حدود المنافسة وتشكّل النفوذ الاحتكاري في الأسواق المعاصرة
في عالم تتسارع فيه الأحداث يوميًا، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أصبح من الضروري للإنسان أن يمتلك رؤية واضحة تساعده على فهم ما يحدث من حوله. فكل قرار صغير، أو تغير طارئ في الأسواق أو في محيطه المهني أو الشخصي، قد يكون له تأثيرات بعيدة المدى على حياته اليومية ومستقبله.
ولذلك، لم يعد الاكتفاء بالمعلومات السطحية كافيًا، بل أصبح البحث والتحليل الدقيق للأحداث ومتابعة الوقائع من المصادر الموثوقة أمرًا ضروريًا، ليس فقط لفهم ما يجري، بل لاتخاذ قرارات مدروسة وصائبة. فالمعرفة ليست مجرد جمع بيانات، بل هي القدرة على الربط بين الوقائع وتحليل النتائج واستشراف ما قد يحمله المستقبل.
وبهذا المعنى، يصبح الوعي بالتحولات والتغيرات حولنا أداة قوية تمكن الأفراد والمؤسسات على حد سواء من التعامل بمرونة مع التحديات، واستغلال الفرص المتاحة، والتكيف مع التغيرات المفاجئة التي قد تعصف بالخطط غير المحكمة. إن التسلح بالمعلومة والمعرفة الدقيقة هو المفتاح لفهم البيئة المحيطة واتخاذ خطوات استراتيجية ناجحة نحو المستقبل.
تمثل إساءة استعمال المركز المهيمن أحد أبرز مظاهر الممارسات الاحتكارية ذات الأثر السلبي في أي نظام اقتصادي. ويقتضي الوقوف على هذا المركز، ابتداءً، تحديد السوق المعنية التي قد يتمتع المشروع في نطاقها بوضع مهيمن. فلا يمكن قياس الحصص السوقية للمشروعات التجارية أو تقييم درجة نفوذها التنافسي من دون رسم حدود واضحة لهذه السوق، سواء من حيث طبيعتها أو امتدادها.
وقد استقر النهج التشريعي والقضائي في معظم دول العالم على إيلاء مفهوم السوق المعنية أهمية مركزية في تحليل حالات الهيمنة، باعتبارها الإطار الذي يتحدد داخله نطاق المنافسة الفعلية. ويُعرّف هذا المفهوم بوجه عام بأنه المجال الذي يلتقي فيه العرض والطلب على منتج معين أو خدمة محددة. وانطلاقًا من هذا التعريف، تقوم السوق المعنية على ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في النطاق السلعي، والنطاق الجغرافي، وقوى العرض والطلب التي تحكم آليات السوق.
النطاق السلعي للسوق المعنية
يتحدد النطاق السلعي في إطار المنتجات أو الخدمات التي يمارس المشروع من خلالها نفوذه المهيمن. ويقتضي تحديد هذا النطاق بحثًا متزامنًا في مدى توافر بدائل للمنتجات أو الخدمات محل الدراسة، أي تلك التي يمكن أن تحل محلها من حيث السعر أو الاستخدام أو الجودة في نظر المستهلك. فوجود منتجات أو خدمات بديلة يوسع من دائرة المنافسة ويحدّ من قدرة المشروع على الانفراد بالسوق.
ولا يقتصر التحليل على المنتجات أو الخدمات الأصلية والبديلة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المنتجات أو الخدمات المكملة التي ترتبط بالأولى بعلاقة تكامل وظيفي، بحيث يستدعي استخدام المنتج الأساسي اقتناء منتج ثانوي أو خدمة مساندة. ويُعد مثال الحبر المستخدم في الطابعات نموذجًا واضحًا لهذه العلاقة، إذ يمثل منتجًا مكمّلًا لاستخدام الجهاز الأساسي. ورغم أن هذه الأسواق المكملة قد تشكل في بعض الأحيان سوقًا مستقلة بذاتها، فإن تأثيرها يظل غير مباشر في تحديد حدود السوق الأصلية والبديلة.
