دعوى البيوع العقارية… إجراءاتها القانونية وآثارها
في عالمنا المعاصر، أصبحت إدارة الحقوق والممتلكات جزءاً أساسياً من حياة الأفراد والمؤسسات على حد سواء. فالعقارات، بما تمثله من قيمة اقتصادية واستقرار مالي، تحتل مكانة خاصة في الذمة المالية لأي شخص أو جهة. ومن هنا، لم يعد الحفاظ على هذه الممتلكات مجرد مسألة شخصية أو تجارية، بل أصبح يرتبط بالإطار القانوني الذي يضمن نقل الحقوق وحماية الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المهم للإجراءات القضائية المنظمة لبيع العقارات المحجوزة، والتي تجمع بين ضبط العملية القانونية وحماية مصالح جميع الأطراف. فالقوانين لم تضع هذه الإجراءات اعتباطياً، بل جاءت لتوازن بين حق الدائن في استيفاء حقوقه، وحق المدين في عدم التعرض لبيع ممتلكاته دون مقتضى، ما يجعل من دراسة دعوى البيوع ومتابعة آلياتها مسألة حيوية لفهم العلاقة بين القانون والملكية العقارية.
يُعدّ العقار من بين الأصول الأساسية في الذمة المالية للأفراد، سواء كان عقاراً طبيعياً أو اعتبارياً، وهو ما جعل التشريعات القانونية تخصص له نظاماً خاصاً ينظم جميع التصرفات التي يمكن أن تُجرى عليه، بدءاً من الانتقال في الملكية وصولاً إلى ترتيب الحقوق العينية مثل الرهن. كما نص المشرع على ضرورة توثيق كل التصرفات العقارية في محرر رسمي ليصبح لها أثر قانوني، وهو ما يضمن وضوح الحقوق ويعزز حماية الأطراف ويضمن نفاذ التصرفات أمام الغير.
ولا تقتصر الحماية القانونية على توثيق التصرفات فقط، بل تشمل أيضاً الإجراءات التنفيذية، إذ خُصّ العقار عن غيره من الأموال المنقولة في أحكام التنفيذ الجبري، حيث تخضع عمليات البيع بالمزاد العلني للرقابة القضائية المباشرة عبر قاضي البيوع. وتتم هذه العمليات من خلال دعوى البيوع، التي تُعتبر الوسيلة القانونية المعتمدة لإتمام البيع الرسمي للعقارات المحجوزة.
وتختلف دعوى البيوع عن الدعوى المدنية العادية في إجراءاتها، إذ تُرفع وفق نظام خاص يحدد أول جلسة لها ومراحل سيرها. فمأمور التنفيذ يقوم أولاً بتسجيل طلب الحجز على العقار، مع تحديد موعد وساعة البيع ومكانه، ويعتبر هذا التسجيل بمثابة صحيفة الدعوى، ويترتب عليه بدء الخصومة أمام قاضي البيوع. ويباشر القاضي جلسة البيع دون حاجة لأي طلب من أصحاب الحقوق، مع الاستعانة بخبير لتقدير قيمة العقار أو بالسمسار في حالة البيع خارج المحكمة، وفق ما تحدده المادة 266 من قانون المرافعات المدنية والتجارية.
وبمجرد تحديد الثمن، تبدأ المزايدة العلنية على العقار، ويقوم قاضي البيوع بالإشراف على جميع مراحلها حتى إيداع المشتري كامل الثمن واعتماد رسو المزاد رسمياً، بما يضمن حق جميع الأطراف ويؤكد سلامة الإجراءات وفق نصوص المادتين 273 و274 مـن قانون المرافعات.
وتسعى هذه الإجراءات الدقيقة إلى تحقيق عدالة المتعاملين، وضمان الشفافية في بيع العقارات المحجوزة، وحماية الملكية، إضافة إلى تعزيز الثقة في النظام القضائي والتنفيذي، ما يجعل دعوى البيوع أداة مركزية في إدارة المنازعات العقارية وتحقيق الأمن القانوني للمعاملات.
قاضي البيوع بين الاختصاص القضائي وإجراءات التنفيذ
على الرغم من الصيغة الإجرائية لعمل قاضي البيوع والتي تخرج أحياناً عن الوظيفة القضائية التقليدية، فقد منح المشرع هذا القاضي مجموعة من السلطات والاختصاصات القضائية المحددة بدقة، والتي لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها. وتشمل هذه السلطات الفصل في أوجه البطلان المتعلقة بالإعلان والإجراءات، كما ورد في المادتين 266 و268 من قانون المرافعات، بالإضافة إلى صلاحية القاضي بصفته قاضياً للأمور المستعجلة في إيقاف البيع أو الاستمرار فيه، ويُعد حكمه في هذه الحالات غير قابل للطعن.
