭ ‬إصلاح‭ ‬نظام‭ ‬توزيع‭ ‬الضرائب‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬دخلت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬والحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬فقد‭ ‬أعاد‭ ‬هذا‭ ‬الإصلاح‭ ‬تشكيل‭ ‬هيكل‭ ‬الإيرادات،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الضرائب‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬تمثل‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للدخل،‭ ‬مع‭ ‬حصول‭ ‬المركز‭ ‬على‭ ‬الحصة‭ ‬الأكبر‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬حوافز‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬لإدارة‭ ‬المؤسسات‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬ودفعها‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬تعظيم‭ ‬الإيرادات‭ ‬عبر‭ ‬أدوات‭ ‬أخرى،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬توسيع‭ ‬الاستثمار‭.‬
وقد‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬والمدن،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬تراجعاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬بعد‭ ‬بلوغها‭ ‬ذروة‭ ‬نموها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1993،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭.‬

اقتصاد‭ ‬الأراضي

في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬برز‭ ‬توجه‭ ‬جديد‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬سعي‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬مصادر‭ ‬بديلة‭ ‬للإيرادات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ظهر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«النظام‭ ‬النقدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ (‬1.0‭)‬‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬اعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬الأراضي،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬التنمية‭.‬
الانطلاقة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذا‭ ‬النموذج‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1993،‭ ‬حين‭ ‬سمحت‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬لحكومات‭ ‬المقاطعات‭ ‬بمنح‭ ‬التراخيص،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬هذه‭ ‬الصلاحيات‭ ‬إلى‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭. ‬وقد‭ ‬أتاح‭ ‬ذلك‭ ‬لهذه‭ ‬الحكومات‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬استغلال‭ ‬الأراضي‭ ‬والموارد،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬تجاوز‭ ‬بعض‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬المشاريع‭ ‬الاستثمارية‭.‬
في‭ ‬جوهره،‭ ‬اعتمد‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬الأراضي‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬والعمالة‭ ‬لجذب‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الأجنبية‭ ‬منها‭. ‬وسعت‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬تنموية‭ ‬مجهزة‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات،‭ ‬مع‭ ‬تقديم‭ ‬تسهيلات‭ ‬كبيرة،‭ ‬أبرزها‭ ‬توفير‭ ‬الأراضي‭ ‬بأسعار‭ ‬تنافسية‭ ‬عبر‭ ‬اتفاقيات‭ ‬نقل‭ ‬الملكية‭.‬

سباق‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات

مع‭ ‬تزايد‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬المناطق،‭ ‬أصبحت‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬العالمية‭. ‬وقد‭ ‬فرضت‭ ‬هذه‭ ‬المنافسة‭ ‬ضرورة‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬استثمارية‭ ‬جاذبة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قيود‭ ‬مالية‭ ‬واضحة،‭ ‬أبرزها‭ ‬محدودية‭ ‬السيولة‭.‬
وبحسب‭ ‬أدبيات‭ ‬اقتصاد‭ ‬التنمية،‭ ‬فإن‭ ‬نقص‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬يمثل‭ ‬العائق‭ ‬الأكبر‭ ‬أمام‭ ‬نمو‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬تبني‭ ‬الصين‭ ‬سياسة‭ ‬نشطة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬كأداة‭ ‬رئيسية‭ ‬للتنمية‭.‬
وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬فعاليتها،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬التنمية‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬نمواً‭ ‬متسارعاً‭ ‬فـي‭ ‬مساهمتها‭ ‬بالناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالـي،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬مـن‭ ‬12‭.‬7‭ % ‬عام‭ ‬2003‭ ‬إلى‭ ‬16‭.‬8‭ % ‬في‭ ‬2008،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬22‭.‬3‭ % ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬لتشكل‭ ‬نحو‭ ‬خُمس‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭.‬
كلفة‭ ‬النمو

لكن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬السريع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بلا‭ ‬ثمن‭. ‬فقد‭ ‬ظهرت‭ ‬اختلالات‭ ‬واضحة،‭ ‬أبرزها‭ ‬فرط‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التوسع‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الأراضي‭.‬
وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬أدى‭ ‬انتشار‭ ‬مناطق‭ ‬التنمية‭ ‬إلى‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬واستغلالها‭ ‬بطرق‭ ‬مخالفة،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬أضرار‭ ‬للمزارعين‭ ‬وهدر‭ ‬للموارد،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬آثار‭ ‬بيئية‭ ‬سلبية‭.‬
أمام‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬تدخلت‭ ‬الدولة‭ ‬عبر‭ ‬مجلس‭ ‬الدولة‭ ‬الصيني‭ ‬لإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬المسار‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬أطلقت‭ ‬الحكومة‭ ‬حملة‭ ‬واسعة‭ ‬لمراجعة‭ ‬أوضاع‭ ‬مناطق‭ ‬التنمية،‭ ‬شملت‭ ‬تعليق‭ ‬الموافقات‭ ‬الجديدة‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬وإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬القائم‭ ‬منها‭ ‬بهدف‭ ‬تقليص‭ ‬عددها‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءتها‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬تم‭ ‬اعتماد‭ ‬معايير‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة،‭ ‬تضمنت‭ ‬إلغاء‭ ‬المناطق‭ ‬غير‭ ‬الفعالة‭ ‬أو‭ ‬الملوثة‭ ‬للبيئة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬عكست‭ ‬توجهاً‭ ‬واضحاً‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬والاستدامة‭.‬

إصلاح‭ ‬النظام‭ ‬المالي

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬شهد‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الصيني‭ ‬تطوراً‭ ‬جذرياً‭. ‬فقد‭ ‬شكل‭ ‬عام‭ ‬1994‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬المركزية‭ ‬المالية،‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬اللامركزية‭.‬
وقبل‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬متأثراً‭ ‬بالنموذج‭ ‬السوفييتي،‭ ‬حيث‭ ‬هيمنت‭ ‬المؤسسات‭ ‬النقدية‭ ‬الكبرى،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬دور‭ ‬البنوك‭ ‬محدوداً‭. ‬وكانت‭ ‬عملية‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬تتم‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الحكومية،‭ ‬مع‭ ‬حصر‭ ‬القروض‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬بدأ‭ ‬يتغير‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬مع‭ ‬إدخال‭ ‬إصلاحات‭ ‬تدريجية،‭ ‬أبرزها‭ ‬تحويل‭ ‬المخصصات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬قروض‭ ‬بنكية،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬للمؤسسات‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬المصرفي‭.‬
وقد‭ ‬لعب‭ ‬دنغ‭ ‬شياو‭ ‬بينغ‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬البنوك‭ ‬كأداة‭ ‬لدعم‭ ‬التنمية‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تحولت‭ ‬البنوك‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬تمويلية‭ ‬تقدم‭ ‬قروضاً‭ ‬استثمارية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬مدعومـة‭ ‬بالأصول‭.‬

توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والسوق

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬النموذج‭ ‬الصيني‭ ‬مجرد‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬موجه‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬سوق،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬مزيجاً‭ ‬معقداً‭ ‬من‭ ‬اللامركزية‭ ‬المحسوبة‭ ‬والتدخل‭ ‬المركزي‭ ‬الحاسم‭.‬
هذا‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬إطلاق‭ ‬ديناميكية‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬الصين‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬استثنائي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬يظل‭ ‬مرهوناً‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التناقض‭ ‬الدائم‭ ‬بين‭ ‬تسريع‭ ‬التنمية‭ ‬وضبط‭ ‬كلفتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

رجوع لأعلى