دور الأزمات والسياسات في تطور أسواق الغاز الطبيعي المسال
شهدت أسواق الغاز الطبيعي المسال (LNG) تحولات جوهرية في بنيتها واتجاهاتها منذ دخول هذا الوقود إلى التجارة العالمية في أواخر ستينيات القرن الماضي، ولا سيما مع تركّز الطلب مبكرًا في آسيا. وبينما حافظت أسواق تقليدية مثل اليابان وكوريا الجنوبية على موقعها كأكبر المستهلكين لعقود، أعادت سياسات تحرير الطاقة تشكيل الأسواق المحلية، ما قاد إلى مراحل متفاوتة من فتح السوق وظهور أطر إقليمية أكثر تنوعاً.
وخلال منتصف التسعينيات، برزت إندونيسيا وماليزيا والجزائر وأستراليا وبروناي كمصدرين رئيسيين للغاز الطبيعي المسال، في وقت كانت فيه آسيا، وخاصة اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، الوجهة الأبرز للواردات. ومع مطلع الألفية، انضمت قطر إلى قائمة كبار المصدّرين لتصبح ضمن أكبر خمسة على مستوى العالم، إلى جانب إندونيسيا وماليزيا والجزائر وأستراليا.
وعلى الرغم من محدودية التغيّر النسبي في خريطة السوق العالمية منذ عام 1995، شهدت السنوات اللاحقة دخول لاعبين جدد إلى نادي المصدّرين، إذ التحقت روسيا ثم الولايات المتحدة بالسوق عام 2016. وبحلول عام 2020، باتت روسيا والولايات المتحدة ضمن أكبر مصدّري الغاز الطبيعي المسال عالميًا، إلى جانب قطر وأستراليا وماليزيا.
في المقابل، أسهم صعود مستوردين سريعي النمو، وفي مقدمتهم الصين، في توسيع السوق وتعميقها، بالتوازي مع تنويع أكبر في جانب العرض. هذا التحول دفع نحو انتشار عقود أقصر أمدًا وأكثر مرونة، ما انعكس على آليات التسعير باتجاه تعدد مؤشرات القياس وتزايد الترابط بين الأسواق الإقليمية. ومن بين أبرز المتغيرات الحديثة التي أثّرت في ديناميكيات السوق، التداعيات الواسعة للصراع في أوكرانيا.
وقبيل اندلاع الأزمة الأوكرانية، ولا سيما في عام 2019، بلغ حجم التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال نحو 354.7 مليون طن. وشكّلت العقود قصيرة الأجل، بما في ذلك الصفقات الفورية والعقود التي تقل مدتها عن خمس سنوات، قرابة 119 مليون طن، أي نحو 34 % من إجمالي التجارة، ومع النمو المتسارع لحصة التداولات القصيرة الأجل والفورية، بدأت تتبلور سوق فورية أكثر سيولة، وأعلى قابلية للمراجعة والتحكيم، ما يعكس مرحلة جديدة من تطور هذا القطاع الحيوي في منظومة الطاقة العالمية.
أهم التطورات في أسواق
الغاز الطبيعي المسال
يمكن رصد أبرز التحولات التي شهدتها التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، والتي تركت آثاراً واضحة على ديناميكيات الأسواق الدولية، في عدد من المسارات الرئيسية.
أولاً، تعاظم المرونة التعاقدية، فقد انتقلت الأسواق تدريجياً من نموذج يعتمد شبه كلي على العقود طويلة الأجل إلى هيكل أكثر مرونة، يرتكز على عقود قصيرة الأجل بمدد متفاوتة، غالبًا أقل من أربع سنوات. هذا التحول أتاح للمشترين والبائعين قدرة أكبر على التكيف مع تقلبات الطلب والأسعار، وقلّص من القيود التقليدية التي فرضتها العقود الممتدة لعقود.
ثانياً، اتساع نطاق التداولات الفورية والقصيرة الأجل، ومع دخول عدد متزايد من المشترين والبائعين الجدد، أصبح سوق الغاز الطبيعي المسال أكثر تنوعًا وسرعة في الحركة. تاريخياً، كانت الإمدادات تُسلم في إطار اتفاقيات طويلة الأجل، غير أن المفاوضات حول الشحنات الفورية بدأت تنمو منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تتسارع وتيرتها بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير. فبعد أن لم تتجاوز حصة التداول الفوري نحو 10 % من إجمالي التجارة قبل عامي 2004 و2005، أظهرت بيانات المجموعة الدوليـة لمستوردي الغـاز الطبيعي المسال (GIGNL) ارتفاع هذه النسبة من 18.9 % في عام 2010 إلى 27 % في عام 2017، ثم تجاوزت 30 % و34 % في عامي 2018 و2019 على التوالي، لتصل إلى نحو 40 % في عام 2020. إلا أن هذه الحصة تراجعت لاحقًا إلى قرابة 35 % في عام 2022، متأثرة بظروف استثنائية شملت جائحة كوفيد – 19، ثم تداعيات الأزمة الروسية–الأوكرانية منذ فبراير 2022.
