حين يتحول الإبداع إلى أصل اقتصادي
لا يكتسب الإبداع، في حد ذاته، أي قيمة اقتصادية ما لم يتحول إلى منتج قابل للتداول. فالقيمة التجارية لا تنشأ من الفكرة المجردة، بل من قدرتها على التجسد في سلعة أو خدمة تدخل السوق وتخضع لقوى العرض والطلب. ويتطلب ذلك وجود بيئة سوقية واضحة، تضم بائعين ومشترين فعليين، وتحكمها منظومة من القواعد القانونية والعقود الأساسية، إضافة إلى أعراف تجارية تحدد ما يمكن اعتباره صفقة عادلة ومعقولة. ولا يعني هذا الطرح التقليل من شأن الإبداع خارج السوق، بل التأكيد على أن الإبداع الذي لا يتحول إلى منتج اقتصادي يبقى خارج دائرة التقييم المالي.
في هذا الإطار، تبرز المنتجات الإبداعية بوصفها حالة خاصة تجمع بين البعدين القانوني والتجاري، إذ لا يمكن فهم قيمتها الاقتصادية من دون التوقف عند طبيعتها القانونية وآليات حمايتها وتنظيم تداولها.
براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية
يُعد وكيل الأدب الأميركي أندرو ويلي نموذجاً دالاً على التوتر القائم بين القيمة الثقافية والقيمة التجارية في سوق النشر. فعلى خلاف المقولة الشائعة التي تفترض وجود تعارض حتمي بين الأدب والسوق، يرى ويلي أن أعلى المعايير الإبداعية يمكن أن تتقاطع مع أكثر الممارسات التجارية شراسة، وأن النجاح التجاري لا يعني بالضرورة التضحية بالقيمة الفنية. هذا الموقف، رغم ما يحمله من استفزاز للمنافسين، يعكس جوهر الإشكالية المرتبطة بالملكية الفكرية، والموازنة الدقيقة بين حق الملكية الخاصة وحق الوصول العام.
وينتقد ويلي توجه عدد كبير من الناشرين إلى التعامل مع الكتب بوصفها سلعاً متجانسة، تُدار بمنطق السرعة وتعظيم حجم المبيعات في أقصر وقت ممكن. ووفق هذا النهج، تُركز متاجر الكتب على عدد محدود من العناوين الرائجة، مع تكديس نسخ متعددة منها، في حين تخرج أعمال أخرى ذات جودة عالية من دائرة التداول بعد فترة قصيرة من صدورها. صحيح أن هذه الاستراتيجية قد تحقق عوائد سريعة لبعض الأطراف، لكنها في المقابل تؤدي إلى إقصاء عشرات الآلاف من العناوين التي تُنشر سنوياً في السوق الأميركية، وتحدّ من التنوع الثقافي والاستدامة الاقتصادية طويلة الأجل لصناعة النشر.
ومن منظور اقتصادي، يؤكد ويلي أن الحقوق الفكرية يجب أن تتمتع بقوة حماية لا تقل عن تلك الممنوحة للملكية المادية. ففي حين يمكن للعلامات التجارية والماركات أن تبقى مملوكة إلى أجل غير مسمى، تظل الحقوق الأدبية وبراءات الاختراع مقيدة بزمن محدد، ما يحدّ من قدرة أصحابها على الاستثمار طويل الأجل بثقة واستقرار.
ويستدل على ذلك بالفارق بين نموذج العلامة التجارية ونموذج حقوق النشر أو البراءات. فشركة تعمل كعلامة تجارية، مثل «والت ديزني»، تستطيع توظيف ملكيتها الفكرية بثقة استثمارية تشبه الاستثمار في أصل عقاري. في المقابل، يواجه الأفراد أو الشركات التي تعتمد على حقوق النشر أو براءات الاختراع درجة أعلى من عدم اليقين، نظراً لانتهاء مدة الحماية القانونية، وهو ما ينعكس مباشرة على قرارات الاستثمار، وتقييم المخاطر، وجدوى المشاريع القائمة على الإبداع.
