تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دور‭ ‬الاستثمار‭ ‬العام‭ ‬ومعضلة‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية

LN60

تشترك‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أوضاعها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجغرافية،‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السمات‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تطبع‭ ‬سياساتها‭ ‬التنموية‭. ‬وتبرز‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬السمات‭ ‬أولوية‭ ‬النهوض‭ ‬بقطاعات‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتحديث‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬ووسائل‭ ‬المواصلات،‭ ‬وتطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬الاتصال،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬صناعة‭ ‬البناء‭ ‬بوصفها‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لأي‭ ‬عملية‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة‭.‬
وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬رؤية‭ ‬واحدة‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬تعزيز‭ ‬الصادرات‭ ‬وتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الواردات،‭ ‬باستثناء‭ ‬ما‭ ‬تفرضه‭ ‬متطلبات‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬محلياً،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬يعكس‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭.‬

دور‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التنمية

وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬الإحصائية‭ ‬إلى‭ ‬تباين‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الملاحَظ‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬نامية‭ ‬تضع‭ ‬لنفسها‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬مستهدف‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬4‭ %. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الماضية‭.‬
ولا‭ ‬يجد‭ ‬الباحث،‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬سوى‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بتحديد‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬5‭ %‬،‭ ‬بينما‭ ‬تتطلع‭ ‬الغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬5‭ % ‬وقد‭ ‬تتجاوزها‭. ‬وتدعم‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬نتائج‭ ‬دراسة‭ ‬شملت‭ ‬38‭ ‬دولة‭ ‬نامية،‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يستهدف‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬سنوية‭ ‬تفوق‭ ‬6‭ %‬،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بالزيادة‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السكان،‭ ‬وما‭ ‬تفرضه‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬لتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التنمية‭ ‬واستيعاب‭ ‬هذا‭ ‬التنامي‭ ‬السكاني‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬العملية‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬مبالغة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬طموحات‭ ‬هذا‭ ‬الفريق‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬يتجاوز‭ ‬3‭.‬5‭ %. ‬كما‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وضعت‭ ‬خططًا‭ ‬متسارعة‭ ‬لتطوير‭ ‬مرافقها‭ ‬العامة،‭ ‬مستهدفة‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة‭ ‬لا‭ ‬تنسجم،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬مع‭ ‬قدراتها‭ ‬الفعلية‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والإمكانات‭ ‬إلى‭ ‬خيبة‭ ‬أمل‭ ‬لدى‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬شؤون‭ ‬التنمية،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬اقتصرت‭ ‬النتائج‭ ‬المحققة‭ ‬على‭ ‬زيادات‭ ‬سنوية‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬1‭ % ‬أو‭ ‬2‭ %.‬
وتتبلور‭ ‬التحديات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬نامية‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬صياغة‭ ‬خطة‭ ‬تنموية‭ ‬واقعية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬يقترب‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬من‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف،‭ ‬دون‭ ‬الخروج‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬الإمكانات‭ ‬المتاحة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تعتمد‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬معدل‭ ‬النمو‭ ‬الممكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقييم‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسيين‭: ‬أولهما‭ ‬حجم‭ ‬احتياطيات‭ ‬الموارد‭ ‬القابلة‭ ‬للاستثمار‭ ‬والمتوقع‭ ‬توافرها‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشروع،‭ ‬وثانيهما‭ ‬حجم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬توجيهه‭ ‬لتمويل‭ ‬خطط‭ ‬التنمية‭ ‬وتنفيذها‭.‬
تحتل‭ ‬عملية‭ ‬إعداد‭ ‬الخطة‭ ‬المالية‭ ‬للاستثمار‭ ‬موقع‭ ‬الصدارة‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬عند‭ ‬شروعها‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭. ‬ويضطلع‭ ‬الخبراء‭ ‬بتقدير‭ ‬حجم‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬المتوقع‭ ‬توافرها‭ ‬للقطاع‭ ‬العام‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬الأغراض‭ ‬التنموية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬إعداد‭ ‬تصورات‭ ‬تقريبية‭ ‬لاتجاهات‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تعتمد،‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الأجنبي‭ ‬كمصدر‭ ‬مكمل‭ ‬لمواردها‭ ‬المحلية،‭ ‬فإن‭ ‬التوقعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬وحركة‭ ‬المدفوعات‭ ‬تشكل‭ ‬عنصرًا‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الصياغة‭ ‬الأولية‭ ‬لأي‭ ‬خطة‭ ‬تنموية‭.‬
