تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حرب‭ ‬إيران‭ ‬تختبر‭ ‬أعصاب‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية

حرب‭ ‬إيران‭ ‬تختبر‭ ‬أعصاب‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية

أثارت‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬حساسية‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدولي‭ ‬لأي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فقد‭ ‬تذبذبت‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬بين‭ ‬الصعود‭ ‬والهبوط،‭ ‬وتراجعت‭ ‬السندات‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬المخاوف‭ ‬التضخمية،‭ ‬بينما‭ ‬توقف‭ ‬الدولار‭ ‬عن‭ ‬سلسلة‭ ‬خسائره‭ ‬الأخيرة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬واصلت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬ارتفاعها،‭ ‬وقفزت‭ ‬أسعار‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭.‬
ورغم‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المضطرب،‭ ‬فإن‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬يوحي‭ ‬بوجود‭ ‬حالة‭ ‬ذعر‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬المستثمرين‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬بوصفها‭ ‬أزمة‭ ‬قابلة‭ ‬للاحتواء،‭ ‬لا‭ ‬بداية‭ ‬لزلزال‭ ‬اقتصادي‭ ‬عالمي‭. ‬ويشير‭ ‬سلوك‭ ‬المتداولين‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يضعون‭ ‬في‭ ‬حساباتهم‭ ‬سيناريو‭ ‬كارثياً‭ ‬واسع‭ ‬النطاق،‭ ‬بل‭ ‬يكتفون‭ ‬بمراجعة‭ ‬محافظهم‭ ‬الاستثمارية‭ ‬وإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬مراكزهم‭ ‬تحسباً‭ ‬لبعض‭ ‬التقلبات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬الهدوء‭ ‬النسبي‭ ‬قد‭ ‬يخفي‭ ‬وراءه‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬التفاؤل‭ ‬المفرط‭. ‬فالتاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬شبه‭ ‬فريدة‭ ‬على‭ ‬إرباك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬موقعه‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بسبب‭ ‬الدور‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬موارده‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬تشغيل‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭.‬
صحيح‭ ‬أن‭ ‬المأساة‭ ‬الإنسانية‭ ‬للحروب‭ ‬تتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬تأثيراتها‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية‭ ‬لأي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬اندلاع‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تعد‭ ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬لسوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬يظل‭ ‬مسألة‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للنظام‭ ‬المالي‭ ‬الدولي‭.‬

الأسواق‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬الصراع

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المزاج‭ ‬العام‭ ‬بين‭ ‬المحللين‭ ‬والمستثمرين‭ ‬يبدو‭ ‬أقل‭ ‬تشاؤماً‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يتوقعه‭ ‬البعض‭. ‬فخلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬تكررت‭ ‬الرسالة‭ ‬نفسها‭ ‬تقريباً‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬المذكرات‭ ‬البحثية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬البنوك‭ ‬وشركات‭ ‬إدارة‭ ‬الأصول‭: ‬لا‭ ‬داعي‭ ‬للذعر‭.‬
ويستند‭ ‬هذا‭ ‬التقييم‭ ‬إلى‭ ‬فرضية‭ ‬سياسية‭ ‬واضحة،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وارد‭ ‬السماح‭ ‬بانفلات‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اقتراب‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭. ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬فإن‭ ‬واشنطن‭ ‬لن‭ ‬تبقي‭ ‬قواتها‭ ‬منخرطة‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬طويل‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية،‭ ‬بل‭ ‬ستسعى‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمة‭ ‬سريعاً‭ ‬وإعادة‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬إلى‭ ‬مسارها‭ ‬الطبيعي‭.‬
هذه‭ ‬القراءة‭ ‬السياسية‭ ‬للأحداث‭ ‬أصبحت‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬تقديرات‭ ‬الأسواق،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬الحالي،‭ ‬مهما‭ ‬بدا‭ ‬خطيراً‭ ‬في‭ ‬لحظته‭ ‬الراهنة،‭ ‬لن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬صدمة‭ ‬طاقة‭ ‬عالمية‭ ‬مستمرة‭.‬
دروس‭ ‬التاريخ

