خسائر جماعية في المعادن النفيسة
أنهى الذهب أسبوعه على تراجع واضح تجاوز 2.5 % في التداولات الفورية، رغم أن آخر جلسات الأسبوع حملت ارتفاعاً طفيفاً يوم الجمعة بنسبة 0.3 %، ليستقر السعر عند 4710.57 دولار للأونصة. هذا الأداء يعكس مفارقة لافتة في حركة المعدن النفيس؛ إذ لم يكن الصعود المحدود في الجلسة الأخيرة كافياً لتغيير الصورة الأسبوعية السلبية، بعدما غلبت على السوق موجة بيع وجني أرباح، مدفوعة بارتفاع الدولار، وصعود أسعار النفط، وتجدد التوتر الحاد بين الولايات المتحدة وإيران، بما أعاد ترتيب أولويات المستثمرين بين التحوط، السيولة، وتقييم مسار السياسة النقدية.
في الظاهر، قد يبدو الذهب مرشحاً طبيعياً للاستفادة من التوترات الجيوسياسية، خصوصاً عندما ترتفع المخاوف المرتبطة بمنطقة حساسة لإمدادات الطاقة. لكن حركة هذا الأسبوع أظهرت أن العلاقة بين المخاطر والذهب ليست آلية دائماً. فحين يتزامن التوتر مع صعود قوي في الدولار وزيادة في أسعار النفط، تصبح المعادلة أكثر تعقيداً. الدولار المرتفع يزيد تكلفة حيازة الذهب للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، والنفط الصاعد يرفع مخاوف التضخم، وقد يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة. لذلك وجد الذهب نفسه بين عاملين متعارضين: طلب تحوطي محدود من جهة، وضغط نقدي وسعري أقوى من جهة أخرى.
ضغط الدولار
كان ارتفاع الدولار أحد أبرز العوامل الضاغطة على الذهب خلال الأسبوع. فالمعدن النفيس، بوصفه أصلاً مسعراً بالعملة الأميركية، يتأثر مباشرة بقوة الدولار في الأسواق العالمية. كلما ارتفعت العملة الأميركية، تراجعت جاذبية الذهب نسبياً لدى المستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، كما تتراجع شهية المضاربين لزيادة المراكز الطويلة عندما تبدو العملة الأميركية أكثر قدرة على توفير ملاذ نقدي سريع. وفي أسبوع اتسم بالتوتر، فضّل جزء من المستثمرين الاحتفاظ بالدولار بدلاً من توسيع الانكشاف على المعادن، خصوصاً مع اتساع التقلبات في السلع والعملات.
هذا الضغط لم يقتصر على الذهب الفوري فقط، بل امتد أيضاً إلى العقود الآجلة التي استقرت عند 4725.40 دولاراً للأونصة بعد ارتفاع يومي طفيف بنحو 0.4 % يوم الجمعة، لكنها أنهت الأسبوع على خسارة تجاوزت 2.8 %. الفارق بين أداء الجلسة الأخيرة والأداء الأسبوعي يوضح أن السوق حاولت التقاط أنفاسها في نهاية التداولات، لكنها لم تستطع تجاوز أثر الموجة البيعية السابقة. فالمتعاملون لم يتعاملوا مع ارتفاع الجمعة بوصفه بداية اتجاه صاعد جديد، بل كحركة تصحيح محدودة داخل أسبوع ضاغط.
توتر الطاقة
إلى جانب الدولار، لعب ارتفاع أسعار النفط دوراً مهماً في تشديد الضغط على أسواق المعادن النفيسة. فالتوتر الأميركي الإيراني رفع مخاوف السوق من اضطراب محتمل في إمدادات الطاقة، وهو ما دعم النفط وأعاد التضخم إلى واجهة الحسابات. بالنسبة للذهب، عادة ما يكون التضخم عاملاً داعماً على المدى الطويل، لكن في الأجل القصير قد يتحول صعود النفط إلى عامل سلبي إذا اعتبر المستثمرون أنه سيزيد الضغوط على البنوك المركزية للإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشدداً. وهنا تتراجع جاذبية الذهب، لأنه لا يدر عائداً، مقارنة بالأصول النقدية أو السندات التي تستفيد من بيئة الفائدة المرتفعة.
هذا التداخل بين النفط والذهب يعكس حساسية الأسواق الحالية لأي مؤشر يغير توقعات التضخم والفائدة. فالذهب لا يتحرك فقط وفق الخوف السياسي، بل وفق قراءة مركبة تشمل الدولار، عوائد السندات، شهية المخاطرة، وتوقعات البنوك المركزية. لذلك، ورغم تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، لم يتمكن الذهب من تحقيق مكاسب أسبوعية، لأن الأسواق رأت أن تداعيات التوتر على الطاقة والدولار قد تكون أسرع وأقوى من أثره التحوطي التقليدي.
جني أرباح
بعد موجة صعود سابقة دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة، بدا أن الذهب دخل هذا الأسبوع في مرحلة جني أرباح طبيعية. المستثمرون الذين حققوا مكاسب كبيرة في فترات الصعود السابقة وجدوا في قوة الدولار وارتفاع النفط مبرراً لتقليص المراكز. كما أن المستويات السعرية المرتفعة تجعل السوق أكثر حساسية لأي تغير في المزاج العام، إذ يكفي صدور إشارات نقدية أو جيوسياسية متضاربة لدفع المتعاملين إلى تخفيف المخاطر.
