تقلبات حادة في وول ستريت بسبب آثار الذكاء الاصطناعي
تخبّط المتداولون وهم يحاولون تقييم آفاق الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى تقلبات حادة في الأسهم خلال جلسة أخرى متقلبة في وول ستريت.
ومحا مؤشر «إس آند بي 500» تراجعاً بلـغ نحو 1 %، لكنه كاد يتخلى عن مكاسبه في الدقائق الأخيرة من التداول. وانخفض صندوق متداول يحظى بمتابعة وثيقة ويتتبع شركات البرمجيات بنسبة 2.2 %. وفي التداولات المتأخرة، قالت شركة «ميتا بلاتفورمز» إنها وافقت على نشر «ملايين» من معالجات «إنفيديا» خلال السنوات القليلة المقبلة.
تعكس الاضطرابات التي أطلقها الذكاء الاصطناعي مخاوف تبدو متعارضة بشكل متزايد. إحداها أن التقنية ستعطل قطاعات من الاقتصاد بعمق شديد، لدرجة أن المستثمرين يبيعون أسهم أي شركة يُنظر إليها على أنها معرضة ولو بأدنى درجة لخطر الإزاحة. أما المخاوف الأخرى، فتشكك في أن يؤتي الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ثماره قريباً.
وفي ما يتضح أنه ربع قوي لنمو أرباح الشركات، تضاعفت تقريباً الإشارات إلى آثار الذكاء الاصطناعي في مكالمات الأرباح مقارنة بالربع السابق، بحسب تحليل أجرته «بلومبرغ نيوز».
وقد تواجه الأسواق مزيداً من التقلبات على المدى القريب بسبب المخاوف من آثار الذكاء الاصطناعي والإنفاق الرأسمالي، إضافة إلى «ضعف العوامل الموسمية وتكدس رهانات الزخم»، وفقاً لمايكل ويلسون من «مورغان ستانلي».
وأشار كريس لاركن من «إي تريد» التابعة لـ»مورغان ستانلي» إلى أن السوق لا تزال قريبة من مستويات قياسية، لكن قد لا يبدو الأمر كذلك لبعض المستثمرين بسبب موجات البيع الحادة التي تعرقل الارتفاعات فور بدئها تقريباً. وأضاف: «إذا استمر هذا النمط، فقد يؤدي إلى تقلبات حادة في السوق، حتى لو كان الاتجاه العام صعودياً».
تقلبات المؤشرات والعملات والسلع
ارتفع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.1 %. وتجاوز المؤشر لفترة وجيزة متوسط سعره خلال المئة يوم الماضية. وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات نقطة أساس واحدة إلى 4.06 %.
ورغم صعوبة تقدير موعد انحسار التقلبات الحادة في السوق، «فمن المرجح أن ننظر إلى التقلبات الحالية مستقبلاً على أنها فرصة للشراء»، بحسب المخضرم في وول ستريت لويس نافيلير.
وقال سمير سمانا من «ويلز فارغو إنفستمنت إنستيتيوت»: «نحتاج إلى استقرار التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، ومجموعة العظماء السبعة (ألفابت، إنفيديا، أمازون، أبل، ميتا، مايكروسوفت، تسلا)، ونحتاج إلى رؤية تراجع في سلوك المستثمرين القائم على البيع قبل التفكير ملياً».
ويبدو أن سردية الذكاء الاصطناعي تتطور من قوة شاملة تدفع المؤشرات الرئيسية للأسهم إلى الأعلى، إلى مرحلة يصبح فيها مفهوم «الانتقاء» بين الأسهم الرابحة والخاسرة عاملاً أكثر أهمية في تحديد أداء محافظ المستثمرين هذا العام، وفقاً لأنطوني ساغليمبين من «أميريبرايز».
وقال: «لذلك، نعتقد أن المرحلة التالية من دورة الذكاء الاصطناعي قد تتشكل من خلال مزيج من كيفية تفاعل المستثمرين مع اتجاهات شركات التكنولوجيا الكبرى، إضافة إلى كيفية تنقل مجموعة أوسع من الشركات والقطاعات في بيئة ينتشر فيها التعطيل التكنولوجي والابتكار ربما بوتيرة أسرع مما توقعه كثيرون».
