حماية الدائن واستمررية التداول
يُعَدّ الائتمان عصب الحياة التجارية، إذ لا تمتلك الشركات في الغالب كامل السيولة التي تحتاجها لإدارة أعمالها وتوسيع أنشطتها، فتتجه إلى طلب التمويل عبر القروض أو صيغ المشاركة. ومع هذا المسار، تتسع دائرة النمو لتشمل قطاعاً آخر يتمثل في شركات التمويل، التي تصبح شريكاً مباشراً في حركة الربح والتوسع الاقتصادي.
ويشترط الممول، في مقابل ما يقدمه من تمويل، وجود ضمان يكفل له استيفاء حقه. فتجد بعض الشركات نفسها مضطرة إلى رهن جزء من أصولها العقارية، رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة على استقرار ذمتها المالية. وفي المقابل، تلجأ شركات أخرى إلى رهن جزء من أوراقها المالية المدرجة ضمن محافظها الاستثمارية، بل قد تعمد بعض الجهات إلى بناء محافظ من أوراق قوية العائد المحدود خصيصًا لاستخدامها كأداة ائتمان وضمان للتمويل.
ويُعَدّ الائتمان بالأوراق المالية إحدى أكثر وسائل الضمان مرونة، إذ لا يقتصر على الشركات التجارية وحدها، بل يمتد ليشمل الأفراد الراغبين في رهن أوراقهم المالية لضمان ديون مدنية. غير أن هذا الاستخدام المدني يبقى محدود الأثر في القطاع المالي، لكونه يرتبط بحالات فردية وقيم رهن صغيرة، على خلاف الائتمان التجاري الذي يشكل جزءًا مؤثرًا في حركة السوق.
وتتركز الإشكالية بشكل خاص في الأوراق المالية المدرجة في البورصة، ولا سيما الأسهم التي تخضع لتداول مستمر في نظام السوق. فهذه الأوراق تنتقل من مستثمر إلى آخر بصورة يومية، ما يثير تساؤلاً جوهرياً حول كيفية تداولها وهي مثقلة بإشارة رهن أو خاضعة لإجراء حجز.
وعندما يعجز المدين عن الوفاء بالتزاماته، ينتهي الأمر إلى حجز الدائن على أموال المدين. وفي حالة الائتمان بالأوراق المالية، تصبح هذه الأوراق نفسها محلًا مباشرًا للحجز، بما يضع التداول المستمر في مواجهة قيد قانوني يحد من حرية انتقالها بين المتعاملين في السوق.
وفي حالتي الرهن والحجز، تتقاطع مصلحة الدائن مع مصلحة طرف ثالث يُعد من الغير بالنسبة لعلاقة الائتمان، وهو المستثمر الذي يرغب في شراء أوراق مالية مرهونة أو محجوزة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم يوازن بين هذه المصالح المتعارضة ويحدد أولويات الحماية القانونية.
وتضع بورصة الكويت، في هذا السياق، قاعدة تداولية تراعي ترتيب المصالح وفقًا للأولوية في الرعاية، على النحو الآتي:
● تأتي أولًا مصلحة الدائن الذي يضع إشارة الرهن أو الحجز على سجلات الأوراق المالية ضمانًا للتمويل.
● وتأتي ثانياً مصلحة المستثمر الراغب في الحصول على ورقة مالية متداولة في السوق.
● وتأتي ثالثاً مصلحة مالك الأوراق المالية الذي يستخدمها كضمان لجزء من دينه، على ألا يُتجاوز نطاق الضمان وحدوده القانونية.
ويضاف إلى ذلك وجود مصالح عامة غير مباشرة تحيط بهذه الإشكالية، وفي مقدمتها مصلحة التداول المستمر التي تكفل جودة حركة الأموال في السوق وتحافظ على مستوى السيولة، بوصفها مصلحة عامة تمس كفاءة السوق واستقراره المالي.
مصلحة السوق وزيادة جاذبيته الاستثمارية
تتمثل مصلحة السوق في تعزيز جاذبيته للمستثمرين عبر عدم تقييد حركة التداول المستمر، بما يحافظ على سيولة الأوراق المالية وحيويتها داخل منظومة البورصة.
وبعد استقراء هذه المصالح المتداخلة، تضع بورصة الكويت الغاية التشريعية الأساسية لقواعدها في حماية الدائن الذي يقدم الائتمان، وذلك من خلال تنظيم الرهن والحجز على الأوراق المالية على النحو الآتي:
أولًا: في شأن الرهن
تبقى إشارة الرهن قائمة على الأوراق المالية المرهونة وفق الإطار القانوني المنظم، ويجوز تداولها إذا أقرّ المشتري بعلمه بوجود الرهن ورغبته في إتمام الصفقة رغم هذا القيد. وبهذا التنظيم، يحتفظ الدائن بحقه في التنفيذ على الأوراق المالية حتى بعد انتقالها إلى المشتري الجديد، ويستوفي دينه منها كما لو كانت لا تزال في حيازة المدين الأصلي.
ويظهر التطبيق العملي لهذا التنظيم في حالات الاستحواذ، حين يرغب مستثمر في تملك نسبة معينة من أسهم شركة ما. ففي هذه الحالة، يدرج المشتري قيمة الديون المترتبة على الأسهم المرهونة ضمن تكلفة الاستحواذ، ثم يرجع على البائع المدين بقيمة ما سدده عنه من دين، بوصفه المالك السابق للأسهم.
ثانياً: في شأن الحجز
يثير الحجز إشكالية أعمق في التنظيم القانوني، إذ تواجه البورصة خيارين متقابلين في إدارة تداول الأوراق المالية المحجوزة.
