تقلبات تاريخية في أسواق الطاقة
شهدت أسواق الطاقة العالمية تقلبات غير مسبوقة خلال الأيام الأخيرة، في ظل التطورات المتسارعة للحرب على إيران والتوترات المتصاعدة في منطقة الخليج. فبعد موجة صعود حادة دفعت أسعار النفط إلى مستويات قاربت 120 دولاراً للبرميل، تراجعت الأسعار بشكل ملحوظ عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أكد فيها أن العمليات العسكرية ضد إيران «اقتربت من نهايتها»، ما أدى إلى تغيير مفاجئ في اتجاه السوق.
وتراجعت أسعار النفط العالمية بعد هذه التصريحات، وسط مساعي الإدارة الأميركية لطمأنة الأسواق واحتواء القلق المتزايد بشأن أمن الإمدادات العالمية، خاصة مع المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة في العالم.
تراجع النفط بعد موجة ارتفاع حادة
سجل خاما القياس العالميان «برنت» و«غرب تكساس الوسيط» انخفاضاً ملحوظاً خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما شهدا تقلبات حادة في جلسة الإثنين التي اتسمت باضطرابات قوية في التداولات.
وكان النفط قد ارتفع بقوة في بداية الأسبوع مع تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات نتيجة الصراع في الشرق الأوسط، إلا أن تصريحات ترمب التي تحدث فيها عن قرب نهاية الحرب، إضافة إلى إشاراته إلى إمكانية اتخاذ خطوات لتهدئة السوق، دفعت الأسعار إلى التراجع بأكثر من 10% قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها.
وتذبذب خام برنت حول مستوى 93 دولاراً للبرميل بعد أن تجاوز حاجز 100 دولار واستقر فوقه معظم فترات جلسة الإثنين، في حين انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 90 دولاراً للبرميل.
وتعكس هذه التحركات حجم التوتر الذي تعيشه الأسواق، حيث تحولت أسعار النفط إلى رهينة مباشرة للتطورات السياسية والعسكرية في المنطقة.
نطاق تقلب قياسي في الأسعار
الأكثر لفتاً للنظر كان اتساع نطاق التذبذب في أسعار النفط خلال جلسة الإثنين، إذ تحرك خام برنت ضمن نطاق سعري بلغ نحو 36 دولاراً للبرميل خلال يوم واحد، وهو أكبر نطاق يومي في تاريخ تداول الخام، وأوسع حتى من التقلبات التي شهدتها الأسواق عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.
كما سجل خام غرب تكساس الوسيط نطاق تذبذب بلغ 38 دولاراً للبرميل خلال الجلسة نفسها، في مؤشر واضح على حالة الارتباك التي تسود الأسواق العالمية.
وتراجعت أسعار برنت بنحو 20 دولاراً من أعلى مستوى سجلته خلال التداولات إلى سعر الإغلاق، مسجلة أكبر انخفاض يومي بين أعلى سعر أثناء الجلسة وسعر الإغلاق في تاريخها.
تصريحات ترمب تغير اتجاه السوق
كان لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأثير مباشر وسريع على الأسواق، إذ أعلن خلال مؤتمر صحفي في ولاية فلوريدا أن الحملة العسكرية على إيران «اقتربت من الانتهاء»، وهو ما فسره المتعاملون على أنه مؤشر إلى احتمال تراجع المخاطر الجيوسياسية التي دفعت الأسعار إلى الارتفاع.
وقال ترمب إن الولايات المتحدة تعمل على إبقاء أسعار النفط منخفضة، مؤكداً أن الارتفاعات الأخيرة جاءت نتيجة ما وصفه بـ«التأثير المصطنع» للحملة العسكرية.
وأشار أيضاً إلى عدة إجراءات قد تسهم في تهدئة الأسواق وخفض الأسعار، من بينها إمكانية إلغاء بعض العقوبات المرتبطة بالنفط، دون أن يحدد طبيعة هذه العقوبات أو الدول التي قد تشملها.
لكن مراقبين رجحوا أن تكون هذه الخطوة مرتبطة بالنفط الروسي، خصوصاً بعد أن منحت وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع الماضي ترخيصاً يسمح لبعض المشترين بشراء كميات من النفط الروسي العالق في البحر ضمن شروط محددة.
اتصال مع بوتين ودور روسي محتمل
وجاءت تصريحات ترمب بعد اتصال هاتفي أجراه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تناول عدة ملفات من بينها الأزمة الأوكرانية والتطورات المتعلقة بإيران.
وقال ترمب إن بوتين «يريد أن يلعب دوراً إيجابياً» في ما يتعلق بإيران، في إشارة إلى إمكانية وجود تحركات دبلوماسية أو سياسية تهدف إلى تخفيف حدة الأزمة.
ويرى محللون أن إدخال روسيا في مسار الحل قد يكون جزءاً من محاولة أوسع لاحتواء التوترات التي تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
لا تزال المخاوف بشأن مضيق هرمز تمثل العامل الأكثر حساسية في أسواق النفط. فهذا الممر البحري الضيق يعبر من خلاله نحو خُمس النفط المتداول عالمياً، ما يجعله نقطة ارتكاز أساسية في أمن الطاقة العالمي.
وأكد ترمب أنه يريد إبقاء المضيق مفتوحاً أمام حركة الملاحة، ملوحاً برد قوي في حال تعرضت إمدادات النفط للخطر.
وقال إن البحرية الأميركية قد ترافق ناقلات النفط عبر المضيق «في الوقت المناسب»، دون أن يقدم تفاصيل إضافية بشأن آلية التنفيذ أو توقيتها.
