حرب إيران تكشف هشاشة سوق الطاقة العالمي
وضعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسواق الطاقة العالمية أمام حقيقة صعبة يصعب تجاهلها: لا يوجد حتى الآن بديل عملي قادر على تعويض الدور الحيوي الذي يلعبه مضيق هرمز في نقل النفط والغاز من الخليج إلى بقية العالم. فكل الجهود التي بذلتها الحكومات منذ إغلاق المضيق في 28 فبراير الماضي – سواء عبر إيجاد مسارات بديلة أو الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية أو حتى توفير حماية عسكرية للسفن – لم تتجاوز في تأثيرها حدود الحلول المؤقتة التي تخفف حدة الأزمة دون أن تعالج جذورها.
ومع استمرار الحرب وتصاعد المخاطر الأمنية في الخليج، تبدو أسواق الطاقة العالمية أمام اختبار صعب يكشف مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على هذا الممر البحري الضيق.
أهمية استثنائية لمضيق هرمز
رغم أن طول مضيق هرمز لا يتجاوز 100 ميل، أي نحو 161 كيلومتراً، ويبلغ عرضه عند أضيق نقطة حوالي 21 ميلاً فقط، فإنه يعد أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. ويصفه خبراء الطاقة بأنه “عنق الزجاجة” الذي تمر عبره صادرات الخليج من النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
وتفتقر معظم الدول المطلة على الخليج العربي إلى بدائل بحرية فعالة لنقل صادراتها النفطية بعيداً عن المضيق. ووفق بيانات جمعتها وكالة بلومبرغ، عبرت ناقلات تحمل نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات عبر المضيق خلال عام 2025، وهو ما يمثل قرابة ربع الإمدادات النفطية العالمية.
وتشحن الدول الرئيسية المنتجة في الخليج – مثل السعودية والعراق والكويت والإمارات وإيران – معظم صادراتها عبر هذا الممر البحري، وتتجه غالبية هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط المنطقة.
ولا يقتصر الدور الاستراتيجي للمضيق على النفط وحده، بل يمتد أيضاً إلى سوق الغاز الطبيعي المسال. فقد مر عبره خلال العام الماضي ما يقارب خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، معظمها من قطر، التي اضطرت إلى إعلان حالة القوة القاهرة في بعض مشاريعها الغازية بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب.
موقع يمنح إيران نفوذاً واسعاً
تزيد الجغرافيا الفريدة لمضيق هرمز من حساسيته الاستراتيجية. فالمضيق يقع بين إيران شمالاً وسلطنة عُمان والإمارات جنوباً، ويشكل نقطة الاتصال الوحيدة بين الخليج العربي والمحيط الهندي.
وتمنح هذه التركيبة الجغرافية إيران نفوذاً كبيراً على حركة الملاحة البحرية فيه، إذ يقترب الممر الملاحي من السواحل الإيرانية بشكل يسمح لطهران بمراقبة السفن أو استهدافها بسهولة في حال تصاعد الصراع.
كما أن ضحالة مياه المضيق تجعل السفن أكثر عرضة للمخاطر البحرية مثل الألغام. وقد ذكرت تقارير إعلامية أن إيران زرعت بالفعل عدداً من الألغام منذ بداية الحرب، مع مخاوف من احتمال زيادة هذا العدد في حال استمرار التصعيد العسكري.
إضافة إلى ذلك، يمكن استهداف السفن في المضيق بوسائل متعددة، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الصواريخ الساحلية أو الزوارق السريعة، وهو ما يزيد من المخاطر الأمنية التي تواجه حركة الشحن.
محاولات خليجية للبحث عن بدائل
مع تفاقم الأزمة، سعت الدول الخليجية المنتجة للنفط إلى البحث عن طرق بديلة لتصدير جزء من إنتاجها بعيداً عن مضيق هرمز. وقد شملت هذه الجهود الاستفادة من الموانئ الواقعة على البحر الأحمر أو بحر عُمان، إضافة إلى خطوط الأنابيب البرية.
فالسعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لجأت إلى استخدام موانئها على البحر الأحمر مثل ميناء ينبع، إلى جانب تعزيز استخدام خط الأنابيب المعروف باسم خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى الساحل الغربي.
كما استخدمت الإمارات خط أنابيب حبشان–الفجيرة الذي ينقل النفط من الحقول البرية إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر عُمان، وهو ما يسمح بتجاوز المضيق جزئياً.
ومن بين الخيارات التي جرى بحثها أيضاً خط سوميد المصري، الذي يربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، ويعد مساراً مهماً لنقل النفط القادم من الخليج إلى الأسواق الأوروبية.