ومع ذلك، يرى ساغليمبين أن ردود الفعل السلبية «الاندفاعية» التي شوهدت في مجالات مثل البرمجيات والخدمات المالية في الأسابيع الأخيرة، من المرجح أنها «مبالغ فيها»، وأن الفرص في «الشركات الراسخة والمدارة جيداً» بدأت تظهر لمن هم مستعدون لتجاوز التقلبات.
وقال سام ستوفال من «سي إف آر إيه»: «أولاً، بدأت موجة البيع المنسوبة إلى الذكاء الاصطناعي بقطاع البرمجيات، ما أثار مخاوف متجددة من أن تؤثر شركات الذكاء الاصطناعي سلباً في أعمالها».
وأضاف: «بدأت سلسلة من التصحيحات القطاعية المتتالية في قطاعات مثل النقل وإدارة الثروات والتأمين والعقارات التجارية، مما دفع المستثمرين إلى التساؤل: ما الخطوة التالية؟». وحذر ستوفال المستثمرين من الانجرار وراء التقلبات العاطفية التي تولدها موجات البيع هذه.
وأضاف: «إنها تذكرنا بأن الذكاء الاصطناعي سيوفر بالفعل وفورات في التكاليف من خلال زيادة الكفاءات وعمق التحليل، لكن من المفترض أن يساعد ذلك الشركات عبر جعلها أكثر رشاقة وربحية». وتابع: «اليوم، تمر أسواق الأسهم بمرحلة استيعاب ضرورية للمكاسب».
مخاوف من فقاعة وإنفاق مفرط
قال عدد قياسي من المستثمرين إن الشركات تنفق أكثر مما ينبغي، وفقاً لأحدث استطلاع لمديري الصناديق لدى «بنك أوف أميركا». وبينما يُعد المشاركون في الاستطلاع الأكثر تفاؤلاً منذ يونيو 2021، حذر نحو 35% من أن الشركات تفرط في الاستثمار، وفق ما كتبه الاستراتيجي مايكل هارتنيت في مذكرة.
ورأى ربع المشاركين في أحدث استطلاع لـ»بنك أوف أميركا» أن «فقاعة ذكاء اصطناعي» تمثل أكبر مخاطر على الأسواق، فيما قال 30% إن الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى هو المصدر الأكثر احتمالاً لأزمة ائتمانية.
ولا تزال شركات الحوسبة السحابية العملاقة مثل «مايكروسوفت» و»ميتا بلاتفورمز» و»ألفابت» و»أمازون دوت كوم» تتمتع بآفاق إيجابية رغم الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي والمخاوف بشأن التدفقات النقدية، بحسب استراتيجيي «جيه بي مورغان تشيس» بقيادة دوبرافكو لاكوس بوجاس. وقالوا إن الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي يُتوقع أن ينمو بنسبة 53 % خلال الاثني عشر شهراً المقبلة.
وقال الاستراتيجيون: «أصبحت السوق أكثر حساسية بشكل متزايد لما يعنيه هذا المعدل من الإنفاق بالنسبة للتدفق النقدي». وبينما يُتوقع أن يتحول التدفق النقدي إلى سلبي لبعض الشركات، يرى محللو البنك أن الإنفاق يأتي من «موقع قوة».
لفت جان بوافين من «بلاك روك إنفستمنت إنستيتيوت» إلى أنه «قبل بضعة أشهر، كانت السوق تناقش ما إذا كان الذكاء الاصطناعي حقيقياً». وأضاف: «اليوم، يُنظر إليه على أنه تهديد نشط لنماذج الأعمال. ونعتقد أن السباق لفرز الرابحين والخاسرين يعزز التوسع الضخم للذكاء الاصطناعي، وموجة الاقتراض لتمويله».
وقال بوافين إن السوق كانت «مركزة بدقة» على تحديد الشركات المعرضة لآثار الذكاء الاصطناعي، وفرز تلك التي تعتقد أنها ستكون قادرة على التطور والتكيف.