ورغم هذه التصريحات، لا تزال الأسواق تترقب تطورات الوضع في المضيق، خاصة بعد أن أدى التوقف الفعلي لحركة الشحن فيه خلال الأيام الماضية إلى اضطرابات كبيرة في تدفقات النفط.
اضطراب في الإمدادات العالمية
أدى توقف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إلى تقليص الصادرات من عدة دول منتجة في المنطقة، حيث اضطرت بعض الدول إلى خفض الإنتاج بسبب امتلاء مرافق التخزين لديها.
كما ارتفعت أسعار الطاقة الأخرى، بما في ذلك الغاز الطبيعي ومنتجات التكرير مثل زيت الغاز، في ظل القلق المتزايد بشأن استمرارية الإمدادات.
وفي الولايات المتحدة، قفزت أسعار البنزين في محطات البيع بالتجزئة إلى أعلى مستوياتها منذ أغسطس 2024، ما زاد من الضغوط السياسية على إدارة ترمب مع اقتراب الانتخابات.
تحذيرات من تداعيات كارثية
من جانبه، حذر أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤدي إلى عواقب كارثية على أسواق النفط العالمية.
وقال الناصر في مؤتمر صحفي عبر الهاتف عقب إعلان نتائج الشركة لعام 2025 إن الأزمة الحالية تمثل أكبر اضطراب يشهده قطاع النفط والغاز في المنطقة بفارق كبير عن أي أزمات سابقة.
وأوضح أن تعطيل الملاحة في المضيق لا يؤثر فقط على قطاع الشحن والتأمين، بل يمتد تأثيره إلى قطاعات اقتصادية عديدة مثل الطيران والزراعة وصناعة السيارات.
وأشار إلى أن مخزونات النفط العالمية وصلت بالفعل إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات، محذراً من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تسارع استنزاف هذه المخزونات.
وأضاف أن إعادة فتح المضيق واستئناف حركة الملاحة فيه تمثل أولوية قصوى لاستقرار الأسواق.
تأثير محدود على منشآت أرامكو
وفيما يتعلق بالهجوم الذي استهدف مصفاة رأس تنورة في السعودية، أكد الناصر أن الأضرار كانت محدودة، موضحاً أن الحريق الصغير الذي اندلع نتيجة الهجوم تمت السيطرة عليه بسرعة.
وأشار إلى أن المصفاة دخلت بالفعل مرحلة إعادة التشغيل، ما ساهم في تقليل التأثير المحتمل على الإمدادات.
واشنطن تدرس استخدام
الاحتياطي الاستراتيجي
في سياق متصل، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الولايات المتحدة تدرس خيار إجراء عمليات بيع منسقة للنفط من الاحتياطي الاستراتيجي، في محاولة لتهدئة الأسواق والحد من ارتفاع الأسعار.
وأوضح رايت أن واشنطن لا تدرس في الوقت الراهن فرض قيود على صادرات الطاقة الأميركية، لكنه أشار إلى وجود خيارات أخرى يمكن استخدامها لتعزيز المعروض العالمي.
ومن بين هذه الخيارات السماح بمزيد من مبيعات النفط الروسي المخزن في ناقلات قبالة السواحل الآسيوية، وهو النفط الذي ظل عالقاً بسبب العقوبات الغربية.
وكانت الولايات المتحدة قد أصدرت الأسبوع الماضي إعفاءً مؤقتاً يسمح لمصافي التكرير الهندية بشراء النفط الروسي، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على تدفق الخام إلى الأسواق العالمية.
انعكاسات على أسواق الغاز
لم تقتصر تأثيرات الأزمة على سوق النفط فحسب، بل امتدت أيضاً إلى أسواق الغاز الطبيعي، حيث شهدت الأسعار الأوروبية تقلبات حادة.
وتراجعت العقود الآجلة للغاز الطبيعي الهولندية تسليم أبريل بنسبة 13.25% لتصل إلى نحو 48.9 يورو لكل ميجاواط ساعة، بعدما كانت قد قفزت إلى 69.5 يورو خلال جلسة الإثنين، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023.
ويعكس هذا التراجع تأثر سوق الغاز بتحركات النفط والتوقعات بانحسار التوترات الجيوسياسية.
علاوات سعرية مرتفعة للنفط الشرق أوسطي
وفي سوق التجارة الفعلية للنفط، قال متعاملون إن شركة «توتسا»، الذراع التجارية الآسيوية لشركة توتال إنرجيز، باعت شحنة من خام عمان للتحميل في أبريل بعلاوة تزيد على 20 دولاراً للبرميل فوق أسعار دبي.
وتعد هذه ثاني مناقصة لبيع النفط من الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب مع إيران وتعطل الصادرات من المنطقة.
وكانت توتال إنرجيز قد باعت الأسبوع الماضي مليون برميل من خام عمان لشركة إكسون موبيل بعلاوة قدرها سبعة دولارات للبرميل فوق أسعار دبي.
أسواق الطاقة بين السياسة والاقتصاد
تعكس التطورات الأخيرة كيف أصبحت أسواق الطاقة العالمية مرتبطة بشكل وثيق بالتطورات الجيوسياسية، حيث يمكن لتصريح سياسي واحد أن يقلب اتجاه السوق في غضون ساعات.
وبينما تراهن الأسواق حالياً على احتمال تهدئة التوترات وعودة تدفقات النفط إلى طبيعتها، يبقى مستقبل الأسعار مرهوناً بالتطورات الميدانية في المنطقة، وبقدرة القوى الدولية على احتواء الأزمة.
ففي عالم يعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة، يمكن لأي اضطراب في منطقة الخليج أن ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي، سواء عبر ارتفاع أسعار الوقود أو عبر موجات تضخم جديدة قد تضرب الأسواق العالمية.