ومن المهم أن التراجع الأسبوعي لا يعني بالضرورة انهيار الاتجاه العام للذهب، لكنه يشير إلى أن الأسعار أصبحت بحاجة إلى محفزات أقوى للحفاظ على الزخم. عند مستويات تفوق 4700 دولار للأونصة، يصبح كل ارتفاع إضافي مرتبطاً بقدرة السوق على استيعاب عاملين أساسيين: استمرار الطلب الاستثماري، وتراجع قوة الدولار. وإذا غاب أحد هذين العاملين، تظهر سريعاً موجات تصحيح كتلك التي شهدها السوق هذا الأسبوع.
الفضة تتراجع
كان التراجع أكثر حدة في الفضة، التي خسرت هذا الأسبوع أكثر من 6.3 %، رغم ارتفاعها قليلاً يوم الجمعة لتستقر عند 75.69 دولار للأونصة. وتكشف هذه الخسارة الكبيرة أن الفضة بقيت أكثر هشاشة أمام موجة البيع، بسبب طبيعتها المزدوجة كأصل نفيس ومعدن صناعي في الوقت نفسه. فعندما تتراجع شهية المخاطرة أو ترتفع تكلفة التمويل، تتأثر الفضة غالباً بصورة أكبر من الذهب، لأنها تجمع بين حساسية الاستثمار وحساسية الطلب الصناعي.
ارتفاع الفضة الطفيف في الجلسة الأخيرة لم يكن كافياً لتخفيف الصورة السلبية الأسبوعية. السوق بدا كأنه يعيد تسعير المعدن بعد مكاسب سابقة قوية، خصوصاً أن الفضة عادة تتحرك بنطاقات أوسع من الذهب. ومع ارتفاع الدولار، ازداد الضغط على المراكز المضاربية في الفضة، بينما فضّل المستثمرون تقليل الانكشاف على الأصول الأعلى تقلباً. لذلك جاءت خسائر الفضة أكبر، وأظهرت أن المستثمرين كانوا أكثر استعداداً للتخلي عن المعادن ذات المخاطر السعرية الأعلى.
البلاتين والبلاديوم
في أسواق المعادن النفيسة الأخرى، خسر البلاتين هذا الأسبوع قرابة 4.4 %، رغم أنه اختتم جلسة الجمعة مرتفعاً قليلاً إلى أكثر من 2014 دولاراً للأونصة. هذا الأداء يضع البلاتين في منطقة وسطى بين الذهب والفضة؛ فهو معدن نفيس من جهة، ومعدن صناعي مرتبط بالطلب العالمي من جهة أخرى. لذلك يتأثر البلاتين بالتحوط الجيوسياسي، لكنه يتأثر أيضاً بتوقعات النمو والصناعة وسلاسل الإمداد. ومع ارتفاع الدولار وتراجع شهية المخاطرة، كان من الطبيعي أن يتعرض لضغط أسبوعي واضح.
أما البلاديوم، فقد خسر نحو 4 % خلال الأسبوع، رغم ارتفاع طفيف إلى 1500 دولار في آخر تعاملات الأسبوع، ويعكس أداء البلاديوم استمرار الحذر تجاه المعادن المرتبطة بالقطاع الصناعي، ولا سيما تلك التي تتأثر بتوقعات الطلب في السيارات والصناعات التحويلية. ورغم أن التوترات الجيوسياسية قد تدعم بعض المعادن عبر مخاوف الإمداد، فإن قوة الدولار وضبابية الطلب العالمي ظلت أكثر تأثيراً في حركة البلاديوم خلال الأسبوع.
مستويات حاسمة
مع استقرار الذهب الفوري عند 4710.57 دولار للأونصة، تبقى السوق قريبة من مستويات نفسية مهمة. الحفاظ على التداول فوق حاجز 4700 دولار قد يمنح المشترين فرصة للدفاع عن الاتجاه، لكن كسر هذا المستوى بوضوح قد يفتح الباب أمام تصحيح أوسع، خصوصاً إذا واصل الدولار ارتفاعه. في المقابل، فإن أي تراجع في العملة الأميركية أو انخفاض في عوائد السندات قد يعيد الزخم سريعاً إلى الذهب، لأن الطلب التحوطي لم يختف، بل تراجع تحت ضغط عوامل نقدية مؤقتة.
العقود الآجلة عند 4725.40 دولاراً تعكس بدورها حالة توازن حذر. المستثمرون لا يغادرون السوق بالكامل، لكنهم لا يندفعون أيضاً نحو بناء مراكز كبيرة قبل اتضاح مسار الدولار والنفط. لذلك قد تبقى التحركات المقبلة متقلبة، مع ميل السوق إلى اختبار الدعم والمقاومة بدلاً من بناء اتجاه أحادي واضح، وكلما استمر التوتر في الشرق الأوسط، زادت حساسية الذهب لأي خبر جديد، سواء تعلق بالتصعيد أو بالتهدئة.