توتر النفط.. يربك وول ستريت ويقلص مكاسبها
تراجعت مؤشرات وول ستريت خلال جلسة متقلبة، الثلاثاء، مع عودة التوتر الجيوسياسي إلى واجهة التسعير، وسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط وترقب احتمالات التوصل إلى مخرج سياسي للحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، في وقت بدت فيه الأسواق شديدة الحساسية لأي تصريح سياسي أو تحرك عسكري جديد في الشرق الأوسط.
جلسة متقلبة
عاشت الأسهم الأمريكية يوماً حافلاً بالتقلبات، إذ انتقلت المؤشرات بين الصعود والهبوط أكثر من مرة خلال الجلسة، مع سعي المستثمرين إلى موازنة إشارات التهدئة السياسية مع الأخبار التي توحي بإمكانية اتساع الانخراط العسكري الأمريكي في المنطقة.
وتعكس هذه الحركة السريعة حالة عدم اليقين المرتفعة التي تهيمن على الأسواق، حيث لم يعد المستثمرون يتعاملون فقط مع بيانات الاقتصاد والشركات، بل مع تدفقات متلاحقة من الأخبار السياسية والعسكرية باتت قادرة على تغيير اتجاهات التداول خلال دقائق.
دعم مؤقت
واستعادت المؤشرات جزءاً من خسائرها بعد أن قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين إن الولايات المتحدة تتحدث مع «الأشخاص المناسبين» في إيران من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الأعمال القتالية، مضيفاً أن طهران وافقت على أنها لن تمتلك أسلحة نووية أبداً.
ومنح هذا التصريح الأسواق جرعة مؤقتة من الارتياح، إذ رأت فيه شريحة من المستثمرين إشارة إلى أن المسار الدبلوماسي لم يُغلق بالكامل بعد، وأن احتمالات احتواء التصعيد لا تزال قائمة. لكن هذا التفاؤل ظل هشاً، ولم ينجح في ترسيخ اتجاه صاعد مستدام حتى نهاية الجلسة.
مخاوف عسكرية
سرعان ما عادت المخاوف لتضغط على السوق بعد تقارير أفادت بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تعتزم إرسال آلاف الجنود الإضافيين من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي من وحدات النخبة، إلى الشرق الأوسط. وأعادت هذه الأنباء إلى أذهان المتعاملين احتمال أن يكون المسار العسكري ما زال مفتوحاً بقوة، رغم الحديث عن التفاوض.
وهذا التناقض بين لغة التهدئة السياسية وإشارات التعزيز العسكري خلق بيئة تداول متوترة، دفعت كثيراً من المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، أو على الأقل تجنب بناء مراكز جديدة قبل اتضاح الصورة.
نفط ضاغط
وجاءت الضغوط أيضاً من سوق الطاقة، بعدما ارتفعت أسعار النفط مجدداً، وأغلقت العقود الآجلة للخام على مكاسب تجاوزت 4 %، في تطور أعاد المخاوف من أن يؤدي استمرار التوترات إلى موجة غلاء جديدة تضغط على التضخم والنمو معاً.
وعادة ما تنظر الأسواق إلى ارتفاع النفط باعتباره عبئاً مزدوجاً: فهو يرفع كلفة التشغيل والنقل على الشركات، ويزيد في الوقت نفسه الضغوط على المستهلكين، ما قد ينعكس سلباً على الإنفاق والأرباح. ولهذا السبب، جاء رد فعل الأسهم سلبياً، خاصة في القطاعات الأكثر حساسية للتكلفة والطلب.
زخم سابق
وكانت مؤشرات وول ستريت قد سجلت، الاثنين، أكبر مكاسب يومية منذ 6 فبراير، مستفيدة من انخفاض أسعار النفط حينها بعد أن أرجأ ترامب شن هجمات على محطات الطاقة الإيرانية وأعلن عن وجود محادثات مع إيران، رغم نفي طهران إجراء مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
لكن جلسة الثلاثاء أظهرت بوضوح أن تفاؤل الأمس لم يكن كافياً لتغيير المزاج العام بصورة نهائية، وأن السوق ما زالت شديدة الارتباط بتقلبات الملف الجيوسياسي، ما يجعل أي مكاسب عرضة للتآكل سريعاً إذا ما عادت المخاوف إلى الواجهة.
قلق المستثمرين
وقالت كارول شليف، كبيرة خبراء السوق لدى BMO Private Wealth، إن الأسهم تحاول إيجاد موطئ قدم بينما يراقب المستثمرون وسائل التواصل الاجتماعي والعناوين الإخبارية بشكل متواصل، في إشارة إلى أن السوق باتت تتفاعل مع كل خبر تقريباً على المدى القصير جداً.
وأضافت أن الأسواق تحاول التمسك بالتفاؤل الذي سادها في الجلسة السابقة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن هناك توترات حقيقية مرتبطة بأسعار النفط والفائدة، وما إذا كانت هذه الضغوط قد تستمر لفترة أطول بما يكفي لتؤثر سلباً على النمو الاقتصادي. وهذه القراءة تختصر إلى حد كبير المعضلة الحالية في وول ستريت: كيف تسعّر الأسواق حرباً لم تُحسم بعد، ونفطاً قابلاً للقفز، وفائدة لا تزال مرتفعة؟
خسائر متباينة
وبحسب بيانات أولية، فقد خسر مؤشر ستاندرد آند بورز 500 نحو 24.62 نقطة أو 0.36 % ليغلق عند 6557.19 نقطة، فيما تراجع مؤشر ناسداك المجمع بنحو 184.86 نقطة أو 0.84 % إلى 21762.77 نقطة، ليكون الأكثر تضرراً بين المؤشرات الرئيسية.
أما مؤشر داو جونز الصناعي فانخفض بنحو 87.24 نقطة أو 0.19 % ليغلق عند 46121.23 نقطة، في أداء يعكس أن التراجع شمل السوق بشكل عام، لكنه كان أشد وضوحاً في الأسهم التكنولوجية وأسهم النمو التي تتأثر أكثر بأي ارتفاع محتمل في العوائد أو الضغوط التضخمية.