تكشف بعض النزاعات العملية حدود الفارق بين حقوق النشر والعلامات التجارية من حيث القيمة الاقتصادية. فعندما تقدّم ورثة الكاتب البريطاني بي. جي. وودهاوس بشكوى ضد موقع «أسكجيفز»، الذي استفاد تجارياً من اسم الخادم الشهير في أعمال الكاتب، تبيّن أن الاعتماد على حقوق النشر وحدها لم يكن كافياً لحماية مصالحهم. فلو كان الاسم مسجلاً كعلامة تجارية، لكان بالإمكان وقف النشاط التجاري للموقع أو تقييده بفاعلية أكبر، بينما لم تترك حقوق النشر، بصيغتها المحدودة زمنياً ونطاقاً، سوى هامش ضيق للتحرك القانوني. ومن هذا المنطلق، يرى أندرو ويلي أن الفرق بين حماية العمل الإبداعي كحق نشر، وحمايته كعلامة تجارية، هو فرق جوهري في القدرة على توليد العوائد الاقتصادية. ويذهب إلى حد القول إنه لو أتيح لويليام شكسبير أن يحمي أعماله عبر نظام العلامات التجارية، لكانت قيمتها السوقية اليوم تفوق قيمة شركات تكنولوجية عملاقة، معبّراً بذلك عن قناعته بأن الإبداع المؤسسي المحمي تجارياً هو الأكثر قابلية للتراكم الرأسمالي.
ومن زاوية اقتصادية بحتة، تتمتع العلامات التجارية بقدرة أعلى على جذب رؤوس الأموال المخصصة للتمويل والتسويق، مقارنة بحقوق النشر التقليدية. فهي أكثر مرونة في تحقيق قيمة مضافة مستمرة، وأطول أمداً في توليد التدفقات النقدية. ويشرح ويلي كيف تقوم شركات كبرى، مثل مايكروسوفت و«غيتي إيميجز»، بشراء حقوق إعادة الإنتاج لمحتوى بصري من مختلف أنحاء العالم، ثم إعادة تسويقه وتحقيق عوائد تفوق بأضعاف ما يحصل عليه المالكون الأصليون. كما تستحوذ هذه الشركات على حقوق غير حصرية لمكتبات الصور، مستفيدة من قوتها التسويقية وشبكات التوزيع الواسعة لتعظيم الاستفادة التجارية منها. ويستشهد ويلي بحالة بيكاسو، الذي لا تقتصر قيمته الاقتصادية على لوحاته الفنية، بل تمتد إلى حقوق إعادة الإنتاج واستغلال اسمه وتوقيعه، حتى إن بعض شركات السيارات أعادت إنتاج توقيعه على طرازات تحمل اسمه. ويتساءل، من منظور استثماري، عن القيمة التي يمكن أن تدفعها شركة تمتلك علامة تجارية مقابل حقوق استغلال اسم بحجم بيكاسو إلى أجل غير مسمى، ليخلص إلى أن الإجابة ستكون: مبالغ ضخمة.
في السوق
ينطلق أندرو ويلي من أسئلة أساسية تمس جوهر الملكية الفكرية من منظور اقتصادي: ما طبيعتها الحقيقية؟ ومن أين تستمد قيمتها؟ وأين ينبغي أن تتركز هذه القيمة؟ وفي قطاع النشر تحديداً، يبرز السؤال حول التوازن بين تعظيم دخل الكاتب من جهة، وتمكين الجمهور من الوصول إلى المعرفة بتكلفة أقل من جهة أخرى. ويلي يتبنى موقفاً واضحاً يميل إلى تشديد الحقوق، باعتبار أن الحماية القوية تشجع الاستثمار في الإبداع وتمنح المنتجين ثقة أكبر في العائد المستقبلي. في المقابل، يرى آخرون، ومنهم القاضي البريطاني هيو لادي، أن مدد الحماية الحالية أطول مما ينبغي، وأن الإفراط في تشديد الحقوق قد يخلق تشوهات في السوق ويحدّ من المنافسة والابتكار.