وأضاف: «لا نزال بقوة في مرحلة بناء الذكاء الاصطناعي. تنفق شركات التكنولوجيا العملاقة بكثافة على الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة. وهذا سبب رئيسي لكوننا لا نزال نفضل لأسهم البنية التحتية».
وأشار إلى أن «ما تغير هو تركيز السوق، إذ تسأل الآن كيف سيُترجم اعتماد الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات وأرباح»، متابعاً: «فرز الرابحين والخاسرين يعني أنه الوقت المثالي للاستثمار النشط».
أسواق الائتمان والبعد الكلي
في الوقت نفسه، يشعر مستثمرو الديون بالقلق من أن أكبر شركات التكنولوجيا ستواصل الاقتراض إلى أن يصبح الأمر مؤلماً في سباق تطوير أقوى ذكاء اصطناعي.
وأعاد هذا الخوف الحياة إلى سوق مشتقات الائتمان، حيث يمكن للبنوك والمستثمرين وغيرهم التحوط ضد زيادة المقترضين ديونهم بشكل مفرط، وتراجع قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم.
ولم تكن المشتقات الائتمانية المرتبطة بشركات فردية موجودة لدى العديد من مصدري التكنولوجيا الكبرى ذوي التصنيف المرتفع قبل عام، وهي الآن من بين أكثر العقود الأميركية تداولاً خارج القطاع المالي، وفقاً لـ»ديبوزيتوري ترست آند كليرينغ كورب».
وقال نافيلير إن الإنفاق المرتفع للغاية لبناء مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي أثار قلقاً بشأن طول فترة استرداد التكاليف، إضافة إلى مخاوف جدية تتعلق بتوافر إمدادات الطاقة اللازمة لتشغيلها جميعاً.
وأضاف: «في حين أن استبدال العمال بحلول برمجيات الذكاء الاصطناعي يعد بتقليص التكاليف، فإنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول الطلب على العمالة، ما يؤدي إلى مخاوف بشأن الإنفاق الاستهلاكي».
غير قابلين للفصل
قال جيسون دراهو من «يو بي إس غلوبال ويلث مانجمنت» إن الظروف الكلية تراجعت مؤقتاً إلى الوراء أمام المخاوف من آثار الذكاء الاصطناعي، لكن الاثنين «غير قابلين للفصل» على المدى الطويل. وبالتالي، فإن التفكير في ما يعنيه الذكاء الاصطناعي للقيم النهائية على المستوى الكلي، لا يقل أهمية عن تقييم آفاق الاستثمار.
وتابع: «لا ينبغي للجدل حول من سيكون المستفيد والخاسر من الشركات بسبب الذكاء الاصطناعي أن يحجب الآثار الكلية المحتملة الكبيرة». وأضاف أن «ارتفاع الإنتاجية، وانخفاض التضخم، واضطرابات سوق العمل كلها ممكنة».
ولفت إلى أنه «بينما قد تكون القيمة النهائية لبعض الشركات صفراً بالفعل بسبب الذكاء الاصطناعي، فإن الناتج المحلي الإجمالي النهائي للاقتصاد الأميركي بأكمله من المرجح أن يكون أكبر بكثير بعد عقد من الزمن، بسبب الآثار ذاتها مقارنة بما كان سيحدث لو لم يتم تطوير هذه التقنية». وبعبارة أخرى، «ستكون الكعكة الاقتصادية الإجمالية أكبر»، على حد قول دراهو.
وأضاف: «السؤال الحاسم لتوزيع الأصول هو كيف ستُقسم هذه الكعكة عبر المجتمع وفئات الأصول». وتابع: «حتى إذا لم ينته الذكاء الاصطناعي إلى اضطراب كبير لأسواق العمل، فمن المرجح أن يحصل رأس المال (أي المستثمرون) على كثير من الفوائد. من المهم لهذه الفرضية الكبرى أن تظل حاضرة في الذهن أثناء التساؤل عن القطاع الذي قد يتأثر تالياً».