حوكمة إدارة الأزمة في المشروع المتعثر
عندما يصل المشروع المتعثر إلى مفترق طرق حاسم، لا يترك له الواقع سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الاتجاه نحو الحل والتصفية، أو الشروع في الإجراءات الوقائية التي تحول دون إعلان الإفلاس، كالتسوية الوقائية أو إعادة الهيكلة. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون المشروع في موقع الاختيار الحقيقي، إذ تميل الإدارة بطبيعة الحال إلى تبنّي مسارات الإنقاذ ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
غير أن الإشكالية الجوهرية تبرز في أن الإدارة ذاتها، التي تتجه إلى هذه الإجراءات، هي في الأصل إدارة فشلت في قيادة المشروع وأوصلته إلى حالة التعثر المالي. وهنا يثور تساؤل مشروع: كيف يمكن للمشرّع أن يعيد الثقة بهذه الإدارة، ويمنحها مرة أخرى زمام إدارة المشروع، بعد أن كانت سبباً مباشراً في أزمته؟
ويزداد هذا التساؤل حدّة في ظل ما قد تمارسه بعض الإدارات خلال مرحلة إدارة الأزمة من سلوكيات ضارة، كإفقار المشروع عمداً، أو تهريب الأموال، أو اتخاذ تصرفات من شأنها الإضرار بمصالح الدائنين وتقليص فرص استيفاء حقوقهم.
ورغم هذه المخاوف، فإن القواعد القانونية المنظمة لإجراءات الإفلاس جاءت على النحو الآتي:
● في التسوية الوقائية، يبقى المدين محتفظاً بإدارة أعماله وأمواله طوال فترة تنفيذ مقترح التسوية الوقائية المعتمد من إدارة الإفلاس، وذلك وفقاً لنص المادة (60)، ما لم يرَ قاضي الإفلاس بصفته رئيس إدارة الإفلاس مبرراً لعزل المدين عن الإدارة.
● أما في إعادة الهيكلة، فيستمر المدين أيضاً في إدارة أعماله وأمواله أثناء تنفيذ خطة إعادة الهيكلة، استناداً إلى المادة (99). غير أن هذه الإدارة تخضع في هذه الحالة لإشراف الأمين، وهو خبير مسجل أو مرخص من هيئة أسواق المال بصفة مراقب حسابات، وفقاً للمادة (34).
ويُعزى فرض الإشراف على إدارة المدين خلال مرحلة إعادة الهيكلة إلى طبيعة هذه المرحلة، التي غالباً ما تنطوي على تغييرات جوهرية تمس هيكل المشروع ورأسماله وعملياته التشغيلية، الأمر الذي يستلزم رقابة فنية ومالية دقيقة لضمان حسن تنفيذ الخطة وتحقيق أهدافها.
● أما في حالة شهر الإفلاس، فتختلف الصورة جذرياً؛ إذ يتم جرد أموال المدين تمهيداً لتصفيتها وتوزيعها على الدائنين. وهنا فقط أقرّ المشرّع مبدأ غلّ يد المدين عن إدارة أعماله وأمواله فور صدور قرار افتتاح إجراءات شهر الإفلاس، لتؤول الإدارة كاملة إلى أمين الإفلاس، وذلك وفقاً للمادة (144).
وبذلك، يتضح أن المشرّع لم يلجأ إلى عزل المدين عن الإدارة إلا بعد بلوغ المشروع مرحلة ميؤوساً من إنقاذها، حين يكون قد غرق في الديون واستنفد فرص المعالجة.
غير أن موطن الغرابة في هذه القواعد لا يكمن في فكرة غلّ يد المدين ذاتها، ولا في إسناد الإدارة إلى الأمين، وإنما في كيفية توزيع الاختصاصات الإدارية خلال مرحلة إدارة الأزمة التي تسبق الحل والتصفية.
فبالرجوع إلى القواعد العامة التي تحكم الإجراءات وفق قانون الإفلاس رقم 71 لسنة 2020، نجد أن المادة (41) تقرر ما مؤداه أن الأمين ينوب عن المدين في كل ما تقتضيه إدارة المشروع. وإذا كان المدين شركة، فإن الأمين يحل محل جميع الأجهزة الإدارية العليا، ويتمتع باختصاصات كل من مجلس الإدارة، ورئيس مجلس الإدارة، والمدير التنفيذي، ومدير الشركة.
ويُفضي هذا التنظيم، بلا أدنى شك، إلى تناقض صريح في الصلاحيات من منظور حوكمة الإدارة. فمجلس الإدارة، ورئيسه على وجه الخصوص، يضطلعان تقليدياً بدور رقابي وإشرافي على الرئيس التنفيذي، الذي يتولى إدارة العمليات اليومية للشركة على أرض الواقع ويقود العاملين فيها. ومن ثم يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن للأمين أن يجمع بين صفة رئيس مجلس الإدارة وصفة الرئيس التنفيذي في آنٍ واحد، من دون أن يختل التوازن المؤسسي بين الإشراف والتنفيذ؟
ويزداد هذا التناقض وضوحاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الصفة التنفيذية لا تُعدّ محبذة أصلاً داخل مجالس الإدارة، لما قد تسببه من تعارض محتمل في المصالح. فاحتكاك العضو التنفيذي بالعملاء والمتعاقدين مع الشركة قد يضعه في دائرة الشبهات، ويثير شكوك الأعضاء غير التنفيذيين بشأن احتمال توجيه قرارات المجلس لخدمة مصالح خاصة، كالسعي إلى تمرير قرارات تصب في مصلحة عميل معين مقابل منافع شخصية أو نسب من أرباح التعاقد، وهي ممارسات تمثل صوراً من الفساد الإداري الذي تسعى قواعد الحوكمة إلى منعه لا تكريسه.