وتظهر التوترات نفسها بوضوح في صناعة براءات الاختراع، حيث يثار تساؤل جوهري حول الوظيفة الاقتصادية الأساسية للبراءة: هل هي أداة لتحفيز الابتكار عبر منح احتكار مؤقت، أم أنها تحولت في بعض القطاعات إلى عائق يقيّد الدخول إلى السوق ويرفع الكلفة على المستهلكين؟
وفي توصيف لافت، اعتبر بروس ليمان، عضو لجنة براءات الاختراع والعلامات التجارية في الولايات المتحدة، أن الملكية الفكرية تمثل أحد أكثر المجالات القانونية تعقيداً، ليس لأنها غامضة فحسب، بل لأنها شديدة الدقة والتفصيل. ويعيد ليمان هذا التعقيد إلى طبيعة هذه الحقوق نفسها، إذ تجمع بين البعد القانوني والبعد الاقتصادي، وتتطلب موازنة دقيقة بين تشجيع الابتكار وحماية المنافسة. ويستحضر في هذا السياق مبدأً قديماً أقرته المحكمة العليا الأميركية قبل أكثر من قرن ونصف، مفاده أن قضايا الملكية الفكرية وبراءات الاختراع من أكثر القضايا التي تستدعي نقاشاً متأنياً، نظراً لتأثيرها المباشر في بنية الأسواق وسلوك المستثمرين.
براءات الاختراع
تُعد براءات الاختراع المثال الأوضح على الملكية الفكرية بوصفها شكلاً من أشكال الملكية الاقتصادية، بل إنها في جوهرها احتكارات قانونية مؤقتة. وهذه الصفة ليست عرضية، بل مقصودة، إذ تهدف إلى منح المبتكر حافزاً استثمارياً عبر حماية ابتكاره من المنافسة المباشرة لفترة زمنية محددة. ورغم الطروحات الفلسفية التي تشكك في إمكانية امتلاك الأفكار، فإن هذا لم يمنع الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم توماس جيفرسون، من إرساء نظام رسمي لبراءات الاختراع. فقد شارك جيفرسون، إلى جانب وزير الحرب آنذاك والنائب العام إدموند راندولف، في تأسيس أول مكتب لبراءات الاختراع، في إشارة واضحة إلى الأهمية الاقتصادية التي أولتها الدولة الجديدة لتنظيم الابتكار وتحويله إلى أصل قابل للاستثمار.
وتعكس براءات الاختراع، في سياق أوسع، توجهاً متزايداً لدى الدول والصناعات الكبرى نحو خصخصة المنتجات الإبداعية. والمقصود بالخصخصة هنا هو توسيع نطاق الملكية الخاصة ليشمل مخرجات الابتكار الفكري، ولا سيما تلك التي لم تكن تُعامل تاريخياً كملكية خاصة، أو كانت تخضع لحماية محدودة. ويهدف هذا التوسع إلى إدماج الإبداع في الدورة الاقتصادية الرسمية، وتحويله إلى عنصر فاعل في النمو، والاستثمار، والتنافسية.
امتلاك سلة التسوق
في بدايات صناعة البرمجيات، لم تكن برامج الحاسوب تُعامل بوصفها أصولاً من أصول الملكية الفكرية، بل اقتصر تنظيمها على قواعد التعاقد والسرية بين الأطراف. ومع اتساع الدور الاقتصادي للبرمجيات، تدخل المشرّع ليعيد تعريف طبيعتها القانونية. فجاء قانون حقوق الملكية الفكرية في الولايات المتحدة عام 1976، ثم التشريعات الأوروبية عام 1991، ليُصنّف البرنامج الحاسوبي عملاً أدبياً مشمولاً بالحماية القانونية. وسرعان ما تبنّت غالبية الدول هذا التوجه، ما أدى إلى إدخال البرمجيات في صميم الاقتصاد القائم على المعرفة، وتحويلها إلى أصول قابلة للتداول، والترخيص، والتقييم المالي.