وتخضع‭ ‬هذه‭ ‬التقديرات‭ ‬لاحقًا‭ ‬لمراحل‭ ‬متتالية‭ ‬من‭ ‬المراجعة‭ ‬والتنقيح،‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬ومدتها‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬وتستند‭ ‬أساساً‭ ‬إلى‭ ‬التخطيط‭ ‬التفصيلي‭ ‬للمشروعات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والاستثمارية‭. ‬وفي‭ ‬السابق،‭ ‬كانت‭ ‬عمليات‭ ‬التقدير‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬على‭ ‬الخبرات‭ ‬السابقة،‭ ‬مع‭ ‬إدخال‭ ‬التعديلات‭ ‬اللازمة‭ ‬التي‭ ‬تراعي‭ ‬التحولات‭ ‬المتوقعة‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الاستثمار‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استغلاله‭ ‬بكفاءة‭ ‬أعلى‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬التخطيط،‭ ‬فإن‭ ‬جانباً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬يظل‭ ‬خاضعًا‭ ‬للمشروعات‭ ‬الفردية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬مساره‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التوجيه‭ ‬المباشر‭ ‬للدولة‭. ‬ويترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬خروج‭ ‬جزء‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عن‭ ‬نطاق‭ ‬السيطرة‭ ‬الحكومية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬المبادرة‭ ‬الخاصة،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬نماذج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الاشتراكي‭ ‬الخالص‭ ‬أو‭ ‬المختلط‭. ‬ويعزى‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬محدودية‭ ‬القدرات‭ ‬الإدارية‭ ‬للدول‭ ‬النامية،‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬العملية‭ ‬على‭ ‬الإحاطة‭ ‬بكافة‭ ‬تفاصيل‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬الجدوى‭ ‬العملية‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬الشامل‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬أن‭ ‬خطط‭ ‬التنمية‭ ‬أخفقت‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬أهداف‭ ‬واضحة‭ ‬يتولى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬تنفيذها‭. ‬إذ‭ ‬تظهر‭ ‬التجارب‭ ‬التنموية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬اعتمادًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المشروعات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الزراعة،‭ ‬حيث‭ ‬حُددت‭ ‬أهداف‭ ‬لإنتاج‭ ‬محاصيل‭ ‬التصدير‭ ‬الرئيسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المحاصيل‭ ‬الغذائية‭ ‬الموجهة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬المحلي‭. ‬كما‭ ‬شملت‭ ‬الخطط‭ ‬التنموية‭ ‬أهدافًا‭ ‬لإنتاج‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬مثل‭ ‬المنسوجات‭ ‬والإسمنت‭ ‬والصلب‭ ‬والأسمدة‭.‬
وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬حقيقة‭ ‬ذات‭ ‬دلالة،‭ ‬مفادها‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ضخامة‭ ‬إسهام‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬فإن‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬يضطلع‭ ‬بدور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬إجمالي‭ ‬الاستثمار‭. ‬إذ‭ ‬تتراوح‭ ‬حصة‭ ‬استثماراته‭ ‬بين‭ ‬الثلث‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬النصف‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭. ‬وتتيح‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬المرتفعة‭ ‬للدولة‭ ‬إمكانية‭ ‬وضع‭ ‬برامج‭ ‬استثمارية‭ ‬محددة،‭ ‬وتقدير‭ ‬أثرها‭ ‬المتوقع‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬الإنتاج‭ ‬القومي،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬يشهد‭ ‬فيها‭ ‬تدخل‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬حضورًا‭ ‬قويًا‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يُعد‭ ‬احتجاز‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬وتوجيهه‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أحد‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬لسياسات‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭. ‬وترى‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬معدلات‭ ‬الاستثمار‭ ‬شرطاً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬قناعتها‭ ‬بأن‭ ‬المعدلات‭ ‬التقليدية‭ ‬للاستثمار‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كافية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الطموحات‭ ‬المنشودة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التقدم‭ ‬والازدهار‭.‬
تتوافر‭ ‬الموارد‭ ‬الإضافية‭ ‬اللازمة‭ ‬لزيادة‭ ‬معدلات‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬عبر‭ ‬مسارين‭ ‬رئيسيين‭. ‬يتمثل‭ ‬المسار‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬رفع‭ ‬حجم‭ ‬الادخار‭ ‬القومي‭ ‬وتوجيهه‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭. ‬أما‭ ‬المسار‭ ‬الثاني‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الموارد‭ ‬المتأتية‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬القروض‭ ‬أو‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬عجز‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭.‬
وفي‭ ‬الواقع‭ ‬العملي،‭ ‬تجمع‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬المسارين،‭ ‬مع‭ ‬تفاوت‭ ‬درجة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬بحسب‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬لكل‭ ‬دولة،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الأعباء‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭ ‬أو‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬تقليص‭ ‬الاستهلاك‭.‬

توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬التنمية

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬مهمة‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬شؤون‭ ‬التنمية‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬نسبة‭ ‬الموارد‭ ‬المخصصة‭ ‬للاستثمار‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬موارد‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬كيفية‭ ‬توزيع‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬بين‭ ‬قطاعات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬وفروعه‭ ‬المختلفة‭. ‬وتتأثر‭ ‬عملية‭ ‬التوزيع‭ ‬هذه‭ ‬بمجموعتين‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الأساسية‭: ‬الأولى‭ ‬ترتبط‭ ‬بالأهداف‭ ‬المرجوة‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاستهلاك‭ ‬ووضع‭ ‬الميزان‭ ‬الخارجي،‭ ‬فيما‭ ‬تتصل‭ ‬الثانية‭ ‬بطبيعة‭ ‬تدفق‭ ‬الموارد‭ ‬وبهيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القائم‭.‬
ويقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬صانعي‭ ‬السياسات‭ ‬التنموية‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬نحو‭ ‬المشروعات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الراهنة‭ ‬لكل‭ ‬بلد‭. ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬بصورة‭ ‬عشوائية،‭ ‬بل‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬مترابطة‭ ‬لجملة‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تتداخل‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬وتعكس‭ ‬في‭ ‬مجموعها‭ ‬رؤى‭ ‬محددة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬متطلبات‭ ‬التغيرات‭ ‬الهيكلية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتهيئة‭ ‬بيئة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬ذاتي‭ ‬ومستدام‭.‬
كما‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬مدى‭ ‬اندماج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬للدولة‭ ‬النامية‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تشخيص‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬عوائق‭ ‬رئيسية‭ ‬أمام‭ ‬النمو‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬توجه‭ ‬الدولة‭ ‬حيال‭ ‬مفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬آليات‭ ‬السوق‭ ‬لتحديد‭ ‬مسارات‭ ‬الاستثمار،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬التدخل‭ ‬المباشر‭ ‬لتوجيهها‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الأهداف‭ ‬التنموية‭.‬
وتتصل‭ ‬هذه‭ ‬الاختيارات‭ ‬أيضًا‭ ‬بالفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬الدول‭ ‬تجاه‭ ‬الاستثمار،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬شقه‭ ‬الفردي‭ ‬أو‭ ‬العام‭. ‬وتؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬حصة‭ ‬الاستثمار‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الموجهة‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تشهد‭ ‬تصاعداً‭ ‬مستمراً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزى‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الإيمان‭ ‬بالفلسفات‭ ‬ذات‭ ‬النزعة‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتوجيه‭ ‬جانب‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬استثماراتها‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬مركزية‭ ‬لتحقيق‭ ‬التنمية‭.‬

رجوع لأعلى