تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حرب‭ ‬إيران‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي

حرب‭ ‬إيران‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي

وضعت‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬أمام‭ ‬حقيقة‭ ‬صعبة‭ ‬يصعب‭ ‬تجاهلها‭: ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بديل‭ ‬عملي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬الذي‭ ‬يلعبه‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬العالم‭. ‬فكل‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬بذلتها‭ ‬الحكومات‭ ‬منذ‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي‭ ‬–‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬إيجاد‭ ‬مسارات‭ ‬بديلة‭ ‬أو‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬احتياطيات‭ ‬النفط‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬توفير‭ ‬حماية‭ ‬عسكرية‭ ‬للسفن‭ ‬–‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬تأثيرها‭ ‬حدود‭ ‬الحلول‭ ‬المؤقتة‭ ‬التي‭ ‬تخفف‭ ‬حدة‭ ‬الأزمة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعالج‭ ‬جذورها‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬وتصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬تبدو‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬صعب‭ ‬يكشف‭ ‬مدى‭ ‬اعتماد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬الضيق‭.‬

أهمية‭ ‬استثنائية‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز

رغم‭ ‬أن‭ ‬طول‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬100‭ ‬ميل،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬161‭ ‬كيلومتراً،‭ ‬ويبلغ‭ ‬عرضه‭ ‬عند‭ ‬أضيق‭ ‬نقطة‭ ‬حوالي‭ ‬21‭ ‬ميلاً‭ ‬فقط،‭ ‬فإنه‭ ‬يعد‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ويصفه‭ ‬خبراء‭ ‬الطاقة‭ ‬بأنه‭ ‬“عنق‭ ‬الزجاجة”‭ ‬الذي‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬صادرات‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
وتفتقر‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬بدائل‭ ‬بحرية‭ ‬فعالة‭ ‬لنقل‭ ‬صادراتها‭ ‬النفطية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المضيق‭. ‬ووفق‭ ‬بيانات‭ ‬جمعتها‭ ‬وكالة‭ ‬بلومبرغ،‭ ‬عبرت‭ ‬ناقلات‭ ‬تحمل‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬والمكثفات‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬قرابة‭ ‬ربع‭ ‬الإمدادات‭ ‬النفطية‭ ‬العالمية‭.‬
وتشحن‭ ‬الدول‭ ‬الرئيسية‭ ‬المنتجة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والعراق‭ ‬والكويت‭ ‬والإمارات‭ ‬وإيران‭ ‬–‭ ‬معظم‭ ‬صادراتها‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري،‭ ‬وتتجه‭ ‬غالبية‭ ‬هذه‭ ‬الشحنات‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬نفط‭ ‬المنطقة‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الدور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للمضيق‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭. ‬فقد‭ ‬مر‭ ‬عبره‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬خُمس‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬معظمها‭ ‬من‭ ‬قطر،‭ ‬التي‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬حالة‭ ‬القوة‭ ‬القاهرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مشاريعها‭ ‬الغازية‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭.‬

موقع‭ ‬يمنح‭ ‬إيران‭ ‬نفوذاً‭ ‬واسعاً

تزيد‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الفريدة‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬حساسيته‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فالمضيق‭ ‬يقع‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬شمالاً‭ ‬وسلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬والإمارات‭ ‬جنوباً،‭ ‬ويشكل‭ ‬نقطة‭ ‬الاتصال‭ ‬الوحيدة‭ ‬بين‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والمحيط‭ ‬الهندي‭.‬
وتمنح‭ ‬هذه‭ ‬التركيبة‭ ‬الجغرافية‭ ‬إيران‭ ‬نفوذاً‭ ‬كبيراً‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬فيه،‭ ‬إذ‭ ‬يقترب‭ ‬الممر‭ ‬الملاحي‭ ‬من‭ ‬السواحل‭ ‬الإيرانية‭ ‬بشكل‭ ‬يسمح‭ ‬لطهران‭ ‬بمراقبة‭ ‬السفن‭ ‬أو‭ ‬استهدافها‭ ‬بسهولة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تصاعد‭ ‬الصراع‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬ضحالة‭ ‬مياه‭ ‬المضيق‭ ‬تجعل‭ ‬السفن‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للمخاطر‭ ‬البحرية‭ ‬مثل‭ ‬الألغام‭. ‬وقد‭ ‬ذكرت‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬زرعت‭ ‬بالفعل‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬مع‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬زيادة‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭.‬
إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬استهداف‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬بوسائل‭ ‬متعددة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬أو‭ ‬الصواريخ‭ ‬الساحلية‭ ‬أو‭ ‬الزوارق‭ ‬السريعة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭.‬

محاولات‭ ‬خليجية‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل

مع‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمة،‭ ‬سعت‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬المنتجة‭ ‬للنفط‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬طرق‭ ‬بديلة‭ ‬لتصدير‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬إنتاجها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬وقد‭ ‬شملت‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الموانئ‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬أو‭ ‬بحر‭ ‬عُمان،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬البرية‭.‬
فالسعودية،‭ ‬أكبر‭ ‬مصدر‭ ‬للنفط‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬موانئها‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬مثل‭ ‬ميناء‭ ‬ينبع،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬استخدام‭ ‬خط‭ ‬الأنابيب‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬خط‭ ‬الشرق–الغرب‭ ‬الذي‭ ‬ينقل‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬حقول‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية‭ ‬إلى‭ ‬الساحل‭ ‬الغربي‭.‬
كما‭ ‬استخدمت‭ ‬الإمارات‭ ‬خط‭ ‬أنابيب‭ ‬حبشان–الفجيرة‭ ‬الذي‭ ‬ينقل‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬الحقول‭ ‬البرية‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬الفجيرة‭ ‬المطل‭ ‬على‭ ‬بحر‭ ‬عُمان،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بتجاوز‭ ‬المضيق‭ ‬جزئياً‭.‬
ومن‭ ‬بين‭ ‬الخيارات‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬بحثها‭ ‬أيضاً‭ ‬خط‭ ‬سوميد‭ ‬المصري،‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬والبحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬ويعد‭ ‬مساراً‭ ‬مهماً‭ ‬لنقل‭ ‬النفط‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الأوروبية‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البدائل،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تعويض‭ ‬كامل‭ ‬التدفقات‭ ‬المعتادة‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬فمعظم‭ ‬هذه‭ ‬الخطوط‭ ‬والموانئ‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬عادة‭ ‬بكامل‭ ‬طاقتها‭ ‬التشغيلية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قدرتها‭ ‬الاستيعابية‭ ‬محدودة‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الصادرات‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭.‬

تداعيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬على‭ ‬المنتجين‭ ‬والمستهلكين

تتضرر‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬للنفط‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬تعطل‭ ‬الصادرات،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬عائدات‭ ‬النفط‭ ‬كمصدر‭ ‬رئيسي‭ ‬للدخل‭ ‬الحكومي‭ ‬بنسبة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬الإيرادات‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬مثل‭ ‬العراق‭ ‬والكويت‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تعاني‭ ‬الدول‭ ‬المستوردة‭ ‬للطاقة‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬ونقص‭ ‬الإمدادات،‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬بزيادة‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬وإبطاء‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وتعد‭ ‬آسيا‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بهذه‭ ‬التطورات،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬نحو‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬متجهة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭.‬
محاولات‭ ‬أميركية‭ ‬لفتح‭ ‬المضيق

تحاول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬معالجة‭ ‬الأزمة‭ ‬عبر‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬فقد‭ ‬نفذت‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬آلاف‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لإضعاف‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وتأمين‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬
كما‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترمب‭ ‬عن‭ ‬خطة‭ ‬لمرافقة‭ ‬السفن‭ ‬والناقلات‭ ‬العسكرية‭ ‬أثناء‭ ‬عبورها‭ ‬المضيق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفير‭ ‬تغطية‭ ‬تأمينية‭ ‬عبر‭ ‬مؤسسة‭ ‬تمويل‭ ‬التنمية‭ ‬الدولية‭ ‬الأميركية‭ ‬لتقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬تعرض‭ ‬بعض‭ ‬السفن‭ ‬لهجمات‭ ‬رغم‭ ‬الوعود‭ ‬الأميركية‭ ‬بتأمين‭ ‬الملاحة‭.‬

استخدام‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬النفطية‭ ‬الاستراتيجية

في‭ ‬مواجهة‭ ‬الارتفاع‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬اتفقت‭ ‬الحكومات‭ ‬الكبرى‭ ‬بقيادة‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬نحو‭ ‬400‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬النفطية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتهدئة‭ ‬الأسواق‭.‬
ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬سحب‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الوكالة،‭ ‬متجاوزاً‭ ‬بكثير‭ ‬الكمية‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬الإفراج‭ ‬عنها‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022‭.‬
كما‭ ‬أعلنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أنها‭ ‬تدرس‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬172‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬احتياطياتها‭ ‬النفطية‭ ‬ضمن‭ ‬الجهود‭ ‬الدولية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأزمة‭.‬
لكن‭ ‬هذه‭ ‬الكميات،‭ ‬رغم‭ ‬ضخامتها،‭ ‬لا‭ ‬تعادل‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬24‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬التدفقات‭ ‬المعتادة‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬حلاً‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬للمشكلة‭.‬

حلول‭ ‬أخرى‭ ‬محدودة‭ ‬التأثير

حاولت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬أخرى‭ ‬لتخفيف‭ ‬آثار‭ ‬الأزمة،‭ ‬مثل‭ ‬وضع‭ ‬سقف‭ ‬لأسعار‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭.‬
لكن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الغاز‭ ‬الأوروبي‭ ‬بنحو‭ ‬90‭% ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭.‬
وفي‭ ‬آسيا،‭ ‬لجأت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬الفورية‭ ‬بأسعار‭ ‬مرتفعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتمتع‭ ‬الصين‭ ‬بمرونة‭ ‬نسبية‭ ‬بفضل‭ ‬مخزوناتها‭ ‬الكبيرة‭ ‬واستثماراتها‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭.‬

خيارات‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل

من‭ ‬بين‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬تخفيف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لبعض‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬الروسي،‭ ‬للسماح‭ ‬بتدفق‭ ‬كميات‭ ‬إضافية‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭.‬
كما‭ ‬جرى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬فنزويلا،‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطيات‭ ‬نفطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬النفطية‭ ‬هناك‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬بسرعة‭ ‬كافية‭ ‬لتعويض‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

الحل‭ ‬الحقيقي‭: ‬إنهاء‭ ‬الأزمة

في‭ ‬النهاية،‭ ‬يتفق‭ ‬معظم‭ ‬الخبراء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬لأزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬البدائل‭ ‬المؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬جذور‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬
فحتى‭ ‬لو‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب،‭ ‬قد‭ ‬يستغرق‭ ‬الأمر‭ ‬وقتاً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬بالكامل،‭ ‬بسبب‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬وإزالة‭ ‬الألغام‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭.‬
وإذا‭ ‬استمر‭ ‬الصراع‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬فقد‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬جديدة،‭ ‬ربما‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬خلال‭ ‬أسابيع،‭ ‬وفق‭ ‬تحذيرات‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭.‬
وبذلك،‭ ‬يكشف‭ ‬الصراع‭ ‬الحالي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭ ‬واعتماده‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬جغرافية‭ ‬ضيقة،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬القديم‭ ‬المتجدد‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬يؤمّن‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية؟

رجوع لأعلى