وقد أثارت هذه الطبيعة المختلطة لاختصاصات قاضي البيوع تساؤلات حول الطابع القانوني لدعوى البيوع نفسها، وما إذا كانت تمثل خصومة بالمعنى القانوني التقليدي، أم أنها مجرد إجراءات تنفيذية، يقوم من خلالها الدائن وأصحاب الحقوق بممارسة حقوقهم وفق قواعد التنفيذ، دون أن ترتقي إلى مستوى الخصومة القضائية المعتادة. وتبرز أهمية هذا التمييز لمعرفة أثر أي توقف أو انقطاع في خصومة التنفيذ، أو سقوط أو انقضاء الحقوق المتعلقة بها.
وقد أكد الفقه القانوني على أن دعوى البيوع هي في جوهرها خصومة تنفيذية، تتعلق بمجموعة الإجراءات التي يحددها قانون المرافعات لممارسة الدائن لحقه المستند إلى سند تنفيذي، وذلك بقصد استيفاء حقه من المدين قهراً، ولا تبدأ هذه الإجراءات إلا بناءً على طلب الدائن نفسه أو الدائنين المعنيين. ومن هنا، لا يجوز للقاضي مباشرة إجراءات التنفيذ أو البيع دون طلب رسمي من الدائن، حرصاً على حماية الملكية ومنع بيع العقار دون مقتضى.
وعليه، فإن الحكم الصادر في دعوى البيوع لا يُعتبر حكماً قضائياً بالمعنى التقليدي للأحكام، إذ إنه لا يفصل في خصومة قانونية قائمة بين أطراف متنازعة، بل يقر بحدوث إجراءات البيع. وبذلك، يُعد الحكم مجرد عقد بيع يُنفذ جبراً بين مالك العقار المحجوز عليه والمشتري، ويعمل كوثيقة شاملة توضح خطوات العملية والإجراءات المتبعة، دون التقيد بقاعدة تسبيب الأحكام. وهذا ما يميز خصومة التنفيذ عن الخصومة القضائية التقليدية، التي تبدأ برفع الدعوى وتنتهي بحكم في موضوع النزاع، وتشكل علاقة قانونية قائمة بين الخصوم.
الشطب والوقف في دعوى البيوع: تمييز بين خصومة التنفيذ
والخصومة القضائية
لما كانت عوارض الخصومة لا تنطبق إلا على الخصومة الحقيقية بمعناها القانوني، يترتب على هذا الفرق بين خصومة التنفيذ والخصومة القضائية مجموعة من الآثار العملية الهامة. إذ إن إجراءات التنفيذ، بما فيها بيع العقار المحجوز، لا تخضع لعوارض الخصومة التقليدية، لأن خصومة التنفيذ ليست خصومة بالمعنى القانوني، وإنما هي مجموعة إجراءات تنفيذية تستهدف استيفاء حق الدائن وفق السند التنفيذي، ولا يمكن إسقاطها أو وقفها بحكم عوارض الخصومة المعتادة.
ومن أبرز تطبيقات هذا المبدأ أن تخلف الدائن عن الحضور أمام قاضي البيوع يؤدي إلى ما يُعرف بـ «شطب الجلسة»، وهو إجراء يقتصر على إلغاء تحديد يوم البيع ووقفه مؤقتاً. ويُلاحظ أن الشطب لا يمتد أثره إلى مواعيد التجديد المحددة قانونياً، كما لا يُعتبر بمثابة سقوط الإجراءات أو اعتبارها كأن لم تكن إذا لم يتم التجديد ضمن المواعيد المقررة.
كما لا تمتد سلطات قاضي البيوع إلى فرض «الوقف الجزائي» على الدائن الذي لم يقم بأي من إجراءات التنفيذ، مثل الإعلان عن البيع أو استكمال إجراءات المزاد، إذ إن هذه الإجراءات يقوم بها الدائن أو صاحب الحق منفرداً، دون تدخل إلزامي من القاضي. لذلك، فإن عدم السير في إجراءات التنفيذ لا يُعد سقوطاً إلا إذا تعلق بخصومة قضائية حقيقية، لا بإجراءات تنفيذية، ويكون غالباً سبب ذلك هو عدم ملاءمة الوقت للبيع بسعر مناسب أو محاولات التسوية بين الدائن والمدين قبل المضي في عملية البيع.
ويبرز من ذلك أن طبيعة خصومة التنفيذ تختلف جوهرياً عن الخصومة القضائية التقليدية، فهي تهدف إلى تحقيق حق الدائن بأيسر الطرق القانونية، مع الحفاظ على حماية المدين من أي بيع دون مقتضى، بينما الخصومة القضائية التقليدية تقوم على النزاع بين أطراف متنازعة، ويترتب عليها آثار قانونية مباشرة على الحقوق والالتزامات، وهو ما يميز نظام البيوع القضائية ويؤطر صلاحيات قاضي البيوع بدقة.