وعلى هذا الأساس، ينصرف التركيز في الغالب إلى سوق المنتجات أو الخدمات الأصلية والبديلة، باعتبارها الإطار الرئيسي الذي تتجلى فيه ملامح الهيمنة التنافسية، بينما تدخل الأسواق المكملة ضمن دائرة التحليل بوصفها عوامل مساندة قد تعزز أو تحدّ من قوة المشروع في السوق الأساسية.
وبالرجوع إلى القوانين المقارنة، يُلاحظ أن التشريعات الأمريكية في مجال مكافحة الاحتكار لم تتضمن تعريفًا صريحًا للنطاق السلعي للسوق المعنية، غير أن القضاء الفيدرالي اضطلع بهذه المهمة، إذ قرر أن السوق المقصودة هي تلك التي تتألف من منتجات يمكن للمستهلك استبدالها على نحو معقول للأغراض التي أُنتجت من أجلها، مع مراعاة عناصر السعر والاستخدام والنوعية. وقد وسّعت المحاكم هذا المفهوم ليشمل الخدمات إلى جانب المنتجات.
أما على المستوى الإقليمي في دول مجلس التعاون الخليجي، فيُلاحظ أن المشرع السعودي قد عرّف السوق المعنية تعريفًا عامًا باعتبارها مكان أو وسيلة التقاء العرض والطلب خلال مدة زمنية محددة، من دون أن يدرج صراحة مفهوم السوق البديلة ضمن نطاقها. ويُؤخذ على هذا التعريف أنه لم يميز بين السوق الأصلية والأسواق البديلة، كما أنه قيّد المفهوم بعنصر الزمن على نحو قد يحدّ من دقته التحليلية.
في المقابل، اتجه المشرعون في كل من قطر والكويت وعُمان والبحرين إلى ربط النطاق السلعي للسوق المعنية بمفهوم السوق البديلة، إذ نصت تشريعاتهم على أن السوق المقصودة تشمل جميع المنتجات أو الخدمات التي يُعد كل منها بديلًا للآخر أو يمكن أن يحل محله في تلبية احتياجات المستهلك. ويثير هذا التوجه تساؤلات حول مدى وضوح ودقة هذا المفهوم، ذلك أن هذه النصوص تميل إلى تعريف السوق البديلة أكثر من تعريفها للسوق المعنية بمفهومها الشامل.
ومن ثم، يبرز احتياج تشريعي ملحّ إلى وضع تعريف أكثر تحديدًا ودقة للسوق المعنية، يميز بوضوح بين عناصرها المختلفة، ويستوعب أبعادها السلعية والجغرافية والزمنية، بما يتيح تقييمًا أدق لحالات الهيمنة ويعزز فاعلية تطبيق قواعد المنافسة ومنع الاحتكار.
ينفرد المشرّع الإماراتي بصياغة أكثر تميّزًا في تحديد النطاق السلعي للسوق المعنية، إذ يدمج بوضوح بين الأسواق الأصلية والأسواق البديلة ضمن تعريف جامع، وذلك استنادًا إلى المادة (1) من قانونه، التي تقرر أن السوق المعنية تشمل السلعة أو الخدمة أو مجموع السلع أو الخدمات التي تكون، بحسب سعرها وخصائصها وأوجه استعمالها، قابلة للاستعاضة عنها أو للاختيار بين بدائلها لتلبية حاجة معيّنة للمستهلك داخل منطقة جغرافية محددة. ويعكس هذا التعريف رؤية تشريعية متقدمة تربط بين البعد الاقتصادي للسوق وبين السلوك الاستهلاكي القائم على المفاضلة بين البدائل المتاحة.
ويظهر من هذا التوجّه أن مفهوم السوق البديلة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحديد السوق المعنية ذاتها، ويقوم في جوهره على تصور المستهلك لإمكانية إحلال منتج محل آخر استنادًا إلى عوامل السعر أو الخصائص أو الغاية من الاستخدام. وقد تمتد هذه السوق لتشمل منتجًا واحدًا أو عدة منتجات، كما يتسع نطاقها ليشمل الخدمات كذلك، مثل خدمات الحوسبة والاتصال الرقمي والإنترنت، بما يعكس الطبيعة المتغيرة للأسواق الحديثة واتساع دوائر التنافس فيها.
