تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود‭ ‬المنافسة‭ ‬وتشكّل‭ ‬النفوذ‭ ‬الاحتكاري‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المعاصرة

DS33

في‭ ‬عالم‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬الأحداث‭ ‬يوميًا،‭ ‬وتتداخل‭ ‬فيه‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬للإنسان‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬فكل‭ ‬قرار‭ ‬صغير،‭ ‬أو‭ ‬تغير‭ ‬طارئ‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬المهني‭ ‬أو‭ ‬الشخصي،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬تأثيرات‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬على‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭ ‬ومستقبله‭.‬
ولذلك،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالمعلومات‭ ‬السطحية‭ ‬كافيًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬البحث‭ ‬والتحليل‭ ‬الدقيق‭ ‬للأحداث‭ ‬ومتابعة‭ ‬الوقائع‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬الموثوقة‭ ‬أمرًا‭ ‬ضروريًا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬بل‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مدروسة‭ ‬وصائبة‭. ‬فالمعرفة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬جمع‭ ‬بيانات،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الوقائع‭ ‬وتحليل‭ ‬النتائج‭ ‬واستشراف‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحمله‭ ‬المستقبل‭.‬
وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يصبح‭ ‬الوعي‭ ‬بالتحولات‭ ‬والتغيرات‭ ‬حولنا‭ ‬أداة‭ ‬قوية‭ ‬تمكن‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬بمرونة‭ ‬مع‭ ‬التحديات،‭ ‬واستغلال‭ ‬الفرص‭ ‬المتاحة،‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المفاجئة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعصف‭ ‬بالخطط‭ ‬غير‭ ‬المحكمة‭. ‬إن‭ ‬التسلح‭ ‬بالمعلومة‭ ‬والمعرفة‭ ‬الدقيقة‭ ‬هو‭ ‬المفتاح‭ ‬لفهم‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬واتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬استراتيجية‭ ‬ناجحة‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭.‬

تمثل‭ ‬إساءة‭ ‬استعمال‭ ‬المركز‭ ‬المهيمن‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬الممارسات‭ ‬الاحتكارية‭ ‬ذات‭ ‬الأثر‭ ‬السلبي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭. ‬ويقتضي‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المركز،‭ ‬ابتداءً،‭ ‬تحديد‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يتمتع‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬نطاقها‭ ‬بوضع‭ ‬مهيمن‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬قياس‭ ‬الحصص‭ ‬السوقية‭ ‬للمشروعات‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬تقييم‭ ‬درجة‭ ‬نفوذها‭ ‬التنافسي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رسم‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬لهذه‭ ‬السوق،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طبيعتها‭ ‬أو‭ ‬امتدادها‭.‬
وقد‭ ‬استقر‭ ‬النهج‭ ‬التشريعي‭ ‬والقضائي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬إيلاء‭ ‬مفهوم‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬أهمية‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬حالات‭ ‬الهيمنة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يتحدد‭ ‬داخله‭ ‬نطاق‭ ‬المنافسة‭ ‬الفعلية‭. ‬ويُعرّف‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬بأنه‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬منتج‭ ‬معين‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬محددة‭. ‬وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التعريف،‭ ‬تقوم‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬عناصر‭ ‬رئيسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬النطاق‭ ‬السلعي،‭ ‬والنطاق‭ ‬الجغرافي،‭ ‬وقوى‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬آليات‭ ‬السوق‭.‬

