تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دور‭ ‬الأزمات‭ ‬والسياسات‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬أسواق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال

BB100

شهدت‭ ‬أسواق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬‭(‬LNG‭) ‬تحولات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬واتجاهاتها‭ ‬منذ‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬الوقود‭ ‬إلى‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬تركّز‭ ‬الطلب‭ ‬مبكرًا‭ ‬في‭ ‬آسيا‭. ‬وبينما‭ ‬حافظت‭ ‬أسواق‭ ‬تقليدية‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬كأكبر‭ ‬المستهلكين‭ ‬لعقود،‭ ‬أعادت‭ ‬سياسات‭ ‬تحرير‭ ‬الطاقة‭ ‬تشكيل‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية،‭ ‬ما‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬متفاوتة‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬السوق‭ ‬وظهور‭ ‬أطر‭ ‬إقليمية‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً‭.‬
وخلال‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينيات،‭ ‬برزت‭ ‬إندونيسيا‭ ‬وماليزيا‭ ‬والجزائر‭ ‬وأستراليا‭ ‬وبروناي‭ ‬كمصدرين‭ ‬رئيسيين‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬آسيا،‭ ‬وخاصة‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتايوان،‭ ‬الوجهة‭ ‬الأبرز‭ ‬للواردات‭. ‬ومع‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية،‭ ‬انضمت‭ ‬قطر‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬كبار‭ ‬المصدّرين‭ ‬لتصبح‭ ‬ضمن‭ ‬أكبر‭ ‬خمسة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إندونيسيا‭ ‬وماليزيا‭ ‬والجزائر‭ ‬وأستراليا‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬التغيّر‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1995،‭ ‬شهدت‭ ‬السنوات‭ ‬اللاحقة‭ ‬دخول‭ ‬لاعبين‭ ‬جدد‭ ‬إلى‭ ‬نادي‭ ‬المصدّرين،‭ ‬إذ‭ ‬التحقت‭ ‬روسيا‭ ‬ثم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالسوق‭ ‬عام‭ ‬2016‭. ‬وبحلول‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬باتت‭ ‬روسيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ضمن‭ ‬أكبر‭ ‬مصدّري‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عالميًا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قطر‭ ‬وأستراليا‭ ‬وماليزيا‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬أسهم‭ ‬صعود‭ ‬مستوردين‭ ‬سريعي‭ ‬النمو،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬السوق‭ ‬وتعميقها،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تنويع‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬العرض‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬دفع‭ ‬نحو‭ ‬انتشار‭ ‬عقود‭ ‬أقصر‭ ‬أمدًا‭ ‬وأكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬التسعير‭ ‬باتجاه‭ ‬تعدد‭ ‬مؤشرات‭ ‬القياس‭ ‬وتزايد‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬الإقليمية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬المتغيرات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬أثّرت‭ ‬في‭ ‬ديناميكيات‭ ‬السوق،‭ ‬التداعيات‭ ‬الواسعة‭ ‬للصراع‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭.‬
وقبيل‭ ‬اندلاع‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬نحو‭ ‬354‭.‬7‭ ‬مليون‭ ‬طن‭. ‬وشكّلت‭ ‬العقود‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصفقات‭ ‬الفورية‭ ‬والعقود‭ ‬التي‭ ‬تقل‭ ‬مدتها‭ ‬عن‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬قرابة‭ ‬119‭ ‬مليون‭ ‬طن،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬34‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬التجارة،‭ ‬ومع‭ ‬النمو‭ ‬المتسارع‭ ‬لحصة‭ ‬التداولات‭ ‬القصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬والفورية،‭ ‬بدأت‭ ‬تتبلور‭ ‬سوق‭ ‬فورية‭ ‬أكثر‭ ‬سيولة،‭ ‬وأعلى‭ ‬قابلية‭ ‬للمراجعة‭ ‬والتحكيم،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭.‬

أهم‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬
الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال

يمكن‭ ‬رصد‭ ‬أبرز‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬والتي‭ ‬تركت‭ ‬آثاراً‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬ديناميكيات‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية،‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المسارات‭ ‬الرئيسية‭.‬
أولاً،‭ ‬تعاظم‭ ‬المرونة‭ ‬التعاقدية،‭ ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬الأسواق‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬يعتمد‭ ‬شبه‭ ‬كلي‭ ‬على‭ ‬العقود‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬إلى‭ ‬هيكل‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬عقود‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬بمدد‭ ‬متفاوتة،‭ ‬غالبًا‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أتاح‭ ‬للمشترين‭ ‬والبائعين‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬تقلبات‭ ‬الطلب‭ ‬والأسعار،‭ ‬وقلّص‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬العقود‭ ‬الممتدة‭ ‬لعقود‭.‬
ثانياً،‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬التداولات‭ ‬الفورية‭ ‬والقصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬المشترين‭ ‬والبائعين‭ ‬الجدد،‭ ‬أصبح‭ ‬سوق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا‭ ‬وسرعة‭ ‬في‭ ‬الحركة‭. ‬تاريخياً،‭ ‬كانت‭ ‬الإمدادات‭ ‬تُسلم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬اتفاقيات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المفاوضات‭ ‬حول‭ ‬الشحنات‭ ‬الفورية‭ ‬بدأت‭ ‬تنمو‭ ‬منذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتسارع‭ ‬وتيرتها‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬حصة‭ ‬التداول‭ ‬الفوري‭ ‬نحو‭ ‬10‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬التجارة‭ ‬قبل‭ ‬عامي‭ ‬2004‭ ‬و2005،‭ ‬أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬المجموعة‭ ‬الدوليـة‭ ‬لمستوردي‭ ‬الغـاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ (‬GIGNL‭) ‬ارتفاع‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬من‭ ‬18‭.‬9‭ % ‬في‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬إلى‭ ‬27‭ % ‬في‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬ثم‭ ‬تجاوزت‭ ‬30‭ % ‬و34‭ % ‬في‭ ‬عامي‭ ‬2018‭ ‬و2019‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬40‭ % ‬في‭ ‬عام‭ ‬2020‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحصة‭ ‬تراجعت‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬35‭ % ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬متأثرة‭ ‬بظروف‭ ‬استثنائية‭ ‬شملت‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭ – ‬19،‭ ‬ثم‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬الروسية–الأوكرانية‭ ‬منذ‭ ‬فبراير‭ ‬2022‭.‬
ثالثاً،‭ ‬نشاط‭ ‬إعادة‭ ‬الشحن‭ ‬وإعادة‭ ‬تصدير‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭. ‬ويُعد‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬من‭ ‬التطورات‭ ‬الحديثة‭ ‬نسبيًا،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفاً‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬لعدة‭ ‬عقود،‭ ‬ويُنظر‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‭ ‬كأداة‭ ‬تحكيم‭ ‬مشروعة‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬بدأت‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭ ‬بالتصاعد‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬حين‭ ‬أُعيد‭ ‬تصدير‭ ‬خمس‭ ‬شحنات‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬العام،‭ ‬وجميعها‭ ‬كانت‭ ‬شحنات‭ ‬قطرية‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬مشترين‭ ‬بأسعار‭ ‬مناسبة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أوروبا،‭ ‬ما‭ ‬استدعى‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬أخرى‭. ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬تلك‭ ‬التحويلات‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬بائعو‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬ومنذ‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬شهدت‭ ‬عمليات‭ ‬إعادة‭ ‬التصدير‭ ‬توسعًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬وتنوعًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬وبداية‭ ‬تصديره،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬محطات‭ ‬إعادة‭ ‬التحميل‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬مرونة‭ ‬تدفقات‭ ‬الإمدادات‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬المختلفة‭.‬

توسعة‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭ ‬وتأثيرها‭ ‬
على‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬المسال

أتاحت‭ ‬توسعة‭ ‬قناة‭ ‬بنما،‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬حيز‭ ‬التشغيل‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬للممر‭ ‬المائي‭ ‬استيعاب‭ ‬نحو‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬أسطول‭ ‬ناقلات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عالمياً‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬ما‭ ‬وفر‭ ‬وفورات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬والتكلفة‭ ‬لمنتجي‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬عند‭ ‬التصدير‭ ‬إلى‭ ‬الساحل‭ ‬الغربي‭ ‬لأميركا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وإلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭. ‬ومنذ‭ ‬تنفيذ‭ ‬التوسعة‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2016،‭ ‬عبرت‭ ‬القناة‭ ‬نحو‭ ‬372‭ ‬ناقلة‭ ‬غاز‭ ‬مسال،‭ ‬حجزت‭ ‬337‭ ‬منها‭ ‬مواعيد‭ ‬عبور‭ ‬مسبقة،‭ ‬فيما‭ ‬تمكنت‭ ‬سفن‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المرور‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حجز‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه،‭ ‬باستثناء‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬اضطر‭ ‬للانتظار‭ ‬ثلاثة‭ ‬إلى‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬واجه‭ ‬تحديات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬حين‭ ‬اضطرت‭ ‬هيئة‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭ (‬ACP‭)‬،‭ ‬وللمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬القناة‭ ‬الممتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬إلى‭ ‬تقييد‭ ‬حركة‭ ‬العبور‭ ‬نتيجة‭ ‬الانخفاض‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬منسوب‭ ‬المياه‭ ‬ببحيرة‭ ‬جاتون‭ ‬بفعل‭ ‬موجات‭ ‬الجفاف‭ ‬الشديد‭. ‬وأسهمت‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬عدد‭ ‬ناقلات‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬العابرة‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬السفن‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬بفعل‭ ‬الاختناقات،‭ ‬مع‭ ‬احتمالات‭ ‬تشديد‭ ‬سوق‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭. ‬ففي‭ ‬الظروف‭ ‬الاعتيادية،‭ ‬تعبر‭ ‬القناة‭ ‬نحو‭ ‬36‭ ‬سفينة‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الحمولات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬24‭ ‬سفينة‭ ‬يوميًا‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬إجراءات‭ ‬تقشف‭ ‬مائي‭ ‬هدفت‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬أشد‭.‬

التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وتعميم‭ ‬
وحدات‭ ‬التخزين‭ ‬وإعادة‭ ‬التغييز‭ ‬العائمة‭ (‬FSRU‭)‬

أسهم‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬تعميم‭ ‬استخدام‭ ‬وحدات‭ ‬التخزين‭ ‬وإعادة‭ ‬التغييز‭ ‬العائمة‭ (‬FSRU‭). ‬ويعود‭ ‬الظهور‭ ‬التاريخي‭ ‬لهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬عندما‭ ‬تعاقدت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬إل‭ ‬باسو‮»‬‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬إكسيليريت‭ ‬إنرجي‮»‬‭ ‬لتنفيذ‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬Gateway Gulf‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬مثّل‭ ‬أول‭ ‬تطبيق‭ ‬عملي‭ ‬لوحدات‭ ‬التغييز‭ ‬والتخزين‭ ‬العائمة‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬عُدّت‭ ‬المرونة‭ ‬التشغيلية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬هذه‭ ‬السفن‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬نقل‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬وتسويقه‭.‬
وشهد‭ ‬عدد‭ ‬وحدات‭ ‬‮«‬FSRU‮»‬‭ ‬نمواً‭ ‬متسارعًا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭ ‬ليبلغ‭ ‬حالياً‭ ‬نحو‭ ‬51‭ ‬وحدة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬خياراً‭ ‬أكثر‭ ‬تنافسية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الكلفة‭ ‬وسرعة‭ ‬الانتشار‭. ‬وتُعد‭ ‬هذه‭ ‬الوحدات‭ ‬سفناً‭ ‬متعددة‭ ‬الوظائف،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬تخزين‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬وأنظمة‭ ‬إعادة‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬حالته‭ ‬الغازية‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬ناقلة‭ ‬واحدة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬استقبال‭ ‬الشحنات‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬ناقلات‭ ‬الغاز‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وتخزينها‭ ‬في‭ ‬خزانات‭ ‬معزولة،‭ ‬ثم‭ ‬ضخ‭ ‬الغاز‭ ‬إلى‭ ‬الشبكات‭ ‬المحلية‭ ‬بعد‭ ‬إعادة‭ ‬تغييزه‭.‬
ومنذ‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬توسع‭ ‬تطوير‭ ‬مشاريع‭ ‬‮«‬FSRU‮»‬‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬وأميركا‭ ‬الجنوبية‭. ‬كما‭ ‬شهد‭ ‬الطلب‭ ‬الأوروبي‭ ‬قفزة‭ ‬ملحوظة‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الأزمة‭ ‬الروسية–الأوكرانية،‭ ‬إذ‭ ‬أظهر‭ ‬دفتر‭ ‬الطلبات‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬وجود‭ ‬خمس‭ ‬وحدات‭ ‬جديدة‭ ‬قيد‭ ‬التعاقد،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬تسليم‭ ‬أربع‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬ولم‭ ‬يُسلّم‭ ‬جميعها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬واحدة‭ ‬مجدولة‭ ‬للتسليم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الدور‭ ‬المتنامي‭ ‬لهذه‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭ ‬وسرعة‭ ‬الاستجابة‭ ‬للأزمات‭.‬

رجوع لأعلى