السوق البديلة
ولا يكتمل تحديد المركز المهيمن بمجرد ضبط النطاق السلعي للسوق المعنية، بل يستلزم الأمر تحديد الحيز المكاني الذي يمارس المشروع نشاطه في إطاره، وهو ما يُعرف بالنطاق الجغرافي للسوق المعنية. وتنبع أهمية هذا التحديد من واقع أن الدولة تضم أسواقًا متعددة تختلف في ظروفها التنافسية من منطقة إلى أخرى، الأمر الذي يفرض توزيع المنافسة جغرافيًا لضمان قيامها على أسس مشروعة وفقًا لآليات السوق. وكلما اتسع نطاق نشاط المشروع وتعاظمت أهميته، اتسع تبعًا لذلك النطاق الجغرافي للسوق التي يعمل ضمنها.
ويتباين تحديد هذا النطاق بحسب طبيعة السوق محل الدراسة. فقد يحتكر تاجر إنتاج وبيع سلعة معينة في مدينة بعينها، وفي هذه الحالة يُنظر إلى تلك المدينة بوصفها سوقًا مستقلة، فيُعد التاجر متمتعًا بمركز مهيمن داخلها. أما إذا أمكن لتجار من مدن مجاورة دخول السوق ومنافسته بصورة عملية، فإن النطاق الجغرافي يمتد ليشمل تلك المدن أيضًا، مما ينفي بالضرورة قيام مركز مهيمن، حتى في حال غياب منافسين فعليين في الوقت الراهن، طالما ظل احتمال الدخول قائمًا وقادرًا على التأثير في سلوك المشروع داخل السوق.
حدود المنافسة
وتعكس التشريعات المقارنة تباينًا واضحًا في تناولها لهذا الجانب. فالقوانين الأمريكية لمكافحة الاحتكار لا تضع تعريفًا تشريعيًا محددًا للنطاق الجغرافي للسوق المعنية، وتترك أمر تقديره للقضاء في ضوء كل حالة على حدة. ويستقر الاتجاه القضائي هناك على اعتباره منطقة المنافسة الفعلية التي يعمل فيها البائع، والتي يستطيع فيها المشتري الانتقال عمليًا إلى موردين آخرين. وبناءً على ذلك، تتسع أو تضيق حدود هذا النطاق بحسب طبيعة التوزيع وانتشار العملاء والظروف الواقعية المحيطة بالسوق.
أما في الإطار الخليجي، فيتجه كل من المشرّعين الكويتي والبحريني إلى تحديد النطاق الجغرافي بحدود الدولة كاملة، في حين يعتمد المشرّعان العماني والقطري معيار المنطقة التي تتجانس فيها ظروف المنافسة ويتعامل ضمنها البائعون والمشترون على تحديد الأسعار. وفي المقابل، يعرّف المشرّع السعودي السوق باعتبارها مكانًا أو وسيلة يلتقي فيها المشترون والبائعون الحاليون والمرتقبون خلال مدة زمنية محددة، بينما يربط المشرّع الإماراتي بين البعد الجغرافي وبين قابلية السلع أو الخدمات للاستعاضة عنها أو الاختيار بين بدائلها داخل منطقة معينة.
ويُستخلص من هذه الاتجاهات أن معظم المشرّعين في دول الخليج يتجنبون وضع حدود جامدة للنطاق الجغرافي للسوق المعنية، وهو توجه ينسجم مع طبيعة النشاط التجاري المعاصر وما يشهده من تحولات متسارعة، لا سيما في ظل توسع التجارة الإلكترونية وتراجع الحواجز الجغرافية التقليدية بين الأسواق. ومع ذلك، يُلاحظ غياب معايير إرشادية واضحة يُستند إليها في تقدير مدى امتداد نشاط المشروع، مثل نطاق توزيع المنتج أو الخدمة أو حجم قاعدة العملاء، وهي عناصر تظل ذات أهمية عملية في تقييم ما إذا كان المشروع يتمتع بمركز مهيمن من عدمه.
ويُعد النهج الذي يتبناه المشرّعان القطري والعماني من أكثر الاتجاهات دقة، لاعتمادهما معيار «تجانس ظروف المنافسة» بوصفه قرينة عامة تسترشد بها الجهات القضائية والرقابية عند الفصل في النزاعات ذات الصلة بالمراكز المهيمنة وحدود السوق المعنية.