إلا أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تستطيع تعويض كامل التدفقات المعتادة عبر مضيق هرمز. فمعظم هذه الخطوط والموانئ لا تعمل عادة بكامل طاقتها التشغيلية، كما أن قدرتها الاستيعابية محدودة مقارنة بحجم الصادرات التي تمر عبر المضيق.
تداعيات اقتصادية على المنتجين والمستهلكين
تتضرر الدول المنتجة للنفط في الخليج بشكل مباشر من تعطل الصادرات، إذ تعتمد بعض هذه الدول على عائدات النفط كمصدر رئيسي للدخل الحكومي بنسبة قد تصل إلى 90% من الإيرادات في حالات مثل العراق والكويت.
وفي المقابل، تعاني الدول المستوردة للطاقة من ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، ما يهدد بزيادة معدلات التضخم وإبطاء النمو الاقتصادي.
وتعد آسيا الأكثر تأثراً بهذه التطورات، إذ كانت نحو 90% من صادرات النفط التي مرت عبر المضيق العام الماضي متجهة إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
محاولات أميركية لفتح المضيق
تحاول الولايات المتحدة من جانبها معالجة الأزمة عبر مزيج من الإجراءات العسكرية والاقتصادية. فقد نفذت القوات الأميركية والإسرائيلية آلاف الضربات الجوية منذ بداية الحرب، في محاولة لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتأمين الملاحة في المنطقة.
كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خطة لمرافقة السفن والناقلات العسكرية أثناء عبورها المضيق، إلى جانب توفير تغطية تأمينية عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية لتقليل المخاطر التي تواجه شركات الشحن.
غير أن هذه الإجراءات لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن، خاصة بعد تعرض بعض السفن لهجمات رغم الوعود الأميركية بتأمين الملاحة.
استخدام الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية
في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار النفط، اتفقت الحكومات الكبرى بقيادة وكالة الطاقة الدولية على الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في محاولة لتهدئة الأسواق.
ويمثل هذا القرار أكبر عملية سحب من الاحتياطيات في تاريخ الوكالة، متجاوزاً بكثير الكمية التي جرى الإفراج عنها بعد الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022.
كما أعلنت الولايات المتحدة أنها تدرس الإفراج عن 172 مليون برميل من احتياطياتها النفطية ضمن الجهود الدولية لمواجهة الأزمة.
لكن هذه الكميات، رغم ضخامتها، لا تعادل سوى نحو 24 يوماً من التدفقات المعتادة عبر مضيق هرمز، ما يعني أنها لا تمثل حلاً طويل الأمد للمشكلة.
حلول أخرى محدودة التأثير
حاولت بعض الدول البحث عن حلول أخرى لتخفيف آثار الأزمة، مثل وضع سقف لأسعار الغاز في أوروبا أو زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.
لكن هذه الإجراءات لم تحقق حتى الآن نتائج ملموسة، خاصة مع ارتفاع أسعار الغاز الأوروبي بنحو 90% منذ بداية الحرب.
وفي آسيا، لجأت بعض الدول إلى شراء النفط من السوق الفورية بأسعار مرتفعة، في حين تتمتع الصين بمرونة نسبية بفضل مخزوناتها الكبيرة واستثماراتها الواسعة في الطاقة المتجددة.
خيارات مثيرة للجدل
من بين الحلول التي أثارت جدلاً واسعاً تخفيف الولايات المتحدة لبعض القيود على صادرات النفط الروسي، للسماح بتدفق كميات إضافية إلى الأسواق الآسيوية.
كما جرى الحديث عن إمكانية زيادة الإنتاج في دول أخرى مثل فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم. إلا أن ضعف البنية التحتية النفطية هناك يجعل من الصعب زيادة الإنتاج بسرعة كافية لتعويض النقص في السوق.
الحل الحقيقي: إنهاء الأزمة
في النهاية، يتفق معظم الخبراء على أن الحل الأكثر واقعية لأزمة الطاقة الحالية لا يكمن في البدائل المؤقتة، بل في معالجة جذور الأزمة السياسية التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز.
فحتى لو انتهت الحرب، قد يستغرق الأمر وقتاً قبل أن تعود حركة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها بالكامل، بسبب المخاطر الأمنية وإزالة الألغام وإعادة بناء الثقة بين شركات الشحن.
وإذا استمر الصراع لفترة أطول، فقد ترتفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة، ربما تقترب من 150 دولاراً للبرميل خلال أسابيع، وفق تحذيرات بعض المسؤولين في قطاع الطاقة.
وبذلك، يكشف الصراع الحالي مرة أخرى عن هشاشة سوق الطاقة العالمي واعتماده الكبير على نقطة جغرافية ضيقة، ما يعيد طرح السؤال القديم المتجدد: كيف يمكن للعالم أن يؤمّن إمدادات الطاقة في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية؟