دور الاستثمار العام ومعضلة الموارد في الدول النامية
تشترك الدول النامية، على اختلاف أوضاعها الاقتصادية والجغرافية، في مجموعة من السمات العامة التي تطبع سياساتها التنموية. وتبرز في مقدمة هذه السمات أولوية النهوض بقطاعات الطاقة، وتحديث شبكات النقل ووسائل المواصلات، وتطوير أنظمة الاتصال، إلى جانب توسيع قاعدة صناعة البناء بوصفها ركيزة أساسية لأي عملية تنمية مستدامة.
وفي السياق ذاته، تهيمن على صانعي القرار في معظم الدول النامية رؤية واحدة تتمحور حول تعزيز الصادرات وتقليص الاعتماد على الواردات، باستثناء ما تفرضه متطلبات مشروعات التنمية من احتياجات لا تتوافر محلياً، وهو توجه يعكس السعي إلى تحسين الميزان التجاري وتخفيف الضغوط على الموارد المالية.
دور القطاع العام في مسار التنمية
وتشير البيانات الإحصائية إلى تباين واضح في معدلات النمو بين الدول النامية، غير أن الملاحَظ هو غياب أي دولة نامية تضع لنفسها معدل نمو سنوي مستهدف يقل عن 4 %. ورغم ذلك، فإن عددًا كبيرًا من هذه الدول لم يتمكن من الحفاظ على هذا المستوى من النمو على امتداد السنوات العشر الماضية.
ولا يجد الباحث، في واقع الأمر، سوى قلة من الدول النامية التي تكتفي بتحديد معدل نمو سنوي يقل عن 5 %، بينما تتطلع الغالبية الساحقة إلى تحقيق معدلات نمو لا تقل عن 5 % وقد تتجاوزها. وتدعم هذه النظرة نتائج دراسة شملت 38 دولة نامية، أظهرت أن نحو ثلث هذه الدول يستهدف معدلات نمو سنوية تفوق 6 %، مدفوعًا في ذلك بالزيادة السريعة في عدد السكان، وما تفرضه من ضغوط على الحكومات لتسريع وتيرة التنمية واستيعاب هذا التنامي السكاني.
غير أن التجربة العملية كشفت عن مبالغة واضحة في طموحات هذا الفريق من الدول، إذ لم تنجح أكثر من نصف الدول النامية في تحقيق معدل نمو سنوي يتجاوز 3.5 %. كما يتبين أن العديد من هذه الدول وضعت خططًا متسارعة لتطوير مرافقها العامة، مستهدفة معدلات نمو مرتفعة لا تنسجم، في كثير من الأحيان، مع قدراتها الفعلية. وقد أدى هذا الخلل بين الطموح والإمكانات إلى خيبة أمل لدى القائمين على شؤون التنمية، خاصة عندما اقتصرت النتائج المحققة على زيادات سنوية لا تتجاوز 1 % أو 2 %.
وتتبلور التحديات الأساسية التي تواجه كل دولة نامية في ضرورة صياغة خطة تنموية واقعية، قادرة على تحقيق معدل نمو يقترب قدر الإمكان من المستوى المستهدف، دون الخروج عن حدود الإمكانات المتاحة. وفي هذا الإطار، تعتمد معظم الدول النامية على تقدير معدل النمو الممكن تحقيقه من خلال تقييم عاملين رئيسيين: أولهما حجم احتياطيات الموارد القابلة للاستثمار والمتوقع توافرها طوال فترة تنفيذ المشروع، وثانيهما حجم رأس المال الذي يمكن توجيهه لتمويل خطط التنمية وتنفيذها.
تحتل عملية إعداد الخطة المالية للاستثمار موقع الصدارة في أولويات الدول النامية عند شروعها في صياغة مشروعات التنمية. ويضطلع الخبراء بتقدير حجم الموارد المالية المتوقع توافرها للقطاع العام وتوجيهها نحو الأغراض التنموية، بالتوازي مع إعداد تصورات تقريبية لاتجاهات الادخار والاستثمار في القطاع الخاص. وبما أن معظم الدول النامية تعتمد، بدرجات متفاوتة، على رأس المال الأجنبي كمصدر مكمل لمواردها المحلية، فإن التوقعات المرتبطة بالتجارة الخارجية وحركة المدفوعات تشكل عنصرًا لا غنى عنه في الصياغة الأولية لأي خطة تنموية.
وتخضع هذه التقديرات لاحقًا لمراحل متتالية من المراجعة والتنقيح، تختلف في عمقها ومدتها من دولة إلى أخرى، وتستند أساساً إلى التخطيط التفصيلي للمشروعات الإنتاجية والاستثمارية. وفي السابق، كانت عمليات التقدير تعتمد في جوهرها على الخبرات السابقة، مع إدخال التعديلات اللازمة التي تراعي التحولات المتوقعة في هيكل الاستثمار أو في القدرة على استغلاله بكفاءة أعلى.
وعلى الرغم من اتساع نطاق التخطيط، فإن جانباً كبيراً من النشاط الاقتصادي في الدول النامية يظل خاضعًا للمشروعات الفردية التي تحدد مساره بعيداً عن التوجيه المباشر للدولة. ويترتب على ذلك خروج جزء معتبر من الأهداف الاقتصادية عن نطاق السيطرة الحكومية، سواء في الدول التي تميل إلى دعم المبادرة الخاصة، أو تلك التي تتبنى نماذج الاقتصاد الاشتراكي الخالص أو المختلط. ويعزى هذا الواقع إلى محدودية القدرات الإدارية للدول النامية، وعدم قدرتها العملية على الإحاطة بكافة تفاصيل مشروعات التنمية والتدخل في كل مفاصل الحياة الاقتصادية، فضلًا عن محدودية الجدوى العملية لمثل هذا التدخل الشامل.