يتمثل الخيار الأول في السماح بتداول هذه الأوراق إذا قبل المشتري بالحجز، على غرار حالة الرهن. غير أن هذا المسار يعرّض مصلحة الدائن الحاجز لمخاطر جدية، إذ قد يضطر إلى طلب بيع الأوراق المحجوزة وفاءً لدينه، بما يضع المدين على حافة الإعسار أو الإفلاس. كما يفتح هذا الخيار الباب أمام إساءة الاستخدام، حين يلجأ المدين إلى تسخير مستثمر لشراء الأوراق المحجوزة بقصد إدخال طرف ثالث يدّعي حسن النية، في محاولة لتأخير الدائن في تحصيل حقه.
وتتعاظم هذه المخاطر إذا كان المدين من المساهمين المستحوذين على إدارة الشركة المصدرة للأوراق المالية، إذ قد يؤدي التنفيذ على أسهمه إلى انهيار القيمة السوقية للشركة، بما يفضي إلى إفلاسها. وفي هذه الحالة، تتقدم حقوق دائني الشركة على حقوق المساهمين ودائنيهم عند التصفية، بما قد يفضي إلى ضياع حق الدائن الحاجز.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في حظر تداول الأوراق المالية المحجوزة حظرًا كاملًا إلا بموافقة الدائن الحاجز. وتعتمد بورصة الكويت هذا النهج من خلال قواعد التداول المعدلة، بحيث لا يجوز إتمام أي صفقة على الأوراق المحجوزة حتى مع قبول المشتري بالحجز، ما لم يصدر قبول صريح من الحاجز. ويترتب على ذلك تجميد شريحة من الأسهم المتداولة بمجرد تسجيل الحجز في سجلات الشركة.
ورغم أن هذا التنظيم يعزز حماية حقوق الدائنين، فإنه لا يخدم مصلحة التداول المستمر بوصفها مصلحة عامة من جهة، ولا يحقق مصلحة مالك الأوراق المالية من جهة أخرى، ولا سيما في الحالات التي يكون فيها الحجز مرتبطًا بدين بسيط يُستعمل على نحو كيدي يقيّد حرية التصرف في الأوراق دون مبرر اقتصادي جوهري.
يشتمل التداول على العديد من الحالات التي تكون فيها الأسهم محلًا للحجز، ولا سيما في أوقات أزمات السيولة والأزمات المالية والتعثر في سداد القروض، وهي أوضاع شائعة في أسواق المال. فإذا كان الحجز يؤدي إلى تجميد تداول الأوراق المالية، فإن البورصة تواجه شريحة واسعة من السيولة المجمّدة، وهي سيولة تنتمي إلى القطاع الاقتصادي المرتبط بشركات المساهمة وتؤثر مباشرة في ديناميكية السوق ككل.
ويُعد حظر تداول الأسهم المحجوزة مؤشرًا سلبيًا قد يدفع بعض المستثمرين، ممن يتأثرون بالشائعات أو بالمؤشرات السطحية، إلى بيع أسهمهم خشية ركودها أو تراجع أسعارها، حتى وإن كان نطاق الحجز محدودًا ولا يتجاوز عددًا ضئيلًا من الأسهم المتداولة في البورصة.
كما أن هذا الحجز قد يحول دون منح شركات التمويل تمويلًا إضافيًا للشركة المعنية، خوفًا من انخفاض قيمتها السوقية، وبالتالي تراجع قوة الائتمان الكامنة في الأسهم التي كانت مضمونة كرهن ثم أصبحت محجوزة لصالح التنفيذ.
وبالنظر إلى هذه الآثار السلبية الجوهرية المترتبة على حظر التداول، ومقارنتها بالغايات التشريعية الرامية إلى حماية حق الدائن من خلال تقييد تداول الأسهم المرهونة أو المحجوزة، تبرز الحاجة إلى صياغة قواعد متوازنة تُقدَّم إلى بورصة الكويت على النحو الآتي:
في شأن الأسهم المرهونة
يُقترح السماح بتداول الأسهم المرهونة بعد موافقة المشتري على وجود الرهن، إذا كان نطاق الرهن لا يتجاوز نسبة 5% من الأسهم المتداولة للشركة.
ويُقترح حظر تداول الأسهم المرهونة إلا بموافقة الدائن إذا تجاوز الرهن نسبة 5% من الأسهم المتداولة، مع إتاحة إمكانية طلب تنفيذ التداول بموافقة المشتري وحده، شريطة تقديم ضمانات إضافية لصالح الدائن، أو إذا رأت البورصة أن المركز المالي للمدين قوي بما يكفي للوفاء بالدين محل الرهن.
في شأن الأسهم المحجوزة
يُقترح السماح بتداول الأسهم المحجوزة بعد موافقة المشتري إذا كان الحجز لا يتجاوز نسبة 5 % من الأسهم المتداولة للشركة، وذلك بشرط توقيع المشتري على مستند يقر فيه بجدية الشراء وعدم صوريته، ويتعهد فيه بتسليم الأوراق المالية للتنفيذ في حال إخفاق البائع المدين في سداد دينه.
ويُقترح حظر تداول الأسهم المحجوزة إلا بموافقة الدائن إذا تجاوز الحجز نسبة 5 % من الأسهم المتداولة، مع إتاحة تنفيذ التداول إذا قدم المشتري ضمانات شخصية يقبل بها الدائن، أو إذا بادر بسداد الدين وتطهير الأسهم من الحجز.