النطاق‭ ‬السلعي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية

يتحدد‭ ‬النطاق‭ ‬السلعي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬يمارس‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬نفوذه‭ ‬المهيمن‭. ‬ويقتضي‭ ‬تحديد‭ ‬هذا‭ ‬النطاق‭ ‬بحثًا‭ ‬متزامنًا‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬توافر‭ ‬بدائل‭ ‬للمنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬محل‭ ‬الدراسة،‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬محلها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬السعر‭ ‬أو‭ ‬الاستخدام‭ ‬أو‭ ‬الجودة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المستهلك‭. ‬فوجود‭ ‬منتجات‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬بديلة‭ ‬يوسع‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬المنافسة‭ ‬ويحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬الانفراد‭ ‬بالسوق‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬التحليل‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬الأصلية‭ ‬والبديلة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬المكملة‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بالأولى‭ ‬بعلاقة‭ ‬تكامل‭ ‬وظيفي،‭ ‬بحيث‭ ‬يستدعي‭ ‬استخدام‭ ‬المنتج‭ ‬الأساسي‭ ‬اقتناء‭ ‬منتج‭ ‬ثانوي‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬مساندة‭. ‬ويُعد‭ ‬مثال‭ ‬الحبر‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬الطابعات‭ ‬نموذجًا‭ ‬واضحًا‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬إذ‭ ‬يمثل‭ ‬منتجًا‭ ‬مكمّلًا‭ ‬لاستخدام‭ ‬الجهاز‭ ‬الأساسي‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬المكملة‭ ‬قد‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬سوقًا‭ ‬مستقلة‭ ‬بذاتها،‭ ‬فإن‭ ‬تأثيرها‭ ‬يظل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬حدود‭ ‬السوق‭ ‬الأصلية‭ ‬والبديلة‭.‬
وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬ينصرف‭ ‬التركيز‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬الأصلية‭ ‬والبديلة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الإطار‭ ‬الرئيسي‭ ‬الذي‭ ‬تتجلى‭ ‬فيه‭ ‬ملامح‭ ‬الهيمنة‭ ‬التنافسية،‭ ‬بينما‭ ‬تدخل‭ ‬الأسواق‭ ‬المكملة‭ ‬ضمن‭ ‬دائرة‭ ‬التحليل‭ ‬بوصفها‭ ‬عوامل‭ ‬مساندة‭ ‬قد‭ ‬تعزز‭ ‬أو‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأساسية‭.‬
وبالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬القوانين‭ ‬المقارنة،‭ ‬يُلاحظ‭ ‬أن‭ ‬التشريعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مكافحة‭ ‬الاحتكار‭ ‬لم‭ ‬تتضمن‭ ‬تعريفًا‭ ‬صريحًا‭ ‬للنطاق‭ ‬السلعي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القضاء‭ ‬الفيدرالي‭ ‬اضطلع‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة،‭ ‬إذ‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬المقصودة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬منتجات‭ ‬يمكن‭ ‬للمستهلك‭ ‬استبدالها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬معقول‭ ‬للأغراض‭ ‬التي‭ ‬أُنتجت‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬عناصر‭ ‬السعر‭ ‬والاستخدام‭ ‬والنوعية‭. ‬وقد‭ ‬وسّعت‭ ‬المحاكم‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬ليشمل‭ ‬الخدمات‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المنتجات‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬فيُلاحظ‭ ‬أن‭ ‬المشرع‭ ‬السعودي‭ ‬قد‭ ‬عرّف‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬تعريفًا‭ ‬عامًا‭ ‬باعتبارها‭ ‬مكان‭ ‬أو‭ ‬وسيلة‭ ‬التقاء‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬خلال‭ ‬مدة‭ ‬زمنية‭ ‬محددة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدرج‭ ‬صراحة‭ ‬مفهوم‭ ‬السوق‭ ‬البديلة‭ ‬ضمن‭ ‬نطاقها‭. ‬ويُؤخذ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬السوق‭ ‬الأصلية‭ ‬والأسواق‭ ‬البديلة،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬قيّد‭ ‬المفهوم‭ ‬بعنصر‭ ‬الزمن‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬قد‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬دقته‭ ‬التحليلية‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬اتجه‭ ‬المشرعون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬قطر‭ ‬والكويت‭ ‬وعُمان‭ ‬والبحرين‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬النطاق‭ ‬السلعي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية‭ ‬بمفهوم‭ ‬السوق‭ ‬البديلة،‭ ‬إذ‭ ‬نصت‭ ‬تشريعاتهم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬المقصودة‭ ‬تشمل‭ ‬جميع‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬يُعد‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بديلًا‭ ‬للآخر‭ ‬أو‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محله‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬المستهلك‭. ‬ويثير‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬وضوح‭ ‬ودقة‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬السوق‭ ‬البديلة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تعريفها‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية‭ ‬بمفهومها‭ ‬الشامل‭.‬
ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يبرز‭ ‬احتياج‭ ‬تشريعي‭ ‬ملحّ‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬تعريف‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدًا‭ ‬ودقة‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية،‭ ‬يميز‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬عناصرها‭ ‬المختلفة،‭ ‬ويستوعب‭ ‬أبعادها‭ ‬السلعية‭ ‬والجغرافية‭ ‬والزمنية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬تقييمًا‭ ‬أدق‭ ‬لحالات‭ ‬الهيمنة‭ ‬ويعزز‭ ‬فاعلية‭ ‬تطبيق‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة‭ ‬ومنع‭ ‬الاحتكار‭.‬
ينفرد‭ ‬المشرّع‭ ‬الإماراتي‭ ‬بصياغة‭ ‬أكثر‭ ‬تميّزًا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬النطاق‭ ‬السلعي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية،‭ ‬إذ‭ ‬يدمج‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬الأصلية‭ ‬والأسواق‭ ‬البديلة‭ ‬ضمن‭ ‬تعريف‭ ‬جامع،‭ ‬وذلك‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬المادة‭ (‬1‭) ‬من‭ ‬قانونه،‭ ‬التي‭ ‬تقرر‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬تشمل‭ ‬السلعة‭ ‬أو‭ ‬الخدمة‭ ‬أو‭ ‬مجموع‭ ‬السلع‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تكون،‭ ‬بحسب‭ ‬سعرها‭ ‬وخصائصها‭ ‬وأوجه‭ ‬استعمالها،‭ ‬قابلة‭ ‬للاستعاضة‭ ‬عنها‭ ‬أو‭ ‬للاختيار‭ ‬بين‭ ‬بدائلها‭ ‬لتلبية‭ ‬حاجة‭ ‬معيّنة‭ ‬للمستهلك‭ ‬داخل‭ ‬منطقة‭ ‬جغرافية‭ ‬محددة‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬رؤية‭ ‬تشريعية‭ ‬متقدمة‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للسوق‭ ‬وبين‭ ‬السلوك‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬البدائل‭ ‬المتاحة‭.‬
ويظهر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬السوق‭ ‬البديلة‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬بتحديد‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬ذاتها،‭ ‬ويقوم‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬على‭ ‬تصور‭ ‬المستهلك‭ ‬لإمكانية‭ ‬إحلال‭ ‬منتج‭ ‬محل‭ ‬آخر‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬السعر‭ ‬أو‭ ‬الخصائص‭ ‬أو‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬الاستخدام‭. ‬وقد‭ ‬تمتد‭ ‬هذه‭ ‬السوق‭ ‬لتشمل‭ ‬منتجًا‭ ‬واحدًا‭ ‬أو‭ ‬عدة‭ ‬منتجات،‭ ‬كما‭ ‬يتسع‭ ‬نطاقها‭ ‬ليشمل‭ ‬الخدمات‭ ‬كذلك،‭ ‬مثل‭ ‬خدمات‭ ‬الحوسبة‭ ‬والاتصال‭ ‬الرقمي‭ ‬والإنترنت،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬الطبيعة‭ ‬المتغيرة‭ ‬للأسواق‭ ‬الحديثة‭ ‬واتساع‭ ‬دوائر‭ ‬التنافس‭ ‬فيها‭.‬
السوق‭ ‬البديلة

