حرب إيران تختبر أعصاب الأسواق العالمية
أثارت الحرب الدائرة في إيران هذا الأسبوع موجة من التقلبات في الأسواق المالية العالمية، في مشهد يعكس حساسية النظام الاقتصادي الدولي لأي اضطراب في الشرق الأوسط. فقد تذبذبت أسواق الأسهم بين الصعود والهبوط، وتراجعت السندات تحت ضغط المخاوف التضخمية، بينما توقف الدولار عن سلسلة خسائره الأخيرة، في حين واصلت أسعار النفط ارتفاعها، وقفزت أسعار الغاز الطبيعي بشكل حاد.
ورغم هذا المشهد المضطرب، فإن رد فعل الأسواق لا يوحي بوجود حالة ذعر حقيقية بين المستثمرين. بل على العكس، يبدو أن الكثير منهم يتعامل مع التطورات بوصفها أزمة قابلة للاحتواء، لا بداية لزلزال اقتصادي عالمي. ويشير سلوك المتداولين إلى أنهم لا يضعون في حساباتهم سيناريو كارثياً واسع النطاق، بل يكتفون بمراجعة محافظهم الاستثمارية وإعادة ترتيب مراكزهم تحسباً لبعض التقلبات قصيرة الأجل.
لكن هذا الهدوء النسبي قد يخفي وراءه قدراً من التفاؤل المفرط. فالتاريخ الاقتصادي يذكرنا بأن الشرق الأوسط يمتلك قدرة شبه فريدة على إرباك الاقتصاد العالمي، ليس فقط بسبب موقعه الجيوسياسي، بل أيضاً بسبب الدور المركزي الذي تلعبه موارده من النفط والغاز في تشغيل عجلة الاقتصاد الدولي.
صحيح أن المأساة الإنسانية للحروب تتجاوز بكثير تأثيراتها على الأسواق المالية، غير أن الاقتصاد العالمي غالباً ما يكون شديد الحساسية لأي اضطراب في إمدادات الطاقة. ولهذا فإن اندلاع العنف في منطقة تعد القلب النابض لسوق الطاقة العالمية يظل مسألة بالغة الخطورة بالنسبة للنظام المالي الدولي.
الأسواق تراهن على احتواء الصراع
مع ذلك، فإن المزاج العام بين المحللين والمستثمرين يبدو أقل تشاؤماً مما قد يتوقعه البعض. فخلال الأيام الماضية، تكررت الرسالة نفسها تقريباً في معظم المذكرات البحثية الصادرة عن البنوك وشركات إدارة الأصول: لا داعي للذعر.
ويستند هذا التقييم إلى فرضية سياسية واضحة، مفادها أن الإدارة الأمريكية ليست في وارد السماح بانفلات أسعار النفط، خصوصاً في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة خلال نوفمبر المقبل. ووفق هذا المنطق، فإن واشنطن لن تبقي قواتها منخرطة في صراع طويل قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية، بل ستسعى إلى احتواء الأزمة سريعاً وإعادة إمدادات النفط والغاز إلى مسارها الطبيعي.
هذه القراءة السياسية للأحداث أصبحت محوراً رئيسياً في تقديرات الأسواق، إذ يرى كثير من المستثمرين أن الصراع الحالي، مهما بدا خطيراً في لحظته الراهنة، لن يتحول إلى حرب طويلة الأمد قادرة على إحداث صدمة طاقة عالمية مستمرة.
دروس التاريخ
يستند هذا التفاؤل أيضاً إلى سجل طويل من التجارب التاريخية. فقد أثبتت الأسواق المالية مراراً أن الصدمات الجيوسياسية نادراً ما تترك أثراً دائماً على أسعار الأصول. ففي كثير من الأحيان، تتراجع الأسواق في الأيام الأولى للأزمات، ثم تعود إلى التعافي بسرعة بمجرد انحسار حالة الذعر الأولي.
بالنسبة لمديري الصناديق الاستثمارية، يشكل هذا التاريخ أحد أهم الأدلة التي يستندون إليها في قراراتهم. فالانسحاب السريع من الأسواق خلال الأزمات قد يعني تفويت فرص استثمارية مربحة عندما تبدأ الأسواق بالارتداد. وغالباً ما تكون موجات التعافي في الأسواق قوية وسريعة لدرجة تجعل المستثمرين الذين خرجوا مبكراً يجدون صعوبة في العودة في الوقت المناسب.
وفي مذكرة تحليلية حديثة، أشارت مجموعة «مان» لإدارة صناديق التحوط إلى أن رد الفعل المتوسط لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وهو المؤشر القياسي للأسهم الأمريكية، بعد الصدمات الجيوسياسية كان مفاجئاً في كثير من الأحيان.
فبحسب بيانات المجموعة، يبلغ متوسط العائد السعري للمؤشر بعد شهر واحد من وقوع حدث جيوسياسي كبير نحو 2 في المئة، وهو ما يقارب ضعف متوسط الحركة الشهرية المعتادة التي تبلغ نحو 1.1 في المئة. كما يظل المؤشر في المنطقة الإيجابية في نحو 62 في المئة من الحالات التاريخية.
هذه الأرقام تفسر جزئياً سبب عدم دخول الأسواق في حالة هلع حقيقية حتى الآن، رغم خطورة التطورات الجارية في الشرق الأوسط.
ليست كل الصراعات متشابهة
مع ذلك، يشير محللون إلى أن الاعتماد على المتوسطات التاريخية قد يكون مضللاً أحياناً. فالصراعات الجيوسياسية ليست متشابهة، وبعضها قد يحمل تداعيات أعمق بكثير من غيره، خصوصاً إذا كان مرتبطاً بإمدادات الطاقة أو بسلاسل التجارة العالمية.
وعلى سبيل المثال، أدى الهجوم الذي شنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نظام التجارة العالمي العام الماضي، عبر فرض رسوم جمركية واسعة، إلى اضطراب شديد في جميع فئات الأصول تقريباً. فقد تراجعت الأسهم، واهتزت العملات، وارتفعت التقلبات في الأسواق العالمية.
وبالمقارنة مع تلك التطورات، يرى بعض المستثمرين أن الضربات العسكرية الأخيرة على إيران، رغم خطورتها السياسية، لا تزال محدودة نسبياً من حيث تأثيرها الاقتصادي المباشر حتى الآن.
النفط يرتفع
في أسواق الطاقة، ارتفعت أسعار النفط بنحو 50 في المئة مقارنة بمستوياتها في بداية العام. وبلا شك، يمثل هذا الارتفاع ضغطاً مؤلماً على الاقتصادات المستوردة للطاقة وعلى المستهلكين في مختلف أنحاء العالم.
ومع ذلك، فإن سعر خام برنت، وهو المؤشر القياسي العالمي للنفط، لا يزال يتداول عند مستويات تقارب 90 دولاراً للبرميل. وعلى الرغم من أن هذا المستوى مرتفع نسبياً، فإنه لا يزال بعيداً عن السيناريوهات الأكثر تشاؤماً التي قد تدفع الأسعار إلى ما فوق 120 أو حتى 150 دولاراً للبرميل.
ويعتقد معظم الاقتصاديين أن تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل بشكل مستقر يتطلب تعطلاً واسعاً في الإمدادات، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
الغاز الطبيعي يقفز
أما في سوق الغاز الطبيعي، فقد ارتفعت الأسعار بأكثر من 60 في المئة خلال الفترة الأخيرة، وهو ارتفاع حاد بلا شك، خصوصاً بالنسبة لأوروبا التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية احتياجاتها من الطاقة.
لكن الوضع الحالي يختلف كثيراً عن أزمة الطاقة التي شهدتها القارة في عام 2022 عقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا. ففي ذلك الوقت، أدى توقف الإمدادات الروسية إلى اضطراب كبير في شبكات الطاقة الأوروبية، وفاقم موجة التضخم التي كانت قد بدأت بالفعل بسبب تداعيات جائحة «كوفيد-19».
اليوم، تمتلك أوروبا مخزونات أكبر من الغاز، كما أن بنيتها التحتية لاستيراد الغاز الطبيعي المسال أصبحت أكثر تطوراً، وهو ما يمنحها هامشاً أكبر للتعامل مع الصدمات المحتملة.
الأسواق تتحرك
تعكس مؤشرات الأسهم العالمية هذا المزاج الحذر. فقد سجل مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسهم تراجعاً بنحو 2 في المئة فقط منذ اندلاع الأزمة، وهو انخفاض محدود نسبياً مقارنة بالتراجعات الحادة التي شهدتها الأسواق خلال أزمات سابقة.