ومن جهة أخرى، تقرر المادة (41) في بندها الثاني أن تحل لجنة الإفلاس محل الشركاء أو الجمعية العامة سواء العادية أو غير العادية في الحالات التي يتطلب فيها القرار موافقة أغلبية الشركاء. وهذه اللجنة هي الجهة التي تُعدّ قائمة الأمناء ليختار قاضي الإفلاس من بينها، وتتكون من أعضاء يستوفون الشروط القانونية المقررة للأمين وفق المادة (11).
وبالنظر إلى أن الجمعية العامة تمارس، في الأصل، دوراً رقابياً على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية خلال اجتماعاتها، فإن حلول لجنة الإفلاس محلها يترتب عليه أن يصبح الأمين النائب عن إدارة الشركة خاضعاً لسلطة هذه اللجنة، التي تمارس الاختصاصات الجوهرية للجمعية العامة.
ويعني ذلك عملياً أن لجنة الإفلاس تمتلك صلاحية اتخاذ قرارات مصيرية، كتعديل رأس المال أو التصرف في بعض أصول الشركة وبيع ممتلكاتها، وذلك كله تحت الإشراف العام لإدارة الإفلاس.
غير أن هذا الإشراف، على أهميته، لا ينفي احتمال نشوء علاقات أو مصالح متشابكة بين لجنة الإفلاس وبعض عملاء الشركة أو دائنيها، بما قد يدفع اللجنة إلى إصدار قرارات تفرض من خلالها رؤيتها على الأمين. ويستند هذا النفوذ إلى مركزها القانوني بوصفها ممثلاً للجمعية العامة، وهو مركز يسمو من حيث الأثر، على سلطة الأمين بوصفه ممثلاً لإدارة الشركة، الأمر الذي يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بتوازن السلطات وحماية استقلال القرار الإداري خلال مرحلة إدارة الأزمة.
وانطلاقاً من أوجه القصور المتقدمة في القواعد المنظمة لإدارة المشروع المتعثر، يمكن طرح جملة من المقترحات التي من شأنها إعادة ضبط التوازن بين مقتضيات إنقاذ المشروع وضمانات الحوكمة وحماية مصالح الدائنين.
أولاً، يُقترح الإبقاء على حق المدين في إدارة أعماله وأمواله خلال مرحلة التسوية الوقائية، على أن تكون هذه الإدارة خاضعة لإشراف فعلي ومباشر من أمين الإفلاس، بما يحقق قدراً من الرقابة يمنع الانحراف في استعمال السلطة، من دون أن يُفرغ هذه المرحلة من هدفها الأساسي القائم على منح المدين فرصة جادة للإنقاذ.
ثانياً، يُستحسن غلّ يد المدين عن إدارة المشروع خلال مرحلة تنفيذ خطة إعادة الهيكلة، بحيث يحل أمين الإفلاس محل المدين في الإدارة. فهذه المرحلة، بطبيعتها، تتضمن تغييرات جوهرية في بنية المشروع وقراراته الاستراتيجية، ولا يُتصور إسنادها إلى ذات الإدارة التي تسببت في التعثر، لما في ذلك من مجازفة بمصالح الدائنين واستقرار المعالجة.
ثالثاً، إذا كان المدين شركة خاضعة لإجراءات شهر الإفلاس، فيُقترح اعتماد تنظيم إداري أكثر اتساقاً مع مبادئ الحوكمة، وذلك على النحو الآتي:
تعيين أمين يتولى مهام مجلس الإدارة، على أن يكون مستقلاً عن الأمين الذي يتولى مهام الإدارة التنفيذية، بما يضمن الفصل بين وظيفتي الإشراف والتنفيذ، ويُعيد إنتاج التسلسل الإداري الطبيعي داخل الشركة، حتى في ظل تصفيتها أو إدارتها القضائية.
ومنح إدارة الإفلاس القضائية اختصاصات الجمعية العامة العادية وغير العادية للشركة التي تم شهر إفلاسها، على أن يكون لهذه الإدارة الحق في طلب الرأي المسبب من لجنة الإفلاس، دون أن تكون مقيدة به على نحو يُخل باستقلال القرار.
كما يُقترح تمكين كل ذي مصلحة من الطعن في قرارات إدارة الإفلاس، بصفتها ممثلاً للجمعية العامة، أمام محكمة الإفلاس، باعتبار ذلك ضمانة إجرائية أساسية تحول دون التعسف في استعمال السلطة، وتُعزز الرقابة القضائية على القرارات المصيرية.