ولا‭ ‬يكتمل‭ ‬تحديد‭ ‬المركز‭ ‬المهيمن‭ ‬بمجرد‭ ‬ضبط‭ ‬النطاق‭ ‬السلعي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية،‭ ‬بل‭ ‬يستلزم‭ ‬الأمر‭ ‬تحديد‭ ‬الحيز‭ ‬المكاني‭ ‬الذي‭ ‬يمارس‭ ‬المشروع‭ ‬نشاطه‭ ‬في‭ ‬إطاره،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالنطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية‭. ‬وتنبع‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التحديد‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تضم‭ ‬أسواقًا‭ ‬متعددة‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬ظروفها‭ ‬التنافسية‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬توزيع‭ ‬المنافسة‭ ‬جغرافيًا‭ ‬لضمان‭ ‬قيامها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬مشروعة‭ ‬وفقًا‭ ‬لآليات‭ ‬السوق‭. ‬وكلما‭ ‬اتسع‭ ‬نطاق‭ ‬نشاط‭ ‬المشروع‭ ‬وتعاظمت‭ ‬أهميته،‭ ‬اتسع‭ ‬تبعًا‭ ‬لذلك‭ ‬النطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬للسوق‭ ‬التي‭ ‬يعمل‭ ‬ضمنها‭.‬
ويتباين‭ ‬تحديد‭ ‬هذا‭ ‬النطاق‭ ‬بحسب‭ ‬طبيعة‭ ‬السوق‭ ‬محل‭ ‬الدراسة‭. ‬فقد‭ ‬يحتكر‭ ‬تاجر‭ ‬إنتاج‭ ‬وبيع‭ ‬سلعة‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بعينها،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬بوصفها‭ ‬سوقًا‭ ‬مستقلة،‭ ‬فيُعد‭ ‬التاجر‭ ‬متمتعًا‭ ‬بمركز‭ ‬مهيمن‭ ‬داخلها‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬أمكن‭ ‬لتجار‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬مجاورة‭ ‬دخول‭ ‬السوق‭ ‬ومنافسته‭ ‬بصورة‭ ‬عملية،‭ ‬فإن‭ ‬النطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭ ‬أيضًا،‭ ‬مما‭ ‬ينفي‭ ‬بالضرورة‭ ‬قيام‭ ‬مركز‭ ‬مهيمن،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬غياب‭ ‬منافسين‭ ‬فعليين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬طالما‭ ‬ظل‭ ‬احتمال‭ ‬الدخول‭ ‬قائمًا‭ ‬وقادرًا‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المشروع‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭.‬