ولا يعني ذلك، في المقابل، أن خطط التنمية أخفقت تمامًا في تحديد أهداف واضحة يتولى القطاع الخاص تنفيذها. إذ تظهر التجارب التنموية في العديد من الدول النامية اعتمادًا ملحوظًا على القطاع الخاص في تنفيذ عدد كبير من المشروعات، ولا سيما في قطاع الزراعة، حيث حُددت أهداف لإنتاج محاصيل التصدير الرئيسية، إلى جانب المحاصيل الغذائية الموجهة للاستهلاك المحلي. كما شملت الخطط التنموية أهدافًا لإنتاج مجموعة من السلع الاستهلاكية والإنتاجية، مثل المنسوجات والإسمنت والصلب والأسمدة.
وتبرز هنا حقيقة ذات دلالة، مفادها أنه على الرغم من ضخامة إسهام القطاع الخاص في الناتج القومي الإجمالي، فإن القطاع العام يضطلع بدور محوري في إجمالي الاستثمار. إذ تتراوح حصة استثماراته بين الثلث وأكثر من النصف من إجمالي الاستثمارات في العديد من الدول النامية. وتتيح هذه النسبة المرتفعة للدولة إمكانية وضع برامج استثمارية محددة، وتقدير أثرها المتوقع على تطور الإنتاج القومي، لاسيما في البلدان التي يشهد فيها تدخل القطاع العام حضورًا قويًا في النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يُعد احتجاز جزء من الناتج القومي وتوجيهه نحو تعزيز الطاقة الإنتاجية أحد الركائز الأساسية لسياسات التنمية في الدول النامية. وترى هذه الدول في رفع معدلات الاستثمار شرطاً لا غنى عنه لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي، انطلاقاً من قناعتها بأن المعدلات التقليدية للاستثمار لم تعد كافية لتحقيق الطموحات المنشودة في مسار التقدم والازدهار.
تتوافر الموارد الإضافية اللازمة لزيادة معدلات الاستثمار في الدول النامية عبر مسارين رئيسيين. يتمثل المسار الأول في خفض نسبة الاستهلاك من الناتج المحلي، بما يتيح رفع حجم الادخار القومي وتوجيهه نحو الاستثمار. أما المسار الثاني فيقوم على زيادة الموارد المتأتية من الخارج، سواء عبر القروض أو الاستثمارات الأجنبية، وهو خيار غالباً ما يقود إلى تفاقم عجز ميزان المدفوعات.
وفي الواقع العملي، تجمع غالبية الدول النامية بين هذين المسارين، مع تفاوت درجة الاعتماد على كل منهما بحسب الأوضاع الاقتصادية والمالية لكل دولة، وقدرتها على تحمل الأعباء المترتبة على التمويل الخارجي أو الضغوط الاجتماعية الناجمة عن تقليص الاستهلاك.
توزيع الموارد على مسارات التنمية
ولا تقتصر مهمة القائمين على شؤون التنمية على تحديد نسبة الموارد المخصصة للاستثمار من إجمالي موارد الدولة، بل تمتد لتشمل كيفية توزيع هذه الموارد بين قطاعات الاقتصاد الوطني وفروعه المختلفة. وتتأثر عملية التوزيع هذه بمجموعتين من العوامل الأساسية: الأولى ترتبط بالأهداف المرجوة من الاستثمار والاستهلاك ووضع الميزان الخارجي، فيما تتصل الثانية بطبيعة تدفق الموارد وبهيكل الاقتصاد القائم.
ويقع على عاتق صانعي السياسات التنموية توجيه الاستثمارات نحو المشروعات القادرة على تحقيق أكبر قدر من التقدم في ظل الأوضاع الراهنة لكل بلد. ولا يتم هذا الاختيار بصورة عشوائية، بل يستند إلى دراسة مترابطة لجملة من القضايا الاقتصادية التي تتداخل فيما بينها، وتعكس في مجموعها رؤى محددة، من أبرزها متطلبات التغيرات الهيكلية اللازمة لتهيئة بيئة قادرة على تحقيق نمو اقتصادي ذاتي ومستدام.
كما يدخل في صلب هذه الرؤى مدى اندماج الاقتصاد الوطني للدولة النامية في منظومة التجارة الدولية، إلى جانب تشخيص العوامل التي تمثل عوائق رئيسية أمام النمو خلال فترة تنفيذ برامج التنمية. ويضاف إلى ذلك توجه الدولة حيال مفهوم الحرية الاقتصادية، وما إذا كانت تميل إلى ترك آليات السوق لتحديد مسارات الاستثمار، أو إلى التدخل المباشر لتوجيهها بما يخدم الأهداف التنموية.
وتتصل هذه الاختيارات أيضًا بالفلسفة التي تتبناها الدول تجاه الاستثمار، سواء في شقه الفردي أو العام. وتؤكد التجارب أن حصة الاستثمار العام من إجمالي الاستثمارات الموجهة للتنمية الاقتصادية تشهد تصاعداً مستمراً، وهو ما يعزى إلى اتساع نطاق الإيمان بالفلسفات ذات النزعة الاشتراكية، ولا سيما في بعدها الاقتصادي. ويتجلى ذلك بوضوح في اتجاه عدد من الدول النامية إلى تعزيز دور الدولة في السيطرة على وسائل الإنتاج، وتوجيه جانب متزايد من استثماراتها إلى القطاع العام بوصفه أداة مركزية لتحقيق التنمية.