يستند‭ ‬هذا‭ ‬التفاؤل‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭. ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬مراراً‭ ‬أن‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬تترك‭ ‬أثراً‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول‭. ‬ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬تتراجع‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للأزمات،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬التعافي‭ ‬بسرعة‭ ‬بمجرد‭ ‬انحسار‭ ‬حالة‭ ‬الذعر‭ ‬الأولي‭.‬
بالنسبة‭ ‬لمديري‭ ‬الصناديق‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬يشكل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأدلة‭ ‬التي‭ ‬يستندون‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬قراراتهم‭. ‬فالانسحاب‭ ‬السريع‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬تفويت‭ ‬فرص‭ ‬استثمارية‭ ‬مربحة‭ ‬عندما‭ ‬تبدأ‭ ‬الأسواق‭ ‬بالارتداد‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬موجات‭ ‬التعافي‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬قوية‭ ‬وسريعة‭ ‬لدرجة‭ ‬تجعل‭ ‬المستثمرين‭ ‬الذين‭ ‬خرجوا‭ ‬مبكراً‭ ‬يجدون‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬
وفي‭ ‬مذكرة‭ ‬تحليلية‭ ‬حديثة،‭ ‬أشارت‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬مان‮»‬‭ ‬لإدارة‭ ‬صناديق‭ ‬التحوط‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬المتوسط‭ ‬لمؤشر‭ ‬‮«‬ستاندرد‭ ‬آند‭ ‬بورز‭ ‬500‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬المؤشر‭ ‬القياسي‭ ‬للأسهم‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بعد‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬كان‭ ‬مفاجئاً‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭.‬
فبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬المجموعة،‭ ‬يبلغ‭ ‬متوسط‭ ‬العائد‭ ‬السعري‭ ‬للمؤشر‭ ‬بعد‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬وقوع‭ ‬حدث‭ ‬جيوسياسي‭ ‬كبير‭ ‬نحو‭ ‬2‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ضعف‭ ‬متوسط‭ ‬الحركة‭ ‬الشهرية‭ ‬المعتادة‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬1‭ ‬في‭ ‬المئة‭. ‬كما‭ ‬يظل‭ ‬المؤشر‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الإيجابية‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬62‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬التاريخية‭.‬
هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تفسر‭ ‬جزئياً‭ ‬سبب‭ ‬عدم‭ ‬دخول‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬هلع‭ ‬حقيقية‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬رغم‭ ‬خطورة‭ ‬التطورات‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

ليست‭ ‬كل‭ ‬الصراعات‭ ‬متشابهة

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يشير‭ ‬محللون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المتوسطات‭ ‬التاريخية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مضللاً‭ ‬أحياناً‭. ‬فالصراعات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬ليست‭ ‬متشابهة،‭ ‬وبعضها‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬تداعيات‭ ‬أعمق‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬غيره،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بإمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬بسلاسل‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬
وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أدى‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬شنه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬واسعة،‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬فئات‭ ‬الأصول‭ ‬تقريباً‭. ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬الأسهم،‭ ‬واهتزت‭ ‬العملات،‭ ‬وارتفعت‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
وبالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬التطورات،‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬المستثمرين‭ ‬أن‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬رغم‭ ‬خطورتها‭ ‬السياسية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تأثيرها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المباشر‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

النفط‭ ‬يرتفع

في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بنحو‭ ‬50‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستوياتها‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬العام‭. ‬وبلا‭ ‬شك،‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬ضغطاً‭ ‬مؤلماً‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المستوردة‭ ‬للطاقة‭ ‬وعلى‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬سعر‭ ‬خام‭ ‬برنت،‭ ‬وهو‭ ‬المؤشر‭ ‬القياسي‭ ‬العالمي‭ ‬للنفط،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتداول‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬تقارب‭ ‬90‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬مرتفع‭ ‬نسبياً،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬السيناريوهات‭ ‬الأكثر‭ ‬تشاؤماً‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬فوق‭ ‬120‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬150‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭.‬
ويعتقد‭ ‬معظم‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬حاجز‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭ ‬بشكل‭ ‬مستقر‭ ‬يتطلب‭ ‬تعطلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬يقفز

أما‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأوروبا‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬لتلبية‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭.‬
لكن‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬يختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬القارة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا‭. ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬أدى‭ ‬توقف‭ ‬الإمدادات‭ ‬الروسية‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وفاقم‭ ‬موجة‭ ‬التضخم‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬بسبب‭ ‬تداعيات‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭-‬19‮»‬‭.‬
اليوم،‭ ‬تمتلك‭ ‬أوروبا‭ ‬مخزونات‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الغاز،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬لاستيراد‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬هامشاً‭ ‬أكبر‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الصدمات‭ ‬المحتملة‭.‬

الأسواق‭ ‬تتحرك

تعكس‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأسهم‭ ‬العالمية‭ ‬هذا‭ ‬المزاج‭ ‬الحذر‭. ‬فقد‭ ‬سجل‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬إم‭ ‬إس‭ ‬سي‭ ‬آي‮»‬‭ ‬العالمي‭ ‬للأسهم‭ ‬تراجعاً‭ ‬بنحو‭ ‬2‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬فقط‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الأزمة،‭ ‬وهو‭ ‬انخفاض‭ ‬محدود‭ ‬نسبياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتراجعات‭ ‬الحادة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬أزمات‭ ‬سابقة‭.‬
وللمقارنة،‭ ‬فإن‭ ‬فرض‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بـ‮«‬يوم‭ ‬التحرير‮»‬‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬المؤشر‭ ‬نفسه‭ ‬بنحو‭ ‬10‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬فقط‭.‬
هذا‭ ‬الفارق‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬لا‭ ‬يتوقعون‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬سيناريو‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق،‭ ‬بل‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬التطورات‭ ‬الحالية‭ ‬أزمة‭ ‬يمكن‭ ‬للأسواق‭ ‬استيعابها‭.‬