حدود‭ ‬المنافسة

وتعكس‭ ‬التشريعات‭ ‬المقارنة‭ ‬تباينًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬تناولها‭ ‬لهذا‭ ‬الجانب‭. ‬فالقوانين‭ ‬الأمريكية‭ ‬لمكافحة‭ ‬الاحتكار‭ ‬لا‭ ‬تضع‭ ‬تعريفًا‭ ‬تشريعيًا‭ ‬محددًا‭ ‬للنطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية،‭ ‬وتترك‭ ‬أمر‭ ‬تقديره‭ ‬للقضاء‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬على‭ ‬حدة‭. ‬ويستقر‭ ‬الاتجاه‭ ‬القضائي‭ ‬هناك‭ ‬على‭ ‬اعتباره‭ ‬منطقة‭ ‬المنافسة‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬يعمل‭ ‬فيها‭ ‬البائع،‭ ‬والتي‭ ‬يستطيع‭ ‬فيها‭ ‬المشتري‭ ‬الانتقال‭ ‬عمليًا‭ ‬إلى‭ ‬موردين‭ ‬آخرين‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬تتسع‭ ‬أو‭ ‬تضيق‭ ‬حدود‭ ‬هذا‭ ‬النطاق‭ ‬بحسب‭ ‬طبيعة‭ ‬التوزيع‭ ‬وانتشار‭ ‬العملاء‭ ‬والظروف‭ ‬الواقعية‭ ‬المحيطة‭ ‬بالسوق‭.‬
أما‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬الخليجي،‭ ‬فيتجه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المشرّعين‭ ‬الكويتي‭ ‬والبحريني‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬النطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬بحدود‭ ‬الدولة‭ ‬كاملة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعتمد‭ ‬المشرّعان‭ ‬العماني‭ ‬والقطري‭ ‬معيار‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تتجانس‭ ‬فيها‭ ‬ظروف‭ ‬المنافسة‭ ‬ويتعامل‭ ‬ضمنها‭ ‬البائعون‭ ‬والمشترون‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬الأسعار‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يعرّف‭ ‬المشرّع‭ ‬السعودي‭ ‬السوق‭ ‬باعتبارها‭ ‬مكانًا‭ ‬أو‭ ‬وسيلة‭ ‬يلتقي‭ ‬فيها‭ ‬المشترون‭ ‬والبائعون‭ ‬الحاليون‭ ‬والمرتقبون‭ ‬خلال‭ ‬مدة‭ ‬زمنية‭ ‬محددة،‭ ‬بينما‭ ‬يربط‭ ‬المشرّع‭ ‬الإماراتي‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الجغرافي‭ ‬وبين‭ ‬قابلية‭ ‬السلع‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬للاستعاضة‭ ‬عنها‭ ‬أو‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬بدائلها‭ ‬داخل‭ ‬منطقة‭ ‬معينة‭.‬
ويُستخلص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬المشرّعين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬يتجنبون‭ ‬وضع‭ ‬حدود‭ ‬جامدة‭ ‬للنطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬للسوق‭ ‬المعنية،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬المعاصر‭ ‬وما‭ ‬يشهده‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬متسارعة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توسع‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وتراجع‭ ‬الحواجز‭ ‬الجغرافية‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يُلاحظ‭ ‬غياب‭ ‬معايير‭ ‬إرشادية‭ ‬واضحة‭ ‬يُستند‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬مدى‭ ‬امتداد‭ ‬نشاط‭ ‬المشروع،‭ ‬مثل‭ ‬نطاق‭ ‬توزيع‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الخدمة‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬قاعدة‭ ‬العملاء،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬تظل‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المشروع‭ ‬يتمتع‭ ‬بمركز‭ ‬مهيمن‭ ‬من‭ ‬عدمه‭.‬
ويُعد‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬يتبناه‭ ‬المشرّعان‭ ‬القطري‭ ‬والعماني‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الاتجاهات‭ ‬دقة،‭ ‬لاعتمادهما‭ ‬معيار‭ ‬‮«‬تجانس‭ ‬ظروف‭ ‬المنافسة‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬قرينة‭ ‬عامة‭ ‬تسترشد‭ ‬بها‭ ‬الجهات‭ ‬القضائية‭ ‬والرقابية‭ ‬عند‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالمراكز‭ ‬المهيمنة‭ ‬وحدود‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭.‬
وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمرونة‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬فإن‭ ‬قياس‭ ‬درجة‭ ‬التماثل‭ ‬أو‭ ‬قابلية‭ ‬الإحلال‭ ‬بين‭ ‬المنتجات‭ ‬يظل‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المسائل‭ ‬تعقيدًا‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العملي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يستقر‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬معيارين‭ ‬مترابطين‭ ‬هما‭ ‬مرونة‭ ‬العرض‭ ‬ومرونة‭ ‬الطلب،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬أداتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬لتقدير‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬البدائل‭ ‬وتحديد‭ ‬الحدود‭ ‬الفعلية‭ ‬للتنافس‭ ‬داخلها‭.‬