ثالثاً، نشاط إعادة الشحن وإعادة تصدير الغاز الطبيعي المسال. ويُعد هذا المسار من التطورات الحديثة نسبيًا، إذ لم يكن معروفاً على نطاق واسع لعدة عقود، ويُنظر إليه اليوم كأداة تحكيم مشروعة في السوق. بدأت أهمية هذا النشاط بالتصاعد بعد عام 2008، حين أُعيد تصدير خمس شحنات خلال ذلك العام، وجميعها كانت شحنات قطرية لم تجد مشترين بأسعار مناسبة في شمال أوروبا، ما استدعى تحويلها إلى أسواق أخرى. وقد عكست تلك التحويلات التحديات التي واجهها بائعو الغاز المسال في تلك المرحلة، ومنذ عام 2010، شهدت عمليات إعادة التصدير توسعًا كبيرًا وتنوعًا ملحوظًا، خصوصًا مع دخول الغاز المسال الأميركي إلى الأسواق العالمية وبداية تصديره، إلى جانب تزايد عدد محطات إعادة التحميل في أوروبا منذ عام 2011، ما عزز مرونة تدفقات الإمدادات بين المناطق المختلفة.
توسعة قناة بنما وتأثيرها
على تجارة الغاز المسال
أتاحت توسعة قناة بنما، التي دخلت حيز التشغيل في عام 2016، للممر المائي استيعاب نحو 90 % من أسطول ناقلات الغاز الطبيعي المسال عالمياً لأول مرة، ما وفر وفورات كبيرة في الزمن والتكلفة لمنتجي الغاز المسال في الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية عند التصدير إلى الساحل الغربي لأميركا الجنوبية وإلى الأسواق الآسيوية. ومنذ تنفيذ التوسعة في يونيو 2016، عبرت القناة نحو 372 ناقلة غاز مسال، حجزت 337 منها مواعيد عبور مسبقة، فيما تمكنت سفن أخرى من المرور من دون حجز وفي اليوم نفسه، باستثناء عدد محدود اضطر للانتظار ثلاثة إلى أربعة أيام فقط.
غير أن هذا الدور الحيوي واجه تحديات غير مسبوقة في عام 2023، حين اضطرت هيئة قناة بنما (ACP)، وللمرة الأولى في تاريخ القناة الممتد لأكثر من قرن، إلى تقييد حركة العبور نتيجة الانخفاض الحاد في منسوب المياه ببحيرة جاتون بفعل موجات الجفاف الشديد. وأسهمت هذه القيود في تقليص عدد ناقلات الغاز المسال العابرة بشكل ملحوظ، ما أدى إلى تراكم السفن وارتفاع تكاليف الشحن بفعل الاختناقات، مع احتمالات تشديد سوق النقل البحري. ففي الظروف الاعتيادية، تعبر القناة نحو 36 سفينة يومياً من مختلف الحمولات، إلا أن هذا الرقم تراجع إلى نحو 24 سفينة يوميًا مطلع عام 2024، في إطار إجراءات تقشف مائي هدفت إلى تجنب فرض قيود أشد.
التطور التكنولوجي وتعميم
وحدات التخزين وإعادة التغييز العائمة (FSRU)
أسهم التقدم التكنولوجي على جانبي العرض والطلب في إعادة رسم خريطة تجارة الغاز الطبيعي المسال، لا سيما مع تعميم استخدام وحدات التخزين وإعادة التغييز العائمة (FSRU). ويعود الظهور التاريخي لهذا المفهوم إلى عام 2001، عندما تعاقدت شركة «إل باسو» مع شركة «إكسيليريت إنرجي» لتنفيذ مشروع «Gateway Gulf»، الذي مثّل أول تطبيق عملي لوحدات التغييز والتخزين العائمة. ومنذ ذلك الحين، عُدّت المرونة التشغيلية التي توفرها هذه السفن عاملاً حاسماً في تعزيز كفاءة نقل الغاز المسال وتسويقه.
وشهد عدد وحدات «FSRU» نمواً متسارعًا على مدى العقدين الماضيين ليبلغ حالياً نحو 51 وحدة، ما جعل الغاز الطبيعي المسال خياراً أكثر تنافسية من حيث الكلفة وسرعة الانتشار. وتُعد هذه الوحدات سفناً متعددة الوظائف، تجمع بين تخزين الغاز المسال وأنظمة إعادة تحويله إلى حالته الغازية على متن ناقلة واحدة، بما يتيح لها استقبال الشحنات مباشرة من ناقلات الغاز الكبيرة، وتخزينها في خزانات معزولة، ثم ضخ الغاز إلى الشبكات المحلية بعد إعادة تغييزه.
ومنذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، توسع تطوير مشاريع «FSRU» في مختلف أنحاء العالم، خصوصًا في إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية. كما شهد الطلب الأوروبي قفزة ملحوظة في أعقاب الأزمة الروسية–الأوكرانية، إذ أظهر دفتر الطلبات في نهاية عام 2022 وجود خمس وحدات جديدة قيد التعاقد، كان من المقرر تسليم أربع منها في عام 2023، ولم يُسلّم جميعها، إضافة إلى وحدة واحدة مجدولة للتسليم في عام 2026، ما يعكس الدور المتنامي لهذه التقنية في تعزيز أمن الإمدادات وسرعة الاستجابة للأزمات.