البنوك المركزية للبراءات
أصبحت مكاتب براءات الاختراع في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان بمثابة «البنوك المركزية» للملكية الفكرية، إذ تضطلع بدور محوري في إصدار «عملة» الاقتصاد المعرفي المتمثلة في البراءات. وتقع هذه المكاتب في قلب شبكة واسعة تضم باحثين، ومخترعين، وشركات، ومقاولين، باتوا على قناعة متزايدة بأن حماية الابتكار لا تقتصر على المنتج النهائي فحسب، بل تمتد إلى أساليب الإنتاج والتسويق وطرق البيع. وفي هذا السياق، تُنظر إلى براءات الاختراع والعلامات التجارية باعتبارها جوهر النشاط الاقتصادي ومصدر الميزة التنافسية، لا مجرد أدوات قانونية مساندة.
وتندفع الشركات، بدعم من مساهميها وحكوماتها، نحو توسيع نطاق الخصخصة ليشمل أكبر قدر ممكن من المخرجات الإبداعية. فالمساهمون يسعون إلى ميزانيات أكثر قوة واستدامة، في حين ترى الحكومات في الملكية الفكرية رافعة لتعزيز تنافسية الصناعات الوطنية. وكما تصدر البنوك المركزية العملة التقليدية، تقوم مكاتب البراءات بإصدار حقوق حصرية تشكّل أساساً لتراكم القيمة في الاقتصاد الحديث.
ومن هذا المنطلق، يبرز هدف واضح يتمثل في زيادة عدد البراءات الممنوحة. فمكتب البراءات البريطاني يعرّف مهمته على أنها تحفيز الابتكار وتعزيز القدرة التنافسية الدولية للصناعة البريطانية، عبر نشر الوعي بحقوق الملكية الفكرية وتوفير خدمات تعليمية وإرشادية، مع إيلاء أهمية لرضى المستهلك. أما مكتب البراءات الأميركي، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يركز صراحة على استخدام الملكية الفكرية كأداة لتحقيق الرخاء الاقتصادي، ويعكس شعاره الدولي هذا التوجه بوضوح حين يؤكد أن دوره يتمثل في مساعدة عملائه على الحصول على براءات اختراع.
ولا يقتصر دور هذه المكاتب على التنظيم، بل يمتد إلى تحقيق عوائد مالية مباشرة. فقد سجل مكتب البراءات الأميركي في نهاية تسعينيات القرن الماضي إيرادات قاربت 830 مليون دولار، وحقق أرباحاً تراوحت بين 90 و190 مليون دولار، بحسب الالتزامات التي تتحملها الحكومة. وفي المملكة المتحدة، حقق مكتب البراءات عوائد بلغت نحو 52 مليون جنيه إسترليني في عام 2000، مع أرباح تقارب 13 مليون جنيه، وفائض تراكمي وصل إلى 113 مليون جنيه. وتعكس هذه الأرقام أن إدارة الملكية الفكرية لم تعد نشاطاً تنظيمياً فحسب، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته، يسهم في الإيرادات العامة ويدعم البنية المالية للاقتصاد القائم على الابتكار.
خلاصة اقتصادية
يُظهر تطور الملكية الفكرية، من الكتب والبرمجيات إلى البراءات والعلامات التجارية، كيف تحوّل الإبداع من فكرة مجردة إلى أصل اقتصادي استراتيجي. ففي عالم تحكمه المنافسة العالمية واقتصاد المعرفة، لم يعد السؤال يدور حول قيمة الإبداع بحد ذاته، بل حول الإطار القانوني والاقتصادي القادر على تحويله إلى عوائد مستدامة، وجعله جزءاً فاعلاً من سلة الاستثمار والنمو.