معيار‭ ‬مرونة‭ ‬العرض

يرتكز‭ ‬معيار‭ ‬مرونة‭ ‬العرض‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬دخول‭ ‬منافسين‭ ‬جدد‭ ‬لتغطية‭ ‬الطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعارها‭. ‬ويعتمد‭ ‬هذا‭ ‬المعيار‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬الإمكانات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والفنية‭ ‬للمنافسين،‭ ‬التي‭ ‬تمكّنهم‭ ‬من‭ ‬تزويد‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬ببدائل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬منافسة‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الخدمة‭ ‬محل‭ ‬البحث‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬معقولة‭.‬
وتتمثل‭ ‬محددات‭ ‬مرونة‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المنشآت‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬خطوط‭ ‬إنتاج‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬بديلة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬زمني‭ ‬يسمح‭ ‬بتعديل‭ ‬هيكل‭ ‬السوق‭ ‬ومواجهة‭ ‬أي‭ ‬سلوك‭ ‬تسعيري‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الإخلال‭ ‬بالمنافسة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يسترشد‭ ‬القضاء‭ ‬المقارن،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬القضاء‭ ‬الأميركي،‭ ‬بمبدأ‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬إمكانية‭ ‬فتح‭ ‬خطوط‭ ‬إنتاج‭ ‬بديلة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬معقولة‭ ‬تنفي،‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬قيام‭ ‬سلوك‭ ‬احتكاري‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬السوق‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬توازنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دخول‭ ‬منافسين‭ ‬جدد‭.‬
وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬يعتمد‭ ‬المشرع‭ ‬الكويتي‭ ‬بصورة‭ ‬ضمنية‭ ‬معيار‭ ‬مرونة‭ ‬العرض‭ ‬عند‭ ‬قياس‭ ‬درجة‭ ‬التبادلية‭ ‬بين‭ ‬المنتجات،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬اللائحة‭ ‬التنفيذية‭ ‬لقانون‭ ‬حماية‭ ‬المنافسة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬مراعاة‭ ‬مستوى‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬الكلي‭ ‬للسلع‭ ‬والخدمات‭ ‬عند‭ ‬دراسة‭ ‬طلبات‭ ‬الاستثناء،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬تقييد‭ ‬تدفق‭ ‬المنتجات‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬أو‭ ‬إخراجها‭ ‬منها‭ ‬بصورة‭ ‬كلية‭ ‬أو‭ ‬جزئية‭.‬

معيار‭ ‬مرونة‭ ‬الطلب

يُقصد‭ ‬بمعيار‭ ‬مرونة‭ ‬الطلب‭ ‬مدى‭ ‬استجابة‭ ‬المستهلكين‭ ‬للتغير‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬محددة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتقالهم‭ ‬إلى‭ ‬بدائل‭ ‬متاحة‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬فإذا‭ ‬أدى‭ ‬تغير‭ ‬السعر‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬نحو‭ ‬منتجات‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬مماثلة،‭ ‬دلّ‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجة‭ ‬المرونة،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬ظل‭ ‬الطلب‭ ‬ثابتًا‭ ‬رغم‭ ‬تغير‭ ‬السعر،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬المرونة‭ ‬أو‭ ‬انعدامها،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬غياب‭ ‬بدائل‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
ويرتبط‭ ‬هذا‭ ‬المعيار‭ ‬بدرجة‭ ‬التماثل‭ ‬بين‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشكل‭ ‬والاستخدام‭ ‬والغرض‭ ‬الوظيفي،‭ ‬كما‭ ‬يقاس‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬العملاء‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬بين‭ ‬السلع‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬واحدة‭ ‬عند‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬أحدها‭ ‬أو‭ ‬تعذر‭ ‬توافره‭.‬
ويستند‭ ‬القضاء‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المعيار‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬عملية‭ ‬لتقدير‭ ‬التبادلية‭ ‬بين‭ ‬المنتجات‭ ‬والخدمات،‭ ‬حيث‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬خيار‭ ‬فعلي‭ ‬يلجأ‭ ‬إليه‭ ‬المشترون‭ ‬مباشرة‭ ‬لتلبية‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬ينفي‭ ‬قيام‭ ‬مركز‭ ‬مهيمن‭. ‬ويُستدل‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬المتقاربة‭ ‬ظاهريًا،‭ ‬متى‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬المنتجات‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬الوظيفة‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المستهلك‭ ‬ولا‭ ‬تحقق‭ ‬الغرض‭ ‬نفسه‭.‬

خلاصة‭ ‬تنظيمية

يتضح،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬إساءة‭ ‬استعمال‭ ‬المركز‭ ‬المهيمن‭ ‬تتحقق‭ ‬متى‭ ‬توافرت‭ ‬محددات‭ ‬السوق‭ ‬المعنية‭ ‬مجتمعة،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬استحواذ‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬سلعي‭ ‬معين،‭ ‬وممارسته‭ ‬نشاطه‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافي‭ ‬محدد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضعف‭ ‬مرونة‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬بما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬بدائل‭ ‬فعالة‭ ‬أو‭ ‬انتقال‭ ‬المستهلكين‭ ‬إليها‭.‬

رجوع لأعلى