وفيما يتعلق بمرونة العرض والطلب، فإن قياس درجة التماثل أو قابلية الإحلال بين المنتجات يظل من أكثر المسائل تعقيدًا على الصعيد العملي. ومع ذلك، يستقر التطبيق العملي على الاعتماد على معيارين مترابطين هما مرونة العرض ومرونة الطلب، باعتبارهما أداتين أساسيتين لتقدير مدى قدرة السوق على استيعاب البدائل وتحديد الحدود الفعلية للتنافس داخلها.
معيار مرونة العرض
يرتكز معيار مرونة العرض على مدى قدرة السوق على استيعاب دخول منافسين جدد لتغطية الطلب المتزايد على المنتجات أو الخدمات التي ترتفع أسعارها. ويعتمد هذا المعيار أساسًا على الإمكانات الإنتاجية والفنية للمنافسين، التي تمكّنهم من تزويد السوق المعنية ببدائل قادرة على منافسة المنتج أو الخدمة محل البحث خلال فترة زمنية معقولة.
وتتمثل محددات مرونة العرض في قدرة المنشآت على إنشاء خطوط إنتاج أو تقديم خدمات بديلة في إطار زمني يسمح بتعديل هيكل السوق ومواجهة أي سلوك تسعيري قد يؤدي إلى الإخلال بالمنافسة. وفي هذا السياق، يسترشد القضاء المقارن، ولا سيما القضاء الأميركي، بمبدأ مفاده أن إمكانية فتح خطوط إنتاج بديلة خلال فترة معقولة تنفي، في حد ذاتها، قيام سلوك احتكاري إذا كان السوق قادرًا على استعادة توازنه من خلال دخول منافسين جدد.
وعلى المستوى الإقليمي في دول الخليج العربية، يعتمد المشرع الكويتي بصورة ضمنية معيار مرونة العرض عند قياس درجة التبادلية بين المنتجات، حيث تشير اللائحة التنفيذية لقانون حماية المنافسة إلى ضرورة مراعاة مستوى التأثير في العرض والطلب الكلي للسلع والخدمات عند دراسة طلبات الاستثناء، بما يضمن عدم تقييد تدفق المنتجات إلى الأسواق أو إخراجها منها بصورة كلية أو جزئية.
معيار مرونة الطلب
يُقصد بمعيار مرونة الطلب مدى استجابة المستهلكين للتغير في أسعار المنتجات أو الخدمات خلال فترة زمنية محددة، من خلال انتقالهم إلى بدائل متاحة في السوق. فإذا أدى تغير السعر إلى تحول واضح في سلوك المستهلكين نحو منتجات أو خدمات مماثلة، دلّ ذلك على ارتفاع درجة المرونة، أما إذا ظل الطلب ثابتًا رغم تغير السعر، فإن ذلك يشير إلى انخفاض المرونة أو انعدامها، بما يعكس غياب بدائل حقيقية في السوق.
ويرتبط هذا المعيار بدرجة التماثل بين المنتجات أو الخدمات من حيث الشكل والاستخدام والغرض الوظيفي، كما يقاس بمدى قدرة العملاء على التحول بين السلع التي تنتمي إلى سوق واحدة عند ارتفاع سعر أحدها أو تعذر توافره.
ويستند القضاء الأميركي إلى هذا المعيار بوصفه أداة عملية لتقدير التبادلية بين المنتجات والخدمات، حيث يعتبر أن وجود خيار فعلي يلجأ إليه المشترون مباشرة لتلبية احتياجاتهم ينفي قيام مركز مهيمن. ويُستدل بذلك في التمييز بين الأسواق المتقاربة ظاهريًا، متى ثبت أن المنتجات لا تؤدي الوظيفة ذاتها في نظر المستهلك ولا تحقق الغرض نفسه.
خلاصة تنظيمية
يتضح، في ضوء ذلك، أن إساءة استعمال المركز المهيمن تتحقق متى توافرت محددات السوق المعنية مجتمعة، والمتمثلة في استحواذ المشروع على نطاق سلعي معين، وممارسته نشاطه ضمن نطاق جغرافي محدد، إلى جانب ضعف مرونة العرض والطلب بما يحد من قدرة السوق على إنتاج بدائل فعالة أو انتقال المستهلكين إليها.