وللمقارنة، فإن فرض الرسوم الجمركية في ما عرف بـ«يوم التحرير» أدى إلى تراجع المؤشر نفسه بنحو 10 في المئة خلال أيام قليلة فقط.
هذا الفارق يعكس بوضوح أن المستثمرين لا يتوقعون حتى الآن سيناريو انهيار اقتصادي واسع النطاق، بل يرون في التطورات الحالية أزمة يمكن للأسواق استيعابها.
السندات تحت الضغط
في سوق السندات، يظهر التأثير بشكل أوضح، إذ تؤدي توقعات التضخم المرتفع عادة إلى انخفاض أسعار السندات.
وقال فينسنت مورتييه، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أموندي» لإدارة الأصول، إن الأسواق تركز حالياً على التأثير التضخمي للصراع. فارتفاع أسعار الطاقة يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات.
وأوضح مورتييه أن هذا ما يفسر تراجع السندات خلال الأيام الماضية، مشيراً إلى أن كثيراً من المستثمرين الذين راهنوا على انخفاض التضخم تعرضوا لخسائر ملحوظة. ومع ذلك، فإن سوق السندات لا يزال بعيداً عن حالة الذعر، إذ يواصل المستثمرون التعامل مع التطورات باعتبارها أزمة يمكن السيطرة عليها.
جني أرباح وليس هروباً من المخاطر
ومن الملاحظ أيضاً أن الأسهم التي تراجعت أكثر من غيرها هي تلك التي حققت أقوى المكاسب خلال الأشهر الماضية. ويشمل ذلك أسواقاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية وبعض الأسواق الأوروبية، إضافة إلى عملات عدد من الاقتصادات الناشئة.
ويرى المحللون أن هذا النمط يشير إلى أن المستثمرين يقومون ببساطة بتثبيت بعض الأرباح التي حققوها في الفترة الماضية، بدلاً من التخلي عن الأصول الأساسية في محافظهم الاستثمارية.
بعبارة أخرى، فإن ما يحدث في الأسواق يبدو أقرب إلى إعادة توازن للمحافظ الاستثمارية، لا إلى موجة بيع واسعة مدفوعة بالذعر.
قطاع الطاقة يحذر من الأسوأ
لكن هذه الصورة الهادئة نسبياً في الأسواق المالية تتناقض بشكل واضح مع التحذيرات الصادرة من قطاع الطاقة نفسه. فقد حذر وزير الطاقة القطري مؤخراً من أن اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى «تدمير اقتصادات العالم».
ورغم أن هذا التصريح قد يبدو مبالغاً فيه للوهلة الأولى، فإن بعض الخبراء يرون أنه لا يخلو من وجاهة. فاندلاع صدمة طاقة حقيقية قد يترك آثاراً عميقة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
من سيتحمل الصدمة؟
المفارقة أن الولايات المتحدة قد تكون الأقل تضرراً نسبياً من مثل هذه الصدمة. فبفضل طفرة النفط والغاز الصخري خلال العقد الماضي، أصبحت واشنطن أكبر منتج للطاقة في العالم، ما يمنحها درجة من الحماية مقارنة بالاقتصادات الأخرى.
أما أوروبا والعديد من الاقتصادات الآسيوية، فإنها تظل أكثر عرضة للتقلبات في أسعار الطاقة، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي فيها.
خطر صراع طويل الأمد
السؤال الحقيقي الذي يواجه الأسواق اليوم لا يتعلق بما يحدث الآن، بل بما قد يحدث لاحقاً. فحتى اللحظة، لا يزال نطاق الصراع محدوداً نسبياً، ولم تتعرض البنية التحتية الرئيسية للطاقة في المنطقة لضرر واسع.
لكن إذا تحول الصراع إلى مواجهة طويلة الأمد أو امتد إلى مناطق إنتاج رئيسية في الخليج، فإن المشهد الاقتصادي العالمي قد يتغير بشكل جذري.
وفي هذه الحالة، قد تواجه الأسواق سيناريو نادراً لكنه شديد الخطورة: تراجع الأسهم والسندات في الوقت نفسه، ما يترك المستثمرين دون ملاذ آمن يحمي محافظهم الاستثمارية.