السندات‭ ‬تحت‭ ‬الضغط

في‭ ‬سوق‭ ‬السندات،‭ ‬يظهر‭ ‬التأثير‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح،‭ ‬إذ‭ ‬تؤدي‭ ‬توقعات‭ ‬التضخم‭ ‬المرتفع‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬السندات‭.‬
وقال‭ ‬فينسنت‭ ‬مورتييه،‭ ‬كبير‭ ‬مسؤولي‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬أموندي‮»‬‭ ‬لإدارة‭ ‬الأصول،‭ ‬إن‭ ‬الأسواق‭ ‬تركز‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬التضخمي‭ ‬للصراع‭. ‬فارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬يعني‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭.‬
وأوضح‭ ‬مورتييه‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬تراجع‭ ‬السندات‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬الذين‭ ‬راهنوا‭ ‬على‭ ‬انخفاض‭ ‬التضخم‭ ‬تعرضوا‭ ‬لخسائر‭ ‬ملحوظة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الذعر،‭ ‬إذ‭ ‬يواصل‭ ‬المستثمرون‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬باعتبارها‭ ‬أزمة‭ ‬يمكن‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭.‬

جني‭ ‬أرباح‭ ‬وليس‭ ‬هروباً‭ ‬من‭ ‬المخاطر

ومن‭ ‬الملاحظ‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬الأسهم‭ ‬التي‭ ‬تراجعت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬أقوى‭ ‬المكاسب‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬أسواقاً‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وبعض‭ ‬الأسواق‭ ‬الأوروبية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عملات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة‭.‬
ويرى‭ ‬المحللون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يقومون‭ ‬ببساطة‭ ‬بتثبيت‭ ‬بعض‭ ‬الأرباح‭ ‬التي‭ ‬حققوها‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الأصول‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬محافظهم‭ ‬الاستثمارية‭.‬
بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬يبدو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توازن‭ ‬للمحافظ‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬واسعة‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالذعر‭.‬
قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬الأسوأ

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الهادئة‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬تتناقض‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬مع‭ ‬التحذيرات‭ ‬الصادرة‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬نفسه‭. ‬فقد‭ ‬حذر‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬القطري‭ ‬مؤخراً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تدمير‭ ‬اقتصادات‭ ‬العالم‮»‬‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصريح‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيه‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬الخبراء‭ ‬يرون‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬وجاهة‭. ‬فاندلاع‭ ‬صدمة‭ ‬طاقة‭ ‬حقيقية‭ ‬قد‭ ‬يترك‭ ‬آثاراً‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬والأسواق‭ ‬الناشئة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬الطاقة‭.‬

من‭ ‬سيتحمل‭ ‬الصدمة؟

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الأقل‭ ‬تضرراً‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الصدمة‭. ‬فبفضل‭ ‬طفرة‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الصخري‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬أصبحت‭ ‬واشنطن‭ ‬أكبر‭ ‬منتج‭ ‬للطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالاقتصادات‭ ‬الأخرى‭.‬
أما‭ ‬أوروبا‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية،‭ ‬فإنها‭ ‬تظل‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتقلبات‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬فيها‭.‬

خطر‭ ‬صراع‭ ‬طويل‭ ‬الأمد

السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬الأسواق‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬لاحقاً‭. ‬فحتى‭ ‬اللحظة،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬نطاق‭ ‬الصراع‭ ‬محدوداً‭ ‬نسبياً،‭ ‬ولم‭ ‬تتعرض‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرئيسية‭ ‬للطاقة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لضرر‭ ‬واسع‭.‬
لكن‭ ‬إذا‭ ‬تحول‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬أو‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬إنتاج‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬قد‭ ‬يتغير‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭.‬
وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬الأسواق‭ ‬سيناريو‭ ‬نادراً‭ ‬لكنه‭ ‬شديد‭ ‬الخطورة‭: ‬تراجع‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬ما‭ ‬يترك‭ ‬المستثمرين‭ ‬دون‭ ‬ملاذ‭ ‬آمن‭ ‬يحمي‭ ‬محافظهم‭ ‬الاستثمارية‭